إن التصديق بكل ما أنزله الله على رسله وأخبر الله به عباده في كتابه العزيز عن الجن والملائكة والجنة والنار ويوم المعاد والحساب وما يحصل فيه يدل على كمال الإيمان واليقين، والإيمان بما أوجب الله عن كل ما غاب عن نظر الإنسان وإدراكه واستأثر الله به مما أرشد إليه القرآن الكريم، فلا يكون الإنسان مهتديًا ومؤمنًا ما لم يكن مؤمنًا بالغيب، وفي القرآن العظيم على ذلك دليل وشاهد: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) .
ولعلماء اللغة والتفسير في وصف الغيب أقوال نشير إلى بعض منها:
قال الراغب: الغيب: مصدر غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن العين، واستعمل في كل غائب عن الحاسة، وعما يغيب عن علم الإنسان بمعنى الغائب، ويقال للشيء غيب وغائب باعتباره بالناس لا بالله تعالى، فإنه لا يغيب عنه شيء، كما لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض (٤) .
وقيل: الغيب: ما غاب علمه عن جميع المخلوقات إلا ما علموه عن طريق الرسل، وقال الفيروزابادي: الغيب ما غاب عنك، وقيل: الغيب ما غاب عن الناس مما أخبرهم به النبي ﵌ من الملائكة والجنة والنار والحساب، وقال ابن الأعرابي: الغيب: ما كان غائبًا عن العيون وإن كان محصلًا في القلوب، وأنشد بيت تميم بن أبي بن مقبل:
وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الغلام وراء الغيب بالحجر (٥)
وقال صاحب المنار: الغيب قسمان: غيب حقيقي مطلق وهو ما غاب عن جميع الخلق حتى الملائكة، وفيه يقول الله ﷿: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ (٦)، وغيب إضافي وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره ولا يعلمه البشر مثلًا، وأما ما يعلمه بعض البشر بتمكنهم من أسبابه واستعمالهم
_________________
(١) - وردت هذه الأبيات ليوسف الدجوي من كبار علماء الأزهر في القرن الماضي ضمن تقريضه للنهضة الإصلاحية للأسرة الإسلامية لمؤلفه مصطفى الحمامي، ص٩، مطبعة مصطفى الحلبي ١٣٥٥هـ١٩٣٦م.
(٢) - العلامة الشريف الرضي: (٣٥٩-٤٠٦هـ/٩٦٩-١٠١٥م) محمد بن الحسين بن موسى، أبو الحسن، الرضي العلوي الحسيني الموسوي. من أحفاد الإمام علي بن أبي طالب ﵁، أشعر الطالبيين على كثرة المجيدين فيهم. مولده ووفاته في بغداد، انتهت إليه نقابة الأشراف في حياة والده وخلع عليه بالسواد وجدد له التقليد سنة ٤٠٣ هـ. له ديوان شعر في مجلدين، وكتب منها: الحَسَن من شعر الحسين، وهو مختارات من شعر ابن الحجاج في ثمانية أجزاء، والمجازات النبوية، ومجاز القرآن، ومختار شعر الصابئ، ومجموعة ما دار بينه وبين أبي إسحاق الصابئ من الرسائل، وهو جامع نهج البلاغة، ونسب جمعه البعض إلى أخيه المرتضى. توفي ببغداد ودفن بداره أولًا ثمّ نقل رفاته ليدفن في جوار جده الإمام الحسين ﵁، بكربلاء.
(٣) - سورة البقرة الآيات (٣-٥) .
(٤) - المفردات ص٣٧٠.
(٥) - الوجيب: تحرك القلب، والأبهر: عرق في الصلب، والقلب متصل به، فإذا انقطع لم تكن معه حياة، واللدم: الضرب، يريد أن للفؤاد صوت يسمعه ولا يراه كما يسمع صوت الحجر الذي يرمي به الصبي ولا يراه، وانظر: اللسان في مادة (بهر) ج٤ص٨١، وبصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للعلامة مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي المتوفى سنة ٨١٧هـ، ج٤ص٢٥٢، الناشر: المكتبة العلمية بيروت الطبعة الأولى.
(٦) - سورة النمل الآية (٦٥) .
[ ١٦١ ]
لها ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب وعجزهم عن استعمالها، فلا يدخل في عموم معنى الغيب الوارد في كتاب الله، وهذه الأسباب منها ما هو علمي كالدلائل العقلية والعلمية فإن بعض علماء الرياضيات وغيرها يستخرجون من دقائق المجهولات ما يعجز عنه أكثر الناس، ويضبطون ما يقع من الخسوف والكسوف بالدقائق والثواني قبل وقوعه.
ومنها ما هو عملي كالتلغراف الهوائي أو اللاسلكي الذي يعلم به المرء بعض ما يقع في أقاصي البلاد وأجواف البحار التي بينه وبينها ألوف من الأميال (١) .
وفي الذكر الحكيم: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢)، وفي هذه الآية دليل على أن الرسول ﵊ وكذلك سائر الأنبياء لم يعطوا علم الغيب بحيث يكون إدراكه من علومهم الكسبية، كما أنهم لم يعطوا قوة التصرف في خزائن ملك الله، لأن ذلك مما لم يمكن البشر من أسبابه ولا أعطاهم إياه على سبيل الخصوصية، كما أظهرهم على بعض الغيب الذي هو موضوع الرسالة، ونفي ادعاء الرسول لكل من الأمرين يتضمن التبرؤ من ادعاء الألوهية، أو ادعاء شيء من صفات الإله، وهو أولى ويستلزم ذلك أن كلا منهما خاص بالإله الذي هو على كل شيء قدير وبكل شيء عليم.
_________________
(١) - تفسير المنار ج٧ص٤٢٢.
(٢) - سورة الأنعام الآية (٥٠) .
[ ١٦٢ ]
قال النابغة الجعدي (١):
لَوى اللَهُ عِلمَ الغَيبِ عَمَّن سِواءَهُ وَيَعلَمُ مِنهُ ما مَضى وتأَخَّرا
أما أبو الحسن الغزنوي فهو يقول:
والله بالغيب والتقدير منفرد وما سوى حكمه غيِّ وتضليلُ
ويرى محمد الحسيني أن الله انفرد بعلم الغيب وأنه لا أجهل ممن يدَّعي ثقةً بحدسه وهو يجهل ما في بيته، وذلك حيث يقول:
لا يعلم الغيب إلا الله خالقنا لا غيره عالم عجمًا ولا عربا
إذ لا شيء أجهل ممن يدعي ثقةً بحدسه ويرى فيما يرى ريبا
قد يجهل المرء ما في بيته نظرًا فكيف عنه بما في غيبه احتجبا
أما زهير بن أبي سلمى (٢) فهو يقول:
وَأَعلَمُ عِلمَ اليَومِ وَالأَمسِ قَبلَهُ وَلَكِنَّني عَن عِلمِ ما في غَدٍ عَمي
إخبار المنجم عن علم الغيب كذب والتصديق به كفر
_________________
(١) - قيس بن عبد الله، بن عُدَس بن ربيعة، الجعدي العامري، أبو ليلى، (٥٤ق. هـ-٥٠ هـ/ ٧٠-٦٧٠م)، شاعر مفلق، صحابي من المعمرين، اشتهر في الجاهلية وسمي النابغة لأنه أقام ثلاثين سنة، لا يقول الشعر ثمَّ نبغ فقاله، وكان ممن هجر الأوثان، ونهى عن الخمر قبل ظهور الإسلام، ووفد على النبي ﵌، فأسلم، وأدرك صفّين فشهدها مع علي كرم الله وجهه، ثم سكن الكوفة فَسَيّره معاوية إلى أصبهان مع أحد ولاتها فمات فيها وقد كُفَّ بصره وجاوز المائة.
(٢) -زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني، من مُضَر، (ت ١٣ق. هـ٦٠٩م)، حكيم الشعراء في الجاهلية وفي أئمة الأدب من يفضّله على شعراء العرب كافة، قال ابن الأعرابي: كان لزهير من الشعر ما لم يكن لغيره: كان أبوه شاعرًا، وخاله شاعرًا، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة، ولد في بلاد مُزَينة بنواحي المدينة وكان يقيم في الحاجر (من ديار نجد)، واستمر بنوه فيه بعد الإسلام، قيل: كان ينظم القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في سنة فكانت قصائده تسمّى (الحوليات)، أشهر شعره معلقته التي مطلعها: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
[ ١٦٤ ]
التنجيم كذب ووبال، وزيف وخيال، فلا تصدق المنجم تأثم، ومن الخير تحرم، فاحذر تصديق المنجم والكاهن والعراف، ففي الحديث النبوي الشريف: (مَنْ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنْ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ) (١)، وقال العزيز الحكيم: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٢)، وجاء في حديث آخر: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ آله وَسَلَّمَ) (٣) .
قال الشاعر:
دع المنجمَ يكبو في ضلالته إن ادعى علمَ ما يجري به الفلكُ
تفرَّد اللهُ بالعلم القديم فلا الإنسان يشركهُ فيه ولا الملك (٤)
وقال أبو العلاء المعري:
يُنَجِّمونَ وَما يَدرونَ لَو سُئِلوا عَنِ البَعوضَةِ أَنّى مِنهُمُ تَقِفُ
أما لبيد بن ربيعة فهو يقول:
لَعَمرُكَ ما تَدري الضَوارِبُ بِالحَصى وَلا زاجِراتُ الطَيرِ ما اللَهُ صانِعُ
_________________
(١) - أخرجه أبو داود في سننه باب في النجوم حديث (٣٤٠٦) .
(٢) - سورة طه الآية (٦٩) .
(٣) - أخرجه احمد في المسند عن أبي هريرة حديث (٩١٧١) .
(٤) - هذه الأبيات لأبي اليمن الكندي، وهو زيد بن الحسن بن زيد بن سعيد الحميري من ذي رعين أبو اليمن تاج الدين الكندي، (٥٢٠-٦١٣هـ/١١٢٦-١٢١٧م) أديب من الكتاب الشعراء العظماء، ولد ونشأ ببغداد وسافر إلى حلب سنة ٥٦٣ هـ، وسكن دمشق وقصده الناس يقرؤون عليه، وكان مختصًا بفرخ شاه ابن أخي صلاح الدين وبولده الملك الأمجد صاحب بعلبك، وهو شيخ المؤرخ سبط ابن الجوزي، وكان الملك المعظم عيسى يقرأ عليه دائمًا كتاب سيبويه متنًا وشرحًا والإيضاح والحماسة وغيرهما، قال أبو شامة: كان المعظم يمشي من القلعة راجلًا إلى دار تاج الدين والكتاب تحت إبطه، واقتنى مكتبة نفيسة، توفي في دمشق، له ديوان شعر، وله: كتاب شيوخه على حروف المعجم كبير، وشرح ديوان المتنبي.
[ ١٦٥ ]
وقال آخر:
كُن طالِبًا لِلعِلمِ واِعمَل صالِحًا فَهُما إِلى سُبُلِ الهُدى سَبَبانِ
لا تَتَّبِع عِلمَ النُجومِ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِزَخارِفِ الكُهّانِ
عِلمُ النُجومِ وَعِلمُ شَرعِ مُحمَّدٍ في قَلبِ عَبدٍ لَيسَ يَجتَمِعانِ (١)
أما المتنبي فهو يقول:
فَتَبًّا لِدينِ عَبيدِ النُجومِ وَمَن يَدَّعي أَنَّها تَعقِلُ
وهذا أبو تمام الطائي يقول:
السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ
وَالعِلمُ في شُهُبِ الأَرماحِ لامِعَةً بَينَ الخَميسَينِ لا في السَبعَةِ الشُهُبِ
أَينَ الرِوايَةُ بَل أَينَ النُجومُ وَما صاغوهُ مِن زُخرُفٍ فيها وَمِن كَذِبِ
تَخَرُّصًا وَأَحاديثًا مُلَفَّقَةً لَيسَت بِنَبعٍ إِذا عُدَّت وَلا غَرَبِ
وقال آخر:
الفأل والزجر والكهان كلهم مضللون ودون الغيب أقفال (٢)
_________________
(١) - هذه الأبيات تنسب للعلامة عبد الله بن محمد القحطاني.
(٢) - الموسوعة الشعرية ص٨٢.
[ ١٦٦ ]