للقلم دور في سعادة الأمم وشقاؤها، وله نصيب في مدحها وهجائها، فبه يتعلّم الجاهل، ويظفر العاقل، وقديمًا قيل: "القلم لسان البصر يناجيه بما استتر عن الأسماع، إذا نسح حلله وأودعها حكمه"، فهو أنف الضمير إذا رعف أعلن أسراره وأبان آثاره، وبنوء القلم تصوب الحكمة، وقال ابن أبي دؤاد: "القلم الدنيا والآخرة". (٢) وفي الأمثال السائرة: "عقول الرجال تحت أسنة أقلامها"، وقيل:"الأقلام مطايا الفطن".
ويرحم الله شوقي حيث يقول:
سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى
أَخرَجتَ هَذا العَقلَ مِن ظُلُماتِهِ وَهَدَيتَهُ النورَ المُبينَ سَبيلا
وقال ابن أبي حصينة (٣):
جَزى اللَهُ خَيرًا ظُهورَ الرِكاب وَأَحسَنَ عَنِيّ جَزاءَ القَلَم
_________________
(١) - هذان البيتان لأحمد شوقي من قصيدة مطلعها: الدَهرُ يَقظانُ وَالأَحداثُ لَم تَنَمِ فَما رُقادُكُمُ يا أَشرَفَ الأُمَمِ
(٢) - أدب الكتاب ص٦٣.
(٣) - الحسن بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار بن أبي حصينة أبو الفتح الشامي. (٣٨٨-٤٥٧هـ/٩٩٨-١٠٦٤م) شاعر من الأمراء ولد ونشأ في معرة النعمان بسورية انقطع إلى دولة بني مرداس في حلب فامتدح عطية بن صالح المرداسي فملكه ضيعة فأثرى، وأوفده ابن مرداس إلى الخليفة المستنصر العلوي بمصر رسولًا سنة ٤٣٧هـفمدح المستنصر بقصيدة وأعقبها بثانية سنة ٤٥٠هـ فمنحه المستنصر لقب الإمارة، ثم كتب له سجلًا بذلك فأصبح يحضر في زمرة الأمراء ويخاطب بالإماره وتوفي في سروج، له (ديوان شعر -ط) طبع بعناية المجمع العلمي بدمشق مصدرًا بمقدمة من إملاء أبي العلاء المعري وقد قرئ عليه.
[ ١٠٩ ]
وقال أيضًا:
ما أَقبَحَ العِرضَ مَدنُوسًا بِفاحِشَةٍ يَخُطُّها اللَوحُ أَو يَجري بِها القَلَمُ
وقال بعض الكتاب: " القلم الرديء كالولد العاق"، وقالوا: "القلم أحد اللسانين، والعم أحد الأبوين، والتثبت أحد العفوين، والمطل أحد المنعين، وقلة العيال أحد اليسارين، والقناعة أحد الرزقين، والوعيد أحد الضربين، والرواية أحد الهاجيين، والهجر أحد الفراقين، واليأس أحد النجحين، والمزاح أحد السبابين"، وقيل: "القلم لسان اليد"، وقد فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: انا أقتل بلا غرر وأنت تقتل على خطر، فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف فإن بلغ مراده وإلا فإلى السيف معاده، أما سمعت قول أبي تمام (١):
السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
أما الصنوبري (٢) فهو يقول:
ما كنتُ أحسَبُ أنَّ الخِنجَرَ القَلَمُ مِنْ قبلِ هذا ولا أنَّ المِدادَ دَمُ
_________________
(١) - حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، (١٨٨-٢٣١هـ/٨٠٣-٨٤٥ م)، أحد أمراء البيان، ولد بجاسم (من قرى حوران بسورية) ورحل إلى مصر واستقدمه المعتصم إلى بغداد فأجازه وقدمه على شعراء وقته فأقام في العراق ثم ولي بريد الموصل فلم يتم سنتين حتى توفي بها، كان أسمر، طويلًا، فصيحًا، حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة، يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد والمقاطيع، في شعره قوة وجزالة، له تصانيف، منها فحول الشعراء، وديوان الحماسة، ومختار أشعار القبائل، ونقائض جرير والأخطل، نُسِبَ إليه ولعله للأصمعي كما يرى الميمني، نشأ في دمشق وعمل حائكًا فيها ثمَّ انتقل إلى حمص وبدأ بها حياته الشعرية، وفي أخبار أبي تمام للصولي: أنه كان أجش الصوت يصطحب راوية له حسن الصوت فينشد شعره بين يدي الخلفاء والأمراء.
(٢) - أحمد بن محمد بن الحسن بن مرار الضبي الحلبي الأنطاكي أبو بكر، المتوفى سنة ٣٣٤ هـ٩٤٥م، شاعر اقتصر في أكثر شعره على وصف الرياض والأزهار، وكان ممن يحضر مجالس سيف الدولة تنقل بين حلب ودمشق وجمع الصولي ديوانه في نحو ٢٠٠ورقه وجمع الشيخ محمد راغب الطباخ ما وجده من شعره في كتاب سماه (الروضيات-ط) صغير، وفي كتاب (الديارات-ط) للشابشتي زيادات على ما في الروضيات.
[ ١١٠ ]
حتَّى كتَبْتَ فما أبقَيْتَ جَارِحَةًإِلاّ وَفيها عَلى مِقدارِاها أَلمُ
يا كاتِبًا جَرَحَتْ روحي كَتَابَتُهُ والجُرْحُ في الرُّوحِ جرحٌ ليسً يَلتَئِمُ
اِذْهبْ فحَقُّ أميرٍ أنْتَ كاتِبُهُ أنْ لا يَقومَ لَهُ عُرْبٌ ولا عَجَمُ
وقال بشر بن الحارث (١): "لسان الإنسان قلم ملكه الموكل به، وريقه مداده، وقرطاسه جلده، يملي عليه كتابًا إلى ربه، فلينظر الإنسان قبل فوت النظر ماذا يملي"، وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)، وفي سورة ق: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٣)، وفي سورة عبس يقول المولى جل وعلا: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٤)، فالسفرة الكتبة الواحد سافر والجمع سفرة مثل كافر وكفرة، ومعنى سافر كاتب يكتب في الأسفار واحدها سفرة وهي الصحف وسفر إذا كتب من سفر فهو سافر، ورحم الله القائل:
ونحن الكاتبون وقد أسأنا فهبنا للكرام الكاتبين
وبالقلم كتب القرآن وجمع، وبه حفظت الألسن والآثار، ووكدت العهود، وسيقت التواريخ، وبقيت الصكوك، وأمن الإنسان النسيان،
_________________
(١) - بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن المروزي أبو نصر الحافي محدث ثقة توفى سنة ٢٢٧هـ.
(٢) - سورة الانفطار الآيات (١٠-١٣) .
(٣) - الآيات (١٦-١٨) .
(٤) - الآيتان (١٦-١٧) .
[ ١١١ ]
وقيدت الشهادات والأحكام، وأنزل الله تعالى في ذلك آية المداينة وهي أطول آية في القرآن. ولله در القائل:
إن الكتابة رأس كل صناعة وبها تتم جوامع الأعمال
فاحرص أخي على تعلّم القراءة والكتابة تظفر بالحسنى وزيادة، ودع عنك المفاخرة بالقلم وتعلم الهجاء والذم، ولطالما تفاخر الشعراء بالقلم ووصفوه بما توصلت إليه أفهامهم في مدائحهم وهجائهم، ومن ذلك قول الشاعر:
فلي قلم في رقمه سم أرقم تراه إذا أرسلته حيةً تسعى
يزيد سناء الشمس بالمدح بهجةً ويلبسها من هجوه خطةً شنعا (١)
وقال آخر:
لا تُهاوِن بِصَغيرٍ مِن عِدىً فَقَديمًا كَسَرَ الرُمحُ القَلَم
وَتَرَقَّب مِن سَليلٍ صُنعَهُ فَمِنَ البَيعِ قِياضٌ وَسَلَم (٢)
وقال أبو تمام:
لَكَ القَلَمُ الأَعلى الَّذي بِشَباتِهِ تُصابُ مِنَ الأَمرِ الكُلى وَالمَفاصِلُ
لُعابُ الأَفاعي القاتِلاتِ لُعابُهُ وَأَريُ الجَنى اِشتارَتهُ أَيدٍ عَواسِلُ
فَصيحٌ إِذا اِستَنطَقتَهُ وَهوَ راكِبٌ وَأَعجَمُ إِن خاطَبتَهُ وَهوَ راجِلُ
والعاقل إنما يكتب بقلمه ما ينفع ولا يضر، فهو لا يسجل لغو الحديث، ولا العمل الخسيس، ولا يكتسب به المآثم، ولا يستحل به المحارم، ولا يسجل به ما يوقع في المعاصي، ويحرض على الملاهي، ويرغب في الشقاء، ويجلب الفتنة، ويتسبب في الأذى، ويدعو إلى ظلم العباد، فما أحسن القلم الذي يقتصر في كتابته على الكلام الجميل، وما يدعو إلى طاعة الملك الجليل، ولله در القائل:
وَما مِن كاتِبٍ إِلا سَيفني وَيَبقي الدَهر ما كَتَبتَ يَداه
فَلا تَكتُب بِكفك غَير شَيءٍ يَسرك في القِيامة إِن تَراه (٣)
وفي الذكر الحكيم: ﴿ن~ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٤)،