النفاق آفة وخساسة ومرض وتعاسة، والمنافق ذو وجهين ينطق بالإيمان ولا يعمل بالقرآن، والمنافق ماكر مخادع، إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن اؤتُمن خان، لا يؤمن بالله العظيم ولا يتبع رسوله الكريم، وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٤) .
والنفاق يدل على إخفاء الشيء وإغماضه، ومنه النفق، وهو السرب في الأرض، والنفاق يعني اختلاف السر والعلن واختلاف القول والعمل، وهو نوعان: اعتقادي: وهو إظهار الإيمان وابطان الكفر، وعملي: وهو إظهار الإنسان غير حقيقته في الصلاح والعمل.
وجاء في الموسوعة الضدية: المنافق: هو الذي يظهر الإيمان بلسانه ويستر الكفر بقلبه، وقيل: هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه، سواءً كان في باطنه ما يضاد ظاهر، أو كان باطنه خاليًا عما يشعر به ظاهره. (٥)
وفي القرآن الحكيم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٦)، والمنافق يخادع ربه ويترك فرضه، يكره المؤمنين ويتبع الجاهلين، يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا * مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (٧)، وقال
_________________
(١) - سورة التغابن الآية (١١) .
(٢) - انظر عيون الأمل لطه ياسين، ص٩٨، الطبعة الأولى ١٤٢٩هـ٢٠٠٨م، الناشر دار القلم دمشق.
(٣) - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى باب من كان منكشف ج١٠ص١٩٧ حديث (٢١٣٤٩) .
(٤) - سورة البقرة الآيات (٨-١٠) .
(٥) - الموسوعة العربية في الألفاظ الضدية والشذورات اللغوية لجامعه محمد بن محمد بن عبد الجبار بن محمد بن يحيى السماوي اليماني، ج٣ص٧٩، الناشر: مركز الدراسات والبحوث اليمني صنعاء، طباعة دار الآداب بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ١٩٨٩م.
(٦) - سورة النساء الآية (١٤٥) .
(٧) - سورة النساء الآيتان (١٤٢و١٤٣) .
[ ١٥٨ ]
جل شأنه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) .
وما أكثر ضرر النفاق على المجتمعات الإنسانية وأخطره على الأمة الإسلامية، فكم ديار خربت ودماء سفكت وأعراض هتكت بسبب نفاق ذوي الألسنة الثرثارة، والقلوب الخوارة، والشهوات القاهرة، والنفوس الفاجرة، والأفكار الخيالية، فلا تعجب بأجسامهم ولا تصغ إلى أخبارهم فأنت لا تعرف ما تحويه قلوبهم من الأحقاد والمكائد الشداد وبغض العباد، وفي محكم التنزيل: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢)، ويرحم الله يوسف الدجوي حيث يقول:
لقد ظهرت حوادث لا تطاقُ وقوم ما لأكثرهم خلاقُ
فأموال تبعثر في فسادٍ وكم وسط النهارِ دمٌ يراقُ
وكم ظلمٍ تسربل ثوب عدل وكم ضغنٍ يغطيه النفاقُ
_________________
(١) - سورة التوبة الآية (٦٧) .
(٢) - سورة المنافقون الآيات (١-٤) .
[ ١٥٩ ]
وكم فضلٍ يداس ولا يراعىوكم جهلٍ يروجه الرفاقُ (١)
ويقول آخر:
حُكمٌ جرى سوقُ المنافقِ نافقٌ بنفاقهِ والبِرُّ أعظمُ كاسدِ
أما الشريف الرضي (٢) فهو يقول:
أقمْ واحدًا فردًا ودعْ عنك مرّةً نفاقَ فلانٍ أوْ خِداعَ فلانِ