السفر يطيب الخواطر، ويجدد الأفكار، ويخرج الإنسان من سجن اليأس والإحباط إلى شمس الأمل والسرور، فجولة في أرض وارفة الظلال تتمايل على جنباتها أزهار بهية متنوعة قد تصفي ذهنك وتغير مجرى تفكيرك، وفي الأمثال السائرة: "الحركة ولود والسكون عاقر"، وفي أمثال العامة: "الحركة بركة"، وقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١)، وروي أن الخليفة العباسي المأمون كان يقول: "لا شيء ألذ من السفر فيه كفاية وعافية لأنك تحل كل يوم في محلة لم تحل فيها وتعاشر قومًا لم تعرفهم"، قال الشاعر:
ما في المَقامِ لِذي عَقلٍ وَذي أَدَبِ مِن راحَةٍ فَدَعِ الأَوطانَ وَاِغتَرِبِ
سافِر تَجِد عِوَضًا عَمَّن تُفارِقُهُ وَاِنصَب فَإِنَّ لَذيذَ العَيشِ في النَصَبِ
إِنّي رَأَيتُ وُقوفَ الماءِ يُفسِدُهُ إِن ساحَ طابَ وَإِن لَم يَجرِ لَم يَطِبِ
وَالأُسدُ لَولا فِراقُ الأَرضِ مااِفتَرَسَت وَالسَهمُ لَولا فِراقُ القَوسِ لَم يُصِبِ
وَالشَمسُ لَو وَقَفَت في الفُلكِ دائِمَةً لَمَلَّها الناسُ مِن عُجمٍ وَمِن عَرَبِ
وَالتِبرُ كَالتُربِ مُلقىً في أَماكِنِهِ وَالعودُ في أَرضِهِ نَوعٌ مِنَ الحَطَبِ
فَإِن تَغَرَّبَ هَذا عَزَّ مَطلَبُهُ وَإِن تَغَرَّبَ ذاكَ عَزَّ كَالذَهَبِ (٢)
_________________
(١) - سورة الرعد الآية (٤) .
(٢) - ديوان الإمام الشافعي ص٢٤.
[ ٢٠٣ ]
وفي الحديث النبوي: (لو يعلم الناس ما للمسافر لأصبحوا على ظهر سفر إن الله ﷿ ينظر إلى الغريب كل يوم ألف مرة) (١) .
وفي الأمثال السائرة: "الإغراب يعيد الجَدّة ويفيد الحِدّة"، وقيل: "الغريب من لم يكن له حبيب"، وقيل: "كل غريب للغريب نسيب".
قال الشاعر:
أعاذل حبي للغريب سجية وكل غريب للغريب حبيب
وقال آخر:
أجارتنا إنَّا غريبان هاهنا وكل غريب للغريب نسيبُ
وفي الحديث النبوي: (سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتُرْزَقُوا) (٢)، فدل على ما فيه سبب الغنى.