إن من يعلم الناس يجب أن يكون قدوة فيه، وأن لا ينهى الناس عن شيء ويأتيه، قال الشاعر:
يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ
تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ
وَتَراكَ تُصلِحُ بالرشادِ عُقولَنا أَبَدًا وَأَنتَ مِن الرَّشادِ عَديمُ
فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها فَإِذا اِنتَهَت عَنهُ فأنتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقبَلُ ما تَقولُ وَيَهتَدي بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ (١)
وقال آخر:
العلم للرجل اللبيب زيادة ونقيصة للأحمق الطياشِ
مثل النهار يزيد أبصار الورى نورًا ويعمي أعين الخفاشِ (٢)
حق التعليم مكفول للصغير والكبير
طلب العلم وتعليمه مذهب الفاضل ودينه، فخذ الحكمة ممن تسمعها منه، فرب رمية من غير رامٍ، وحكمة من غير حكيم، وفي الحديث: (الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُمَا وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) (٣) .
_________________
(١) - نسبت هذه الأبيات للمتوكل الليثي وهي في ديوانه، ونسبت لابي الأسود الدؤلي، وانظر: الموسوعة الشعرية ص١٢٥، والبيان والتبين للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، ج١ص١٩٨، الناشر دار الخانجي بمصر ١٣٦٧هـ، وجامع بيان العلم لابن عبد البر ج١ص١٩٦، والبصائر والذخائر لابي حيان التوحيدي ج٥ص١٣١، والله ﷾ أعلم.
(٢) - ورد هذان البيتان منسوبة لهبة الله بن التلميذ، وانظر: معجم كنوز الأمثال والحكم العربية النثرية والشعرية للدكتور كمال خلايلي، ص٩٣، الناشر: مكتبة لبنان ناشرون، طبعة ١٩٩٨م.
(٣) - أخرجه الترمذي في سننه باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة حديث (٢٦٨٧)، وابن ماجه في سننه باب الحكمة حديث (٤١٦٩) .
[ ٢٩ ]
قال البخاري في باب الاغتباط بالعلم والحكمة: وقد تعلَّم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كبر سنهم، وروى بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) (١)، وقد تعلم الصحابة وهم شيوخ وكهول واشتغلوا بالعلم فكانوا بحورًا، بل إنهم كانوا يسلمون شيوخًا وكهولًا وأحداثًا، ويتعلمون العلم والقران والسنن فصاروا أطواد الحكمة والفكر؛ وإن كان العلم في الصغر ارسخ أصولًا وأبسق فروعًا، وفي الأثر: "العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، وقد أخرجه الحافظ ابن حجر في تخريجه لمسند الفردوس بلفظ: (حفظ الغلام كالرسم في الحجر) وأسنده الديلمي عن ابن عباس، وإن كان بعض العلماء قد ضعفه، وقد قال ابن الجوزي ﵀: (أقوم التقويم ما كان في الصغر)، فأما إذا ترك الولد وطبعه ومشى عليه ومرن كان رده صعبًا، قال الشاعر:
إنَّ الغُصُونَ إذا قوَّمتها اعتَدَلَت ولا يَلِينَ إذا قَوَّمتَهُ الخُشُبُ
قد ينفعُ الأدَبُ الأحداثَ في مَهَلٍ وليس يَنفَعُ عند الكَبرَة الأدَبُ (٢)
وقال آخر:
والطفل يحفظ ما يلقى إليه ولا ينساه إذ قلبه كالجوهر الصافي
فانقش على قلبه ما شئت من خبر فسوف يأتي به من حفظه وافي
_________________
(١) - أخرجه البخاري صحيحه كتاب العلم باب إنفاق المال في حقه حديث (١٣٢٠) .
(٢) - انظر الطب الروحاني لابن الجوزي: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، ص٥٩، الناشر: مكتبة الثقافة الذهبية، القاهرة ١٤٠٦هـ،
[ ٣٠ ]
اما العلامة محمد بن محمد المنصور (١) فهو يقول:
رسم على الماء درس العلم في الكبر والنقش في حجر إن كان في الصغر
فاحذر ضياع الصبافي تافه وسفا هـ أو تكاسل فاخذر غاية الحذر
وإنما أرشد الشاعر إلى حفظ الصغير لأن مرحلة الصغر مرحلة تلقين لا فهم، فالطفل في غالب الأحوال يستطيع أن يحفظ الشيء الكثير وإن كان تفهمه لحقائق تلك المعارف والعلوم لا يزال محدودًا نظرًا لصغر سنه، ولكنه لا ينسى ما حفظ، لصفاء ذهنه، ولكون ما يتلقنه أول ما يطرق ويثبت في صحائف فكره، فهو كالجوهر الصافي كما قال الشاعر، فالعاقل يحرص على تلقين الأطفال ما ينفعهم من أمور الدين والدنيا، ويبعدهم عن كل شيء يضرهم، وفي المثل السائر: "العلم في الصغر كالنقش على الحجر" وقد تقدم، ومن الخطورة بمكان أن يضلل الأطفال والصبيان في صغرهم، فالعقل يعجب للشروع، ولله در أبي العلاء المعري (٢) حيث يقول:
وَالعَقلُ يَعجَبُ لِلشُروعِ تَمَجُّسٍ وَتَحَنُّفٍ وَتَهَوُّدٍ وَتَنَصُّرِ
فَاِحذَر وَلا تَدَعِ الأُمورَ مُضاعَةً وَاِنظُر بِقَلبِ مُفَكِّرٍ مُتَبَصِّرِ
_________________
(١) - هو العلامة العابد الناسك الفاضل المجتهد/ محمد بن محمد المنصور الحسني اليماني من العلماء المعاصرين فيلسوف ومفكر اسلامي كبير وهو مرجع لعلماء الزيدية عرف بالاخلاق الكريمة والتواضع شغل عدة مناصب في الدولة اليمنية منها (وزير العدل-وعضوية المحكمة العليا- ونظارة الوصايا- وعضوية دار الافتاء التي لايزال فيها حتى كتابة هذه الاحرف) وله عدة ابحاث ومؤلفات مخطوطة وهو اديب كبير وشاعر فصيح له ديوان مطبوع اسماه لوامع من خواطر شواسع، وهذان البيتان من قصيدة له اسماها برق يماني مطلعها: (علمي بربي شامخ الاركان بالعقل اشهده وبالقرآن) ..
(٢) - قال الذهبي -﵀-: هو الشيخ العلامة، شيخ الآداب، أبو العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان القحطاني ثم التنوخي، المعري، الأعمى، اللغوي، الشاعر، صاحب التصانيف السائرة، والمتهم في نحلته، ولد في سنة ٣٦٣هـ، وضر بالجدري وله أربع سنين وأشهر، وقال ياقوت الحموي: عاش شيئًا وثمانين سنة، لم يأكل اللحم منها خمسًا وأربعين سنة، انظر: اعلام النبلاء للذهبي (١٨/٢٣) ومعجم الأدباء لياقوت الحموي (١/٣٩٦) .
[ ٣١ ]
وفي الحديث: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) (١)، وقديمًا قيل: "من لم يتعلم في صغره غالبًا ما يتقدم في كبره".
أما مرحلة الكبر فقد دل التتبع والاستقراء من قبل العلماء والباحثين أنها مرحلة تفهم لحقائق الأشياء أكثر منها مرحلة تلقين، والعاقل يحرص على تعلم العلم وتفهمه والعمل به كبيرًا وصغيرًا، فالعلم أفضل خلف، والعمل به أكمل شرف، وفي المثل: "لا سمير كالعلم ولا ظهير كالحلم".
فتعلم أخي العلم فإنه يصلح فاسدك، ويرغم حاسدك، ويقيم ميلك، ويصلح أملك، ويقرب عليك ما بعد، وعلِّمه الصغير ليكون في الكبر أميرًا، وقد قال بعض الحكماء: "تعلم العلم فإنه يقومك ويسددك صغيرا، ويقدمك ويسودك كبيرا" وقيل: "تعلم العلم فإنه عز لا يبلى جديده، وكنز لا يفنى مديده، فمن لمن يعلم لم يسلم، فالفضل بالعقل والعلم والأدب لا بالأصل والحسب". (٢)
ومما يرغب فيه جني ثمار العلم ممن تحب وممن لا يعجب، وقد قيل: لا يمنعك ضعة القائل عن الاستماع إليه، فرب فمٍ كريهٍ مج علمًا ذكيا، وتبرٍ صافٍ في صخرٍ جاس، والجوهرة النفيسة لا يشينها سخافة غائصها، ولا دناءة بائعها، فاستكثر أخي العلم فإنه خفيف حمله، قال أبو نواس: ما رأيت شيئًا إلا قليله أخف من كثيره إلا العلم فإنه كلما كان أكثر كان أخف محمل،
_________________
(١) - أخرجه البخاري في صحيحه باب ما قيل في أولاد المشركين حديث (١٣١٩)، ومسلم في صحيحه باب معنى كل مولود يولد على الفطرة حديث (٢٦٥٨)، واللفظ للبخاري.
(٢) - انظر الفرائد والقلائد ص١١.
[ ٣٢ ]
وقيل: كل إناء يفرغ فيه شيء يضيق إلا القلب، فإنه كلما أفرغ فيه علم اتسع (١)، وقد جاء في محكم التنزيل: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٢) .