إذا كان المال ينفد ويفنى؛ فإن العلم ينفع ويبقى، ولهذا فإن العقلاء من الناس يسعون لاكتسابه، ويعملون على احتساب ذخره وثوابه، قال الشاعر:
العِلمُ كَنزٌ وَذُخرٌ لا نَفادَ لَهُ نِعمَ القَرينُ إِذا ما صاحَبَ صُحبا
قَد يَجمَعُ المَرءُ مالًا ثُمَّ يُسلَبُهُ عَمّا قَليلٍ فَيَلقى الذُلَّ وَالحَرَبا
وَجامِعُ العِلمِ مَغبوطٌ بِهِ أَبَدًا وَلا يُحاذِر مِنهُ الفَوتَ وَالسَلبا
يا جامِعَ العِلمِ نِعمَ الذخرُ َجمَعُهُ لا تَعدِلَنَّ بِهِ دُرًّا وَلا ذَهَبا (٢)
_________________
(١) - تيسير المطالب في أمالي السيد أبي طالب، تأليف القاضي العلامة احمد بن سعد المسوري ص١١٠، الطبعة الأولى منشورات مكتبة الحياة، بيروت لبنان.
(٢) - هذه الأبيات نسبت لأبي الأسود الدؤلي (١ ق. هـ-٦٩هـ/٦٠٥-٦٨٨م) ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي الكناني. تابعي، واضع علم النحو، كان معدودًا من الفقهاء والأعيان والأمراء والشعراء والفرسان والحاضري الجواب. قيل أن الإمام علي بن أبي طالب (﵁) رسم له شيئًا من أصول النحو، فكتب فيه أبو الأسود، وفي صبح الأعشى أن أبا الأسود وضع الحركات والتنوين لا غير، سكن البصرة في خلافة عمر (﵁) وولي إمارتها في أيام علي (﵁) . ولم يزل في الإمارة إلا أن أستشهد الإمام علي (﵁)، وكان قد شهد معه (صفين) ولما تم الأمر لمعاوية قصده فبالغ معاوية في إكرامه، وهو في أكثر الأقوال أول من نقط المصحف، مات بالبصرة. وتنسب هذه الأبيات أيضًا لصالح بن عبد القدوس والله أعلم.
[ ١٤ ]
وقال بعض الفصحاء: "العلم كنز عظيم لا يفنى، والعقل ثوب جديد لا يبلى" (١) .
وفي الأمثال السائرة: "العلم خير ما وعيت، والشر أخبث ما أوعيت، وعلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر".
وقديمًا قيل: "منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا". (٢)
وروي أن الإمام علي بن أبي طالب (٣) كرم الله وجهه ورضي عنه قال: "بالعلم حياة القلوب من الخطايا، ونور الأبصار من العمى، وقوة الأبدان على البنيان، وبالعلم يطاع الله، وبالعلم يعرف الله ويوحّد، وبالعلم تفهم الأحكام، ويفصل به بين الحلال والحرام، يمنحه الله السعداء، ويحرم منه الأشقياء". (٤)
_________________
(١) - الفرائد والقلائد تأليف أبي الحسين محمد بن الحسن الأهوازي، دراسة وتحقيق د. احسان ذنون الثامري، ص١٢، الناشر: دار ابن حزم بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٧هـ٢٠٠٦م.
(٢) - ورد في نهج البلاغة ونسب المثل في التمثيل والمحاضرة وفي محاضرات الأدباء للنبي ﵌، وفي أدب الدنيا والدين لابن مسعود.
(٣) - أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أبو الحسن، (٢٣ق. هـ-٤٠هـ/٦٠٠-٦٦٠م)، ابن عم النبي ﵌ وأخوه وصهره، زوج فاطمة بنت رسول الله ﵌ سيدة نساء العالمين، وأول الناس إسلامًا، ولد بمكة وربي في حجر رسول الله ﵌ ولم يفارقه وشهد جميع المشاهد معه ما عدا غزوة تبوك فإن رسول الله ﵌ استخلفه على المدنية، وكان له بلاء عظيم وأثر حسن، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، وقد ولي الخلافة بعد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ سنة (٣٥هـ)، وأقام عاصمة خلافته بالكوفة ومكث فيها إلى أن قتله عبد الرحمن بن ملجم.
(٤) - تيسير المطالب في أمالي السيد أبي طالب ص١١٠.
[ ١٥ ]
وقد جاء في الحديث أن النبي ﵌ قال: (إِذَا مَاتَ العَبدُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ) (١) وفي لفظ: (يَسْتَغفِرُ لَهُ) (٢) .