الإيمان بوجود الله ﷾ فطرة في النفس الإنسانية، فمن تفكر بعقله في الكون آمن بالله ورأى من الآيات ما يبهر الألباب، وصدق بوجود الله الخالق الوهاب، وفي الذكر الحكيم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، فالقرآن يقرر بأن الدين فطرة في الإنسان فطر الناس عليها، أساسها الاعتقاد بخالق الكون، وأنه واحد لا شريك له، فإذا انفرد المرء بنفسه حكم بأنه مخلوق لإله قادر حكيم خلقه وأنعم عليه، قال الشاعر:
إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة (٢)
وقال أبو نواس:
تأمل في خلال الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليكُ
عيون من لجين شاخصاتٌ بأحداق هي الذهب السبيكُ
على قضب الزبرجد شاهداتٌ بأن الله ليس له شريكُ
ويرحم الله أبا العتاهية حيث يقول:
أَلا إِنَّنا كُلَّنا بائِدُ وَأَيُّ بَني آدَمٍ خالِدُ
وَبَدؤُهُمُ كانَ مِن رَبِّهِم وَكُلٌّ إِلى رَبِّهِ عائِدُ
فَيا عَجَبا كَيفَ يُعصى الإِلَـ ـهُ أَم كَيفَ يَجحَدُهُ الجاحِدُ
_________________
(١) - سورة الروم الآية (٣٠) .
(٢) - الموسوعة الشعرية ص٣٤، وصيد الخاطر لابن الجوزي ص٤١٥.
[ ١٤١ ]
وَلِلَّهِ في كُلِّ تَحريكَةٍعَلَينا وَتَسكينَةٍ شاهِدُ
وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ
والإيمان في اللغة: التصديق، وفي الاصطلاح: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح، فهو التصديق بكل ما أخبر الله ﷾ به في كتابه الكريم أو على لسان رسوله تصديقًا جازمًا لا يخالطه شك ولا ريب، وفي الذكر الحكيم: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢) .
وقال الشاعر:
إِيماننا باللَهِ بَينَ ثَلاثَةٍ عَمَلٍ وَقَولٍ واِعتِقادِ جَنانِ
وَيَزيدُ بِالتَقوى وَيَنقُصُ بِالرَدى وَكِلاهُما في القَلبِ يَعتَلِجانِ (٣)
وقال ابن القيم:
وَاشهد عَلَيهِم أنَّ إِيمَانَ الوَرَى قَولٌ وفِعلٌ ثُمَّ عَقدُ جَنَانِ
وَيزِيدُ بالطَّاعَاتِ قَطعًا هَكَذَا بِالضِّدِّ يُمسِي وَهوَ ذُو نُقصَانِ
وَاللهُ مَا إيمَانُ عَاصِينَا كايـ ـمَانِ الأمِينِ مُنَزِّلِ القُرآنِ
كَلاَّ وَلاَ إيمَانُ مُؤمِنِنَا كايـ ـمَانِ الرَّسُولِ مُعَلِّمِ الإِيمَانِ
_________________
(١) - سورة البقرة الآية (٢٨٥) .
(٢) - سورة البقرة الآية (١٣٦) .
(٣) - هذان البيتان لعبد الله الاندلسي.
[ ١٤٢ ]
وجاء في الذكر الحكيم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١) .