العلم عنوان العز، ومعين البر، وباب العلا، ونور الحق، والخل الوافي، والصاحب الصديق الموصل إلى الجنة، ورحم الله الإمام الشافعي حيث يقول:
عِلمي مَعي حَيثُما يَمَّمتُ يَنفَعُني قَلبي وِعاءٌ لَهُ لا بَطنُ صُندوقِ
إِن كُنتُ في البَيتِ كانَ العِلمُ فيهِ مَعي أَو كُنتُ في السوقِ كانَ العِلمُ في السوقِ (٢)
وقال آخر:
العِلْم يُحْي قُلوبَ الميِّتِين كما تَحْيا البلادُ إذا ما مَسَّها المَطَرُ
والعِلم يَجْلو العَمَى عن قَلْب صاحِبه كما يُجَلِّي سوادَ الظُّلْمة القمَر (٣)
_________________
(١) - سورة الرعد الآيات (١٩-٢٢) .
(٢) - ديوان الإمام الشافعي، طبعة مؤسسة الزعبي ودار الجيل، والشافعي (١٥٠-٢٠٤هـ/٧٦٧-٨١٩ م) هو الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي أبو عبد الله. أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه نسبة الشافعية كافة. ولد في غزة بفلسطين وحمل منها إلى مكة وهو ابن سنتين، وزار بغداد مرتين وقصد مصر سنة ١٩٩ فتوفي بها وقبره معروف في القاهرة. قال المبرد: كان الشافعي أشعر الناس وآدبهم وأعرفهم بالفقه والقراآت، وقال الإمام ابن حنبل: ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منّة. كان من أحذق قريش بالرمي، يصيب من العشرة عشرة، برع في ذلك أولًا كما برع في الشعر واللغة وأيام العرب ثم أقبل على الفقه والحديث وأفتى وهو ابن عشرين سنة، وانظر ديوان الإمام الشافعي جمع وتعليق الدكتور احمد احمد شتيوي، ص١٢٨، الناشر: دار الغد الجديدة المنصورة مصر الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ٢٠٠٣م.
(٣) - العقد الفريد ج٢ص١٨٣.
[ ١٨ ]
وإنما يخشى الله ويبتعد عن الكبرياء والرياء وظلم الأبرياء من عباد الله العلماء؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ والمراد بالعلماء هنا علماء الشريعة والطبيعة وغير ذلك؛ لأنه جل شأنه ذكر العلماء بعد ذكر إنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات من الأرض، واختلاف ألوان الجبال والأحجار والناس والدواب والأنعام؛ فتأمل قول الحق ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (١)، فهؤلاء العلماء هم الذين ينبغي أن ينتظموا في سلك الإيمان والإيقان، فهم الذين يعلمون الخالق العظيم وقدرته، وشدة بطشه ونقمته، وقهره وعذابه وحلمه، وأنه على كل شيءٍ قدير، فهم يخشونه حق خشيته، ويعرفونه حق معرفته.
والعلم في ذاته غاية الغايات، ألا ترى أنه يرشدك إلى بارئك، ويدلك على ما ينجيك، ويطلق عقلك من عقال الأوهام، ويبعدك عن مشابهة الضالة من الأنعام، ويقاوم التعصب والتقليد والتقزم وحب الانتقام، ويجنبك الوقوع في المعاصي والآثام، ويوصلك إلى المعرفة الخالصة، والحق المجرد، فهو وسيلة سامية لغاية بالغة السمو.
_________________
(١) - سورة فاطر الآيتان (٢٧-٢٨) .
[ ١٩ ]
فبغير العلم لا تستطيع أن تعالج مشاكل الحياة علاجًا سليمًا محكمًا، وبغير العلم لا تستطيع أن تحمي نفسك، أو تنقذها من التعالي على الناس والإساءة إليهم، أو تدفع عنها إيذاء المؤذين وعدوان المعتدين، فالعلم إذًا يجمع بين الحق والقوة، والسعادة والسيادة، والعظمة والسلطان.
فبالعلم استطاع الإنسان -في دفاعه عن نفسه- أن يستعمل اللسان والسنان، وبالعلم استطاع أن يسخر الماء والهواء والبحار والكهرباء حتى صار الإنسان بعلمه: كمن يضع في إصبعه خاتم سليمان، ولهذا أوجب الله على الناس سؤال العلماء فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، فمن كمل دينه وتم عقله فقد تحلى بالمكارم، واتصف بالمحامد، وكان في صدره على ذلك أكبر شاهد، قال جل شأنه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢) .