من جد في طلب العلم ظفر به، ومن سعى للعمل به انتفع به، قال الشاعر:
بقدر الكد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي
تروم العز ثم تنام ليلًا يغوص البحر من طلب اللآلي
ورحم الله شوقي حيث يقول:
أَيُّها الطالِبُ لِلعِلمِ اِستَمِع خَيرَ ما في طَلَبِ العِلمِ جُمِع
هُوَ إِن أوتيتَهُ أَسنى النِعَم هَل تَرى الجُهّالَ إِلاّ كَالنَعَم
اُطلُبِ العِلمَ لِذاتِ العِلمِ لا لِظُهورٍ باطِلٍ بَينَ المَلا
عِندَ أَهلِ العِلمِ لِلعِلمِ مَذاق فَإِذا فاتَكَ هَذا فَاِفتِراق
طَلَبُ المَحرومِ لِلعِلمِ سُدى لَيسَ لِلأَعمى عَلى الضَوءِ هُدى
فَإِذا فاتَكَ تَوفيقُ العَليم فَاِمتَنِع عَن كُلِّ تَحصيلٍ عَقيم
وَاِطلُبِ الرِزقَ هُنا أَو هَهُنا كَم مَعَ الجَهلِ يَسارٌ وَغِنى (١)
وله أيضًا:
ترك النفوس بلا علم ولا أدب ترك المريض بلا طب ولا آسي
وللشافعي ﵁:
أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ سأنبيك عن تفصيلها ببيانِ
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة وصحبة أستاذ وطول زمانِ
_________________
(١) - انظر: ديوان شوقي توثيق وتبويب وشرح وتعقيب الأستاذ الدكتور احمد محمد الحوفي عضو مجمع اللغة العربية وأستاذ الأدب العربي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، الناشر: نهضة مصر للطباعة والنشر القاهرة.
[ ٢٢ ]
وقد أغفل الشافعي ﵀ الصحة، وهي من آكد الأسباب المعينة على التحصيل والطلب وهذا مما لا يختلف فيه عالمان، ولا ينتطح فيه عنزان، والنصوص في هذا المعنى كثيرة معلومة، فليس الصحيح كالسقيم، وليس الأقطع والأشل كالذي يذهب ويجيء، فالموانع كثيرة، وعظم الجزاء مع عظم البلاء، ولبعض الشعراء:
بتسع ينال العلم: قوت وصحة وحرص وفكر ثاقب في التعلم
ودرس وحفظ للعلوم وهمة وشرخ شباب واجتهاد معلم (١)
وقال سفيان: أول العلم الإنصات، ثم الاستماع، ثم الحفظ، ثم العمل به، ثم النشر. وقال أبو الدرداء ﵁: "لا تكون عالمًا حتى تكون متعلمًا، ولا تكون بالعلم عالمًا حتى تكون به عاملًا". (٢)
وقال الإمام الشافعي ﵀:
اِصبِر عَلى مُرِّ الجَفا مِن مُعَلِّمٍ فَإِنَّ رُسوبَ العِلمِ في نَفَراتِهِ
فَمَن لَم يَذُق مُرَّ التَعَلُّمِ ساعَةً تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهلِ طولَ حَياتِهِ
وَمَن فاتَهُ التَعليمُ وَقتَ شَبابِهِ فَكَبِّر عَلَيهِ أَربَعًا لِوَفاتِهِ (٣)
فمن تواضع لمن يعلم الناس الخير ظفر بمراده، ومن تعالى وتكبّر هلك وعنه الخير أدبر، قال الشاعر:
اطلبِ العلمَ ولا تكسلْ فما أبعدَ الخيرَ على أهلِ الكسلْ
واحتفلْ للفقهِ في الدينِ ولا تشتغلْ عنهُ بمالٍ أوْ خَوَلْ
_________________
(١) - الموسوعة الشعرية ص١٠٢.
(٢) - روضة العقلاء ص٣٣.
(٣) - ديوان الشافعي ص٢٩.
[ ٢٣ ]
واهجرِ النومَ وحصِّلْهُ فَمَنْيعرفِ المطلوبَ يحقرْ ما بذلْ
لا تقلْ قدْ ذهبَتْ أربابُهُ كلُّ مَنْ سارَ على الدربِ وصلْ (١)
أما الإمام علي ﵁ فهو يرشد إلى تعلم أحسن العلوم فيقول:
ما حوى العلم جميعًا رجلٌ لا ولو مارسه ألف سنة
إنما العلم بعيدٌ غوره فخذوا من كل شيء أحسنه
أما ابن عباس فهو يقول:
ما أكثر العلم وما أوسعه من ذا الذي يقدر أن يجمعه
إن كنت لا بد له طالبًا محاولًا فالتمس أنفعه (٢)
ينال العلم بالتعلم في الصبا، وبالهمم العالية، فهو أرفع رتبة، وأجل مكتسب، وأسمى مفخر، فمن يشمر للبحث ينله، ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل، فارحل لطلبه، وتغرب لنيله، ولا تكتفِ بمراجعة الكتاب، فإن ذلك لا يغني عن أخذ العلم مشافهةً من أولي الألباب، قال أبو حاتم:
يظن الغمر أن الكُتْب تكفي أخا فهم لإدراك العلوم
وما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصرط المستقيم
وتلتبس الأمور عليك حتى تصير أضل من توما الحكيمِ (٣)
_________________
(١) - هذه الأبيات منسوبة لابن الوردي: عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس أبو حفص زين الدين بن الوردي المعري الكندي، المتوفى سنة ٧٤٩هـ، شاعر أديب مؤرخ، ولد في معرة النعمان (بسورية) وولي القضاء بمنبج وتوفي بحلب، وتنسب إليه اللامية التي مطلعها: اعتزلْ ذكرَ الأغاني والغزلْ وقلِ الفصلَ وجانبْ مَنْ هزلْ
(٢) - جامع بيان العلم لابن عبد البر ج١ص١٠٦، الناشر: أم القرى للطباعة والنشر مصر، والموسوعة الشعرية ص١٠٤.
(٣) - نسبت هذه الأبيات لأبي حاتم ولأبي حيان التوحيدي، وانظر: نفح الطيب للمقري ج٢ص٥٦٤، وطبقات الشافعية للسبكي ج٩ص٢٨٦، والموسوعة الشعرية ص١١٥.
[ ٢٤ ]