الذكر لله يقوي الإيمان، ويرفع من مكانة الإنسان، فهو شرف للذاكرين، وعدة للصابرين، وعون للمتقين، فمن ذكر الله ذكره، وأعانه ووفقه، وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢) .
فاذكر أخي ربك في نفسك وبلسانك وقلبك تكن من الفائزين، فالذِكر غذاء الروح فهو الذي يمد النفس الإنسانية بالسكينة والاطمئنان وهذا ما صرح به القرآن، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٣)، فَذِكْرُ الله سبب لحصول السعادة في الدنيا والآخرة وقد جاء في السنة النبوية عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مثل الذي يذكر
_________________
(١) - سورة البقرة الآية (٣٢) .
(٢) - سورة الأنفال الآية (٢) .
(٣) - سورة الرعد الآية (٢٨) .
[ ١٦٩ ]
ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت) (١)، وفي مسند الإمام احمد وسنن الترمذي من حديث معاذ بن جبل ﵁، قال: (ما عمل آدمي عملًا أنجى من عذاب الله، من ذكر الله ﷿) قال معاذ: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها لدرجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى) (٢) .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسير في طريق مكة فَمَرَّ على جبل يقال له جُمْدان، فقال: (سيروا، هذا جُمْدان، سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات) (٣) وزاد الترمذي: (المستهترون في ذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافًا) (٤) .
قال الشاعر:
والذِّكرُ فيه حَيَاةٌ لِلقُلُوبِ كما يُحيِي البِلادَ إذا ما ماتَت المَطَرُ (٥)
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله ﷿، حديث (٦٤٠٧) .
(٢) - أخرجه الترمذي في الدعوات، حديث (٣٣٧٧) - وابن ماجه، كتاب الأدب، باب فضل الذكر، حديث (٣٧٩٠) . ومسند الامام احمد حديث (٢٢١٣٢) .
(٣) - صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، حديث (٢٦٧٦) طبعة-١٩٩٢م.
(٤) - سسن الترمذي،، باب في العفو والعافية، حديث (٣٥٢٠) .
(٥) - هذا البيت لسابق بن عبد الله البربري الرقي (ت ١٣٢هـ٧٤٩م) فقيه ومحدث وأحد شعراء الزهد في العهد الأموي أخذ الشعر عنه وتتلمذ له أبو العتاهية، من أهل خراسان، سكن الرقة، عرف بأبي أمية البربري وقد صحف الزبيدي صاحب تاج العروس اسمه بقوله (سابق بن عبد الله البرقي المعروف بالبربري) وترجم ابن عساكر لسابق البربري المحدث وسابق البربري الزاهد وتوهم أنهما اثنان بينما هما شخص واحد، روى الذهبي أنه من موالي بني أمية وفد على عمر بن عبد العزيز وله معه حكايات لطيفة.
[ ١٧١ ]
وقال آخر:
لو يعلم الناس ما في الذكر من شرف أمضوا الحياة بتسبيح وتهليلِ
ويرحم الله أبا العتاهية حيث يقول:
لو يعلم العبد ما في الذكر من شرف أمضوا الحياة بتسبيح وتمجيدِ
أما الإمام علي بن أبي طالب فهو يعظ ولده الحسين ﵄ فيقول:
أَحُسَينُ إِنّي واعِظٌ وَمؤَدِّبٌ فَاِفهَم فَأَنتَ العاقِلُ المُتَأَدِّبُ
وَاِحفَظ وَصِيَّةَ وَالِدٍ مُتَحَنِّنٍ يَغذوكَ بالآدابِ كَيلا تُعطَبُ
أَبُنَيَّ إِنَّ الذِكرَ فيهِ مَواعِظٌ فَمَنِ الَّذي بِعِظاتِهِ يَتَأَدَّبُ
فَاِقرَأ كِتابَ اللَهِ جَهدَكَ واِتلُهُ فيمَن يَقومُ بِهِ هُناكَ وَيَنصَبُ
بِتَفَكُّرٍ وَتَخَشُّعٍ وَتَقَرُّبٍ إِنَّ المُقَرَّبَ عِندَهُ المُتَقَرِّبُ
وَاِعبُد إِلَهَكَ ذا المَعارِجِ مُخلِصًا وَاِنصِت إِلى الأَمثالِ فيما تُضرَبُ
وَإِذا مَرَرتَ بِآيَةٍ وَعظِيَّةٍ تَصِفُ العَذابَ فَقِف وَدَمعُكَ يُسكَبُ
يا مَن يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِعَدلِهِ لا تَجعَلَنّي في الَّذينَ تُعَذِبُ
إِنّي أَبوءُ بِعَثرَتي وَخَطيئَتي هَرَبًا إِلَيكَ وَلَيسَ دونَكَ مَهرَبُ
وَإِذا مَرَرتَ بِآيَةٍ في ذِكرِها وَصفَ الوَسيلَةِ وَالنَعيمِ المُعجِبُ
فَاِسأَل إِلَهَكَ بِالإِنابَةِ مُخلِصًا دارُ الخُلودِ سُؤالَ مَن يَتَقَرَّبُ
وَاِجهَد لَعَلَّكَ أَن تَحِلَّ بِأَرضِها وَتَنالَ روحَ مَساكِنَ لا تَخرَبُ
وَتَنالَ عَيشًا لا اِنقِطاعَ لِوَقتِهِ وَتَنالَ مُلكَ كَرامَةٍ لا تُسلَبُ
[ ١٧٢ ]