العلم حياة الأمة، والجهل حرمانها، فمن تعلم شفي ومن جهل عمي، وقديما قيل: " الجهل مطية من ركبها ذل، ومن صحبها ضل، وشر المصائب الجهل"، ويرحم الله احمد شوقي حيث يقول:
هل علمتم أمةً في جهلها ظهرت في المجد حسناء الرداء
_________________
(١) - رواه ابن ماجه في سننه باب فضل العلماء حديث (٢٢٥)، والدارمي في سننه باب في فضل العلم حديث (٣٥٧) .
[ ٣٥ ]
وله أيضا:
إني نظرت إلى الشعوب فلم أجد كالجهل داءً للشعوب مبيدا
الجهل لا يلد الحياة مواته إلا كما تلد الرمام الدودا
أما جرد ابن عمرو فهو يقول:
رأيت العز في أدب وعلم وفي الجهل المذلة والهوان (١)
الجهل أنكى عدو، وأخبث صديق، والجهل داء قاتل، وشقاء حاصل، فإذا خيم على أمة فسدت، أو على أسرة مسخت، قال الشاعر:
إذا ما الجهل خيم في بلاد رأيت أسودها مسخت قرودا (٢)
وقال الإمام ابن القيم:
والجهل داء قاتل وشفاؤه أمران في التركيب متفقانِ
نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني (٣)
منازعة العلماء تنفي العقل وتثبت الجهل، وأجهل الناس من قل صوابه وكثر اعجابه، قال الشاعر:
أليس من البلوى بانك جاهل وأنك لا تدري بأنك لا تدري
إذا كنت لا تدري ولست كمن درا فكيف إذًا تدري بأنك لا تدري (٤)
أما ابن دريد (٥) فإنه يقول:
_________________
(١) - أدب الدنيا والدين للماوردي ص٢٦٦.
(٢) - البيت هذا لمعروف للرصافي.
(٣) - شرح الكافية ج٢ص٢٤٠، والموسوعة الشعرية ص١٢٨.
(٤) - العقد الفريد لابن عبدربه ج٢ص١٥١.
(٥) - محمد بن الحسن بن دريد الأزدي القحطاني، أبو بكر، (٢٢٣-٣٢١هـ/٨٣٨-٩٣٢م)، من أئمة اللغة والأدب، كانوا يقولون: ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء، وهو صاحب المقصورة الدريدية، ولد في البصرة وانتقل إلى عمان فأقام اثني عشر عاما وعاد إلى البصرة ثم رحل إلى نواحي فارس فقلده آل ميكال ديوان فارس، ومدحهم بقصيدته المقصورة، ثم رجع إلى بغداد واتصل بالمقتدر العباسي فأجرى عليه في كل شهر خمسين دينارا فأقام إلى أن توفي، من كتبه (الاشتقاق-ط) في الأنساب، و(المقصور والممدود-ط)، و(الجمهرة-ط) في اللغة، ثلاثة مجلدات، و(أدب الكاتب)، و(الأمالي) .
[ ٣٦ ]
جهلت فعاديت العلوم وأهلها كذاك يعادي العلم من هو جاهله
وقال آخر:
جهلت أمرًا فأبديت النكير له والجاهلون لأهل العلم أعداء
وقديما قيل: "أربعة يقضى بها على أربعة: السعاية على الدناءة، والإساءة على الرداءة، والحلف على البخل، والسخف على الجهل، وأربعة لا تنفك عن أربعة: الجهول عن السقط، والغفول عن الغلط، والعجول عن الزلل، والملول عن العمل، وأربعة تدل على الجهل: صحبة الجهول، وكثرة الفضول، وإذاعة السر، وإثارة الشر". (١)
وقيل أيضًا: "ليس للمرء أن يفرح بحالة جليلة نالها بغير عقل، أو منزلة رفيعة حلها بغير فضل، فإن الجهل ينزله منها، ويزيله عنها، ويحطه إلى رتبته، ويرده إلى قيمته، بعد أن تظهر عيوبه، وتكثر ذنوبه، ويصير مادحه هاجيًا، ويصبح وليه معاديًا"، وربما أقبلت الدنيا على الجاهل بالاتفاق، وأدبرت عن العاقل العالم مع الاستحقاق، فإذا أتتك منها سهمة مع جهل أو فاتتك فيها بغية مع عقل فلا يحملنك ذلك على الرغبة في الجهل، والزهد في العقل والعلم، فدولة الجاهل من الممكنات، ودولة العاقل من الواجبات، وليس ما أمكنه شيء من ذاته كمن استوجبه بآلته وأداته، فعداوة العاقل خير من صادقة الجاهل. (٢)
_________________
(١) - الفرائد والقلائد ص٧١.
(٢) - الفرائد والقلائد ص١٣-١٤.
[ ٣٧ ]
والجهل أضر الأصحاب، والذم أقبح الأثواب، والجاهل من جهله في إغواء، ومن هواه في إغراء، فقوله سقيم، وفعله ذميم، ودولة الجاهل عبرة للعاقل، وقديمًا قيل: "عالم معاند خير من جاهل مساعد"، و"الجهل بالفضائل من أقبح الرذائل".
والجهل يضع والعلم يرفع، قال الشاعر:
العلم يرفع بيت لا عماد له والجهل يهدم بيت العز والشرف (١)
ولله در القائل:
فيا عجبًا لمن ربيت طفلًا ألقمه بأطراف البنان
أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني
أعلمه الفتوة كل وقت فلما طر شاربه جفاني
وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافيةً هجاني (٢)
الفتيا بغير علم إثم
جاء في محكم الذكر: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وجاء في السنة النبوية: (مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ) (٤)، ولصفي الدين الحلي (٥):
_________________
(١) - جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب تأليف السيد أحمد الهاشمي، ص٧٠٠، الناشر: مكتبة المعارف، بيروت، طبعة جديدة محققة ومنقحة أشرف على تصحيحها لجنة من الجامعيين، والموسوعة الشعرية ص١٢٨.
(٢) - رويت هذه الأبيات لمعن بن أوس وللبيد وقيل غير ذلك، وانظر: الموسوعة الشعرية ص١٢٥، ومجمع الأمثال للميداني، وأدب الدنيا والدين.
(٣) - سورة الأعراف الآية (٣٣) .
(٤) - أخرجه أبو داود سليمان الاشعث السجستاني الأزدي، في سننه باب التوقي في الفتيا حديث (٣٦٥٧) .
(٥) - عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم، السنبسي الطائي، شاعر عصره، ولد ونشأ في الحلة، بين الكوفة وبغداد، واشتغل بالتجارة فكان يرحل إلى الشام ومصر وماردين وغيرها في تجارته ويعود إلى العراق، انقطع مدة إلى أصحاب ماردين فَتَقَّرب من ملوك الدولة الأرتقية ومدحهم وأجزلوا له عطاياهم. ورحل إلى القاهرة، فمدح السلطان الملك الناصر وتوفي ببغداد، له (ديوان شعر)، و(العاطل الحالي): رسالة في الزجل والموالي، و(الأغلاطي)، معجم للأغلاط اللغوية و(درر النحور)، وهي قصائده المعروفة بالأرتقيات، و(صفوة الشعراء وخلاصة البلغاء)، و(الخدمة الجليلة)، رسالة في وصف الصيد بالبندق.
[ ٣٨ ]
إِذا لَم تَكُن عالِمًا بِالسُؤالِ فَتَركُ الجَوابِ لَهُ أَسلَمُ
فَإِن أَنتَ شَكَّكتَ فيما سُئِلـ ـتَ فَخيرُ جَوابِكَ لا أَعلَمُ
وقال آخر:
وَمَن كانَ يَهوى أَن يُرى مُتَصَدِّرًا وَيَكرَهُ لا أَدري أَصيبَت مَقاتِلُه (١)
فمن عاش وعَقَل وعلم وعمل وترك آثارًا طيبة فقد أدركته السعادة قال الشاعر:
فمن عاش حتى ينفع الناس علمه فلا زال ممتدًا له العيش والعمر
وما الخلد إلا للذين إذا انتهت حياتهم بالخير دام بها الذكر (٢)