إن عمل الإنسان اليومي يعد ضرورةً لكسب الرزق، واستمرار الحياة، ومن المروءة أن يسعى الإنسان للتكسب على نفسه ومن يعول، واتخاذ حرفة أو صنعة أو وظيفية يعمل فيها المرء، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يحترفون العمل، فكان أبو بكر الصديق ﵁ يعمل قبل توليه الخلافة تاجرًا، وكان خَبَّاب بن الأَرت حدادًا، وعبد الله بن مسعود راعيًا، وسعد بن أبي وقاص صانع نعال، وبلال ابن رباح خادمًا، والزبير بن العوام خياطًا، وسلمان الفارسي حلاقًا، وروي أن الإمام علي بن أبي طالب ﵁ سقى بالدلاء على تمرات، فالعمل شرف وعزة مهما رآه البعض وضيعًا، فقد روي عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره؛ خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله أعطاه أو منعه) (٢)، وقد روى الطبراني في الكبير والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن الله يُحِبُّ العَبْدَ المُؤْمِنَ المُحْتَرِفَ) (٣) .
وقال أبو العتاهية:
وَلَيسَ عَلى عَبدٍ تَقِيٍّ نَقيصَةٌ إِذا صَحَّحَ التَقوى وَإِن حاكَ أَو حَجَم
وقال آخر:
يا بارئ القوس بريًا ليس يحسنه لا تظلم القوس اعط القوس باريها
فاحترام التخصص واتخاذ حرفة بعينها أو وظيفة بعينها سبب في اتقان العمل، واحكام الصنعة، قال الشاعر:
وَكفّ فَتىً لم يَعرفِ السَّلخَ قَبلها تَجورُ يَداهُ في الإِهابِ وَتَخرُجُ
وسأل معاوية رجلًا من عبد القيس: ما تعدون المروءة فيكم؟ قال: الحرفة والعفة، وكان عمر ﵁ إذا نظر إلى رجل سأله: أله حرفة؟ فإذا قال: لا، سقط من عينه، ونظر عمر ﵁ إلى أبي رافع وهو يقرأ ويصوغ، فقال: يا أبا رافع أنت خير مني تؤدي حق الله تعالى وحق مواليك، وقيل لأعرابي ينسج: ألا تستحيي أن تكون نساجًا؟ قال: إنما أستحيي أن أكون أخرق لا أنفع أهلي، وحرفة يقال فيها خير من مسألة الناس، وقيل: إن الله يحب التاجر الصدوق، والصانع الناصح لأنه حكيم. (٤)
أصناف الصناعات
إن التصنيع يعتبر حجر الزاوية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في شتى المجالات، ولهذا تتعدد أنواع الصناعات، فمن صناعة
_________________
(١) - أخرجه البخاري في صحيحه باب بدء الوحي حديث (١) .
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف من المسألة، حديث (١١٠٤)، وأورده احمد في مسنده، مسند أبي هريرة، حديث (٧٣١٥) .
(٣) - أورده الإمام السيوطي في جامع الأحاديث والمراسيل، حديث (٥٥٧٠)، وأورده محمد بن سلامة بن شهاب القضاعي في مسنده، باب إن الله يحب المؤمن المحترف، حديث (١٠٧٢) الناشر مؤسسة الرسالة، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد، كتاب البيوع، باب الكسب والتجارة، حديث (١٣٢٦)، ورواه الطبراني والبهقي والحكيم من حديث ابن عمر- وأورده النبهاني في الفتح الكبير في ضم الزيادات إلى الجامع الصغير، ج١ص٣١٢، طبعة١٣٥٠هـ.
(٤) - محاضرات الأدباء ص١٧٦.
[ ١٨٧ ]
السيارات والطائرات والبواخر والسفن وهي ضرورة لتواصل الناس وانتقالهم إلى أعمالهم وحمل أثقالهم وأمتعتهم في أسفارهم، إلى صناعة الدبابات والصواريخ والمدرعات وهي ضرورة في إعداد المؤمنين القوة لأعدائهم، إلى صناعة الملابس والحلي والمجوهرات والمقتنيات، إلى صناعة الأدوات الهندسية والطبية والرياضية وصناعة الأدوية، إلى غير ذلك من أنواع الصناعات الالكترونية، وغيرها مما لا يكاد يندرج تحت حصر مما يحتاجه الناس في هذه الحياة، وكم من الصناعات والحلي والمنسوجات والمصنوعات ما يستخرج من الذهب والحديد والفضة والنحاس والرصاص والخشب والمواد البترولية ومشتقاتها إلى غير ذلك من الموارد الطبيعية التي تستخدم في الصناعة لتلبي رغبات الناس وتسد حاجاتهم، وكل هذه الصناعات شريف كسبها، عظيم نفعها، رفيع العمل فيها، كيف وقد عني القرآن الكريم بتوجيه الناس في آيات كثيرة تحثهم على ممارسة الصناعات، واستخراج خيرات الأرض، وجعلها صالحة لتلبية حاجات الناس المتعددة كما يقول جل شأن: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (١)، وأخبر سبحانه عن تعليمه وإرشاده لنبي من أنبيائه في تصنيع الحديد فقال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (٢) .
_________________
(١) - سورة الحديد الآية (٢٥) .
(٢) - سورة الأنبياء الآية (٨٠) .
[ ١٨٨ ]
وقد كان أنبياء الله يعملون ويحبون العمل، وقد أرشدهم الله إلى الصناعة لعظيم نفعها فهذا نبي الله داود ﵇ يأمره الله بقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)، وهذا نوح ﵇ يأمره الله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (٢)، وهذا زكريا ﵇ يخبر عنه الرسول ﵌ أنه كان نجارًا إذا يقول ﵌: (كان زكريا نجارًا) (٣)، وقد كان ادريس ﵇ خياطًا وموسى ﵇ راعيًا وتاجرًا، وفي ذلك اعلاء لشأن العمل ودليل على شرف العاملين، وفي الحديث النبوي: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) (٤) .
وقد كان النبي ﵌ يرعى الغنم لأهل مكة بالقراريط قال سويد: يعني كل شاة بقيراط (٥) .
_________________
(١) - سورة سبأ الآية (١١) .
(٢) - سورة هود الآيتان (٣٨و٣٧) .
(٣) - أخرجه ابن ماجه في سننه باب التجارة باب الصناعات حديث (٢١٥٠) .
(٤) - صحيح البخاري كتاب البيوع باب كسب الرجل وعمله بيده حديث (١٩٦٦) .
(٥) - ابن ماجه في سننه باب التجارة باب الصناعات حديث (٢١٤٩) .
[ ١٩٠ ]