قد تتراءى لعيوننا أَكثر من عَلَامَات اسْتِفْهَام حول السرارى وَالْإِمَاء وَرُبمَا يَقُول قَائِل أَلَيْسَ فِي تعدد الزَّوْجَات مَا فِيهِ الْكِفَايَة
وَيَقُول الْأُسْتَاذ العقاد فِي كِتَابه الْمَرْأَة فِي الْقُرْآن
لقد شرع الْإِسْلَام الْعتْق وَلم يشرع الرّقّ فَلم يكن للعتقن أثر فِي شرائع الحضارات الَّتِى سبقت ظُهُور الْإِسْلَام
أما الرّقّ فقد كَانَ مَعْرُوفا معترفا بِهِ فِي كل حضارة قديمَة
فَلَمَّا ظهر الْإِسْلَام جَاءَ بِالْعِتْقِ وَلم يَجِيء بِالرّقِّ وَسبق التطور الدولى إِلَى تَقْرِير فك الأسرى عِنْد الْأَعْدَاء وَتَقْرِير الْمَنّ بتسريح الأسرى عِنْده
وَالنِّسَاء المملوكات أقدم فِي التَّارِيخ من الرِّجَال المملوكين وَتعْتَبر قَضِيَّة الْإِمَاء والسرارى جُزْءا من قَضِيَّة الرّقّ على عُمُومه لَوْلَا أَن الْمَرْأَة المستعبدة تنفرد بمشكلاتها فَإِن كَانَ الْعتْق برا كَبِيرا بالإنسان الَّذِي سلبت حُرِّيَّته وهانت على النَّاس كرامته فَإِن الْعتْق لَا يؤول بالجارية إِلَى حريَّة تغبط ععليها وَهِي بِلَا عائل وَلَا زوج وَرُبمَا نقلهَا الْعتْق من الْعُبُودِيَّة لسَيِّد وَاحِد إِلَى الْعُبُودِيَّة لكل سيد تأوى إِلَيْهِ
وَقد نظرت شَرِيعَة الْإِسْلَام إِلَى الْفَارِق بَين الرجل وَالْمَرْأَة فِي أَمر الْعتْق فَعمِلت على نقل النِّسَاء المملوكات من رابطة الْعُبُودِيَّة إِلَى رابطة الزَّوْجِيَّة وَأمرت الْمُسلمين بتزويجهن وَالْبر بِهن
[ ٩١ ]
﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ ﴿فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فَوَاحِدَة أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾
وفضلت الزواج بالجارية الْمَمْلُوكَة على الزواج بسليلة الْبيُوت من المشركات وَلَو حسن مرآها فِي الْعين ﴿وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة وَلَو أَعجبتكُم﴾
وفرضت لَهُنَّ حقوقا كَمَا فرضت للأزواج ﴿قد علمنَا مَا فَرضنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم وَمَا ملكت أَيْمَانهم﴾
وَجعلت أَصْحَاب المَال وَمن يملكونهم سَوَاء فِيمَا عِنْدهم من رزق الله ﴿فَمَا الَّذين فضلوا برادي رزقهم على مَا ملكت أَيْمَانهم فهم فِيهِ سَوَاء﴾
وحرص الْإِسْلَام على الْبر بِهن فِي عواطفهن وإحساسهن كَمَا حرص على الْبر بِهن فِي أرزاقهن ومعيشتهن فَكَانَ ﵊ ينْهَى الْمُسلم أَن يَقُول عبدى وأمتى وَإِنَّمَا يَقُول فتاى وفتاتى كَمَا يتحدث عَن أبنائه
وَكَانَ وَصيته بِالصَّلَاةِ وَالرَّقِيق من آخر وَصَايَاهُ ﷺ قبل انْتِقَاله إِلَى الرفيق الْأَعْلَى
وارتفع الْإِسْلَام بأتباعه إِلَى منزلَة من الْإِنْصَاف للرقيق والرفق بِهِ لم تبلغها الإنسانية بآدابها وقوانينها ودساتيرها وأنظمتها بعد أَكثر من ألف سنة
[ ٩٢ ]
وَمِمَّا لَهُ دلَالَته فِي هَذَا الصدد أَن ارْتِفَاع المهانة عَن المماليك فِي الْعَالم الإسلامي مكنهم غير مرّة من إِقَامَة الدول وارتقاء المناصب وَولَايَة الوزارة والقيادة ومصاهرة البيوتات من أَصْحَاب الْملك والإمارة وَإِلَيْك مَا جَاءَ فِي العقد الفريد عَن السراري وَالْإِمَاء المنجبات من النِّسَاء أَنْجَب النِّسَاء قَالُوا أَنْجَب النِّسَاء الفروك وَذَلِكَ أَن الرجل يغلبها على الشبق لزهدها فى الرجل أَبُو حَاتِم عَن الأصمعى قَالَ النجيبة الَّتِى تنْزع بِالْوَلَدِ إِلَى أكْرم العرقين وَقَالَ عمر بن الْخطاب يَا بنى السَّائِب إِنَّكُم قد أضويتم فانكحوا فِي النزائع وَقَالَت الْعَرَب بَنَات الْعم أَصْبِر والغرائب أَنْجَب وَالْعرب تَقول اغتربوا لَا تضووا أى انكحوا فى الغرائب فَإِن القرائب يضوين الْبَنِينَ وَقَالُوا إِذا أردْت أَن يصلب ولد الْمَرْأَة فأغضبها ثمَّ قع عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ الفزعة
[ ٩٣ ]
وَقَالَ الشَّاعِر مِمَّن حملن وَهن عواقد حبك النطاق فشب غير مهبل حملت بِهِ فى لَيْلَة مزءودة كرها وَعقد نطاقها لم يحلل قَالَت أم تأبط شرا وَالله مَا حَملته تضعا وَلَا وضعا وَلَا وَضعته يتنا وَلَا أَرْضَعَتْه غيلا وَلَا أنمته مئقا وَمن أَمْثَال الْعَرَب أَنا مئق وَأَنت تئق فَمَتَى نتفق إِبْرَاهِيم ﵇ وَهَاجَر تسرى الْخَلِيل ﵊ بهاجر فَولدت لَهُ إِسْمَاعِيل ﵇ مُحَمَّد ﵊ ومارية ثمَّ صَفِيَّة وتسرى النَّبِي ﵊ مَارِيَة الْقبْطِيَّة فَولدت لَهُ إِبْرَاهِيم أَبى اسحاق وجدى إِبْرَاهِيم وَلما صَارَت إِلَيْهِ صَفِيَّة بنت حييّ كَانَ أَزوَاجه يعيرنها باليهودية فشكت ذَلِك إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا أما إِنَّك لَو شِئْت لَقلت فصدقت
[ ٩٤ ]
وصدقت أَبى إِسْحَاق وجدى إِبْرَاهِيم وعمى إِسْمَاعِيل وأخى يُوسُف هِشَام وَزيد بن على لَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله وَدخل زيد بن عَليّ على هِشَام بن عبد الْملك فَقَالَ لَهُ هِشَام بلغنى أَنَّك تحدث نَفسك بالخلافة وَلَا تصلح لَهَا لِأَنَّك ابْن أمة فَقَالَ لَهُ أما قَوْلك إنى أحدث نفسى بالخلافة فَلَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله وَأما قَوْلك إنى ابْن أمة فإسماعيل ابْن أمة أخرج الله من صلبه خير الْبشر مُحَمَّدًا وَإِسْحَاق ابْن حرَّة أخرج الله من صلبه القردة والخنازير الرَّغْبَة فِي السراري أَبنَاء الْإِمَاء يتفوقون قَالَ الأصمعى وَكَانَ أَكثر أهل الْمَدِينَة يكْرهُونَ الْإِمَاء حَتَّى نَشأ مِنْهُم على بن الْحُسَيْن وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر وَسَالم بن عبد الله بن عمر ففاقوا أهل الْمَدِينَة فقها وعلما وورعا فَرغب النَّاس فِي السراري
[ ٩٥ ]
عبد الْملك وَابْن الْحُسَيْن فى جَارِيَة تزَوجهَا لَا عَار على مُسلم وَتزَوج على بن الْحُسَيْن جَارِيَة لَهُ وأعتقها فَبلغ ذَلِك عبد الْملك فَكتب إِلَيْهِ يؤنبه فَكتب إِلَيْهِ على إِن الله رفع بِالْإِسْلَامِ الخسيسة وَأتم بِهِ النقيصة وَأكْرم بِهِ من اللؤم فَلَا عَار على مُسلم وَهَذَا رَسُول الله قد تزوج أمته وَامْرَأَة عَبده فَقَالَ عبد الْملك إِن عَليّ بن الْحُسَيْن يشرف من حَيْثُ يتضع النَّاس أَقْوَال وتجارب عجبى وَقَالَ بَعضهم عجبت لمن لبس الْقصير كَيفَ يلبس الطَّوِيل وَلمن أحفى شَاربه كَيفَ أَعْفَاهُ وعجبا لمن عرف الْإِمَاء كَيفَ يقدم على الْحَرَائِر وَقَالَ الشَّاعِر أُمَّهَات الْقَوْم أوعية لَا تشتمن امْرَءًا فِي أَن تكون لَهُ أم من الرّوم أَو سَوْدَاء عجماء فَإِنَّمَا أُمَّهَات الْقَوْم أوعية مستودعات وللأحساب آبَاء
[ ٩٦ ]
وَقَالُوا شتان مَا بَينهمَا الْأمة تشتري بِالْعينِ وَترد بِالْعَيْبِ والحرة غل فِي عنق من صَارَت إِلَيْهِ الهجناء للْعَرَب وَالْفرس أَسمَاء ومسميات الْعَرَب تسمي العجمي إِذا أسلم المسلماني وَمِنْه يُقَال مسالمة السوَاد والهجين عِنْدهم الَّذِي أَبوهُ عَرَبِيّ وَأمه أَعْجَمِيَّة والممذرع الَّذِي أمه عَرَبِيَّة وَأَبوهُ أعجمي وَقَالَ الفرزدق إِذا باهلي أنجبت حنظلية لَهُ ولدا مِنْهَا فَذَاك المذرع والعجمي النَّصْرَانِي وَنَحْوه وَإِن كَانَ فصيحا والأعجمي الْأَخْرَس اللِّسَان وَإِن كَانَ مُسلما
[ ٩٧ ]
وَمِنْه قيل زِيَاد الْأَعْجَم وَكَانَ فِي لِسَانه لكنة وَالْفرس تسمى الهجين دوشن وَالْعَبْد واش ونجاش وَمن تزوج أمة نفاش وَهُوَ الَّذِي يكون العَبْد دونه وسمى أَيْضا بوركان وَالْعرب تسمى العَبْد الَّذِي لَا يخْدم إِلَّا مادامت عَلَيْهِ عين مَوْلَاهُ عبد الْعين وَكَانَ الْعَرَب فى الْجَاهِلِيَّة لَا تورث الهجين وَكَانَت الْفرس تطرح الهجين وَلَا تعده وَلَو وجدوا أما أمة على رَأس ثَلَاثِينَ أما مَا أَفْلح وَلَدهَا عِنْدهم وَلَا كَانَ آزاد وَلَا كَانَ بِيَدِهِ مزاد والآزاد عِنْدهم الْحر والمزاد الريحان وَقَالَ ابْن الزبير لعبد الرَّحْمَن بن أم الحكم إِذا قيل لَهُ من أَبوك قَالَ أمى الْفرس تبغلت لما أتيت بِلَادهمْ وَفِي أَرْضنَا أَنْت الْهمام القلمس أَلَسْت ببغل أمه عَرَبِيَّة أَبوهُ حمَار أدبر الظّهْر ينخس وَشبه المذرع بالبغل إِذا قيل لَهُ من أَبوك قَالَ أمى الْفرس
[ ٩٨ ]
مِمَّا احْتج بِهِ الهجناء سيف أَبِيك زوجه وَمِمَّا احْتج بِهِ الهجناء أَن النَّبِي زوج ضباعة بنت الزبير بن عبد الْمطلب من الْمِقْدَاد بن الْأسود وَزوج خالدة بنت أبي لَهب من عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ الثَّقَفِيّ وَبِذَلِك احْتج عبد الله بن جَعْفَر إِذْ زوج ابْنَته زَيْنَب من الْحجَّاج بن يُوسُف فَعَيَّرَهُ الْوَلِيد بن عبد الْملك فَقَالَ عبد الله بن جَعْفَر سيف أَبِيك زوجه وَالله مَا فديت بهَا إِلَّا خيط رقبتى وَأُخْرَى أَن النَّبِي قد زوج ضباعة من الْمِقْدَاد وخالدة من عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ فَفِيهِ قدوة وأسوة وَزوج أَبُو سُفْيَان أم الحكم بِالطَّائِف فِي ثَقِيف وَقَالَ لهذم الْكَاتِب فِي عبد الله بن الْأَهْتَم وَسَأَلَهُ فحرمه وَمَا بَنو الْأَهْتَم إِلَّا كالرحم لَا شَيْء إِلَّا أَنهم لحم وَدم جَاءَت بِهِ جذام من أَرض الْعَجم أهتم سلَاح على ظهر الْقدَم مُقَابل فِي اللؤم من خَال وَعم بَنو أُميَّة وَأَوْلَاد الأماء وَكَانَت بَنو أُميَّة لَا تسْتَخْلف بنى الْإِمَاء وَقَالُوا لَا تصلح لَهُم الْعَرَب
[ ٩٩ ]
لَا يستويان زِيَاد بن يحيى قَالَ حَدثنَا جبلة بن عبد الْملك قَالُوا سَابق عبد الْملك بن سُلَيْمَان ومسلمة فَسبق سُلَيْمَان مسلمة فَقَالَ عبد الْملك ألم أنهكم أَن تحملوا هجناءكم على خيلكم يَوْم الرِّهَان فتدرك وَمَا يستوى المرءان هَذَا ابْن حرَّة وَهَذَا ابْن أُخْرَى ظهرهَا متشرك وتضعف عضداه وَيقصر سَوْطه وتقصر رِجْلَاهُ فَلَا يَتَحَرَّك وأدركه خالاته فنزعنه أَلا إِن عرق السوء لَا بُد يدْرك ثمَّ أقبل عبد امللك على مصقلة بن هُبَيْرَة الشَّيْبَانِيّ فَقَالَ أَتَدْرِي من يَقُول هَذَا قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ يَقُوله أَخُوك الشني قَالَ مسلمة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا هَكَذَا قَالَ حَاتِم الطَّائِي قَالَ عبد الْملك وماذا قَالَ حَاتِم الطَّائِي فَقَالَ مسلمة قَالَ حَاتِم وَمَا أنكحونا طائعين بناتهم وَلَكِن خطبناها بأسيافنا قسرا فَمَا زَادهَا فِينَا السباء مذلة وَلَا كلفت خبْزًا وَلَا طبخت قدرا وَلَكِن خلطناها بِخَير نسائنا فجات بهم بيضًا وُجُوههم زهرا وكائن ترى فِينَا من ابْن سبية إِذا لقى الْأَبْطَال يطعنهم شزرا وَيَأْخُذ رايات الطعان بكفه فيوردها بيضًا ويصدرها حمرا أغر إِذا اغبر اللثام رَأَيْته إِذا مَا سرى ليل الدجى قمرا بَدْرًا
[ ١٠٠ ]
فَقَالَ عبد الْملك كالمستحي وَمَا شَرّ الثَّلَاثَة أم عَمْرو بصاحبك الذى لَا تصبحينا بَنو أُميَّة فِي أَوْلَاد الْأُمَّهَات لماذا قَالَ الْأَصْمَعِي كَانَت بَنو أُميَّة لَا تبَايع لبنى أُمَّهَات الْأَوْلَاد فَكَانَ النَّاس يرَوْنَ أَن ذَلِك لاستهانة بهم وَلم يكن لذَلِك وَلَكِن لما كَانُوا يرَوْنَ أَن زَوَال ملكهم على يَد ابْن أم ولد فَلَمَّا ولى النَّاقِص ظن النَّاس أَنه الذى يذهب ملك بنى أُميَّة على يَدَيْهِ وَكَانَت أمه بنت يزدجرد بن كسْرَى فَلم يلبث إِلَّا سَبْعَة أشهر حَتَّى مَاتَ ووثب مَكَانَهُ مَرْوَان بن مُحَمَّد وَأمه كردية فَكَانَت الرِّوَايَة عَلَيْهِ وَلم يكن لعبد الْملك ابْن أَسد رَأيا وَلَا أذكى عقلا وَلَا أَشْجَع قلبا وَلَا أسمح نفسا وَلَا أسخى كفا من مسلمة وَإِنَّمَا تَرَكُوهُ لهَذَا الْمَعْنى
[ ١٠١ ]
شَيْء عَن يحيى بن ابي حَفْصَة كَانَ يَهُودِيّا فَأسلم وَكَانَ يحي بن أبي حَفْصَة أَخُو مَرْوَان بن أبي حَفْصَة يَهُودِيّا أسلم على يَد عُثْمَان بن عَفَّان فَكثر مَاله فَتزَوج خَوْلَة بنت مقَاتل بن قيس بن عَاصِم ونقدها خمسين ألفا وَيَقُول فِيهِ القلاخ نبئت خَوْلَة قَالَت حِين أنْكحهَا لطالما كنت مِنْك الْعَار أنْتَظر أنكحت عَبْدَيْنِ ترجو فضل مَالهمَا فِي فِيك مِمَّا رَجَوْت التُّرَاب وَالْحجر لله در جِيَاد أَنْت سائسها برذنتها وَبهَا التحجيل وَالْغرر فَقَالَ مقَاتل يرد عَلَيْهِ وَمَا تركت خَمْسُونَ ألفا لقَائِل عَلَيْك فَلَا تحفل مقَالَة لائم فَإِن قُلْتُمْ زوجت مولى فقد مَضَت بِهِ سنة قبلي وَحب الدَّرَاهِم وَيُقَال إِن غَيره قَالَ ذَلِك
[ ١٠٢ ]
الأدعياء زِيَاد بن عبيد أَخَاف هَذَا الْجَالِس على الْمِنْبَر أول دعِي كَانَ فِي الْإِسْلَام واشتهر زِيَاد بن عبيد دعى مُعَاوِيَة وَكَانَ من قصَّته أَنه وَجهه بعض عُمَّال عمر بن الْخطاب ﵁ على الْعرَاق إِلَى عمر بِفَتْح كَانَ فَلَمَّا قدم وَأخْبر عمر بِالْفَتْح فِي أحسن بَيَان وأفصح لِسَان قَالَ لَهُ عمر أتقدر على مثل هَذَا الْكَلَام فِي جمَاعَة النَّاس على الْمِنْبَر قَالَ نعم وعَلى أحسن مِنْهُ وَأَنا لَك أهيب فَأمر عمر بِالصَّلَاةِ جَامِعَة فَاجْتمع النَّاس ثمَّ قَالَ لزياد قُم فاخطب وقص على النَّاس مَا فتح الله على إخْوَانهمْ الْمُسلمين فَفعل وَأحسن وجود وَعند أصل الْمِنْبَر على بن أبي طَالب وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب فَقَالَ أَبُو سُفْيَان لعَلي أيعجبك من سَمِعت من هَذَا الْفَتى قَالَ نعم قَالَ أما إِنَّه ابْن عمك قَالَ فَكيف ذَلِك قَالَ أَنا قَذَفته فِي رحم أمه سميَّة قَالَ فَمَا يمنعك أَن تدعيه قَالَ أَخَاف هَذَا الْجَالِس على الْمِنْبَر يَعْنِي عمر أَن يفْسد على إهابي فَلَمَّا ولى مُعَاوِيَة اسْتَلْحقهُ بِهَذَا الحَدِيث وَأقَام لَهُ شُهُودًا عَلَيْهِ فَلَمَّا شهد الشُّهُود قَامَ زِيَاد على أَعْقَابهم خَطِيبًا فَحَمدَ الله وأثني عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا بَلغَكُمْ وَشهد الشُّهُود بِمَا قد سَمِعْتُمْ وَالْحَمْد لله الَّذِي رفع منا مَا وضع النَّاس وَحفظ مَا ضيعوا فَأَما عبيد فَإِنَّمَا هُوَ وَالِد مبرور أَو ربيب مشكور ثمَّ جلس
[ ١٠٣ ]
فَقَالَ فِيهِ عبد الرَّحْمَن بن حسان بن ثَابت أَلا أبلغ مُعَاوِيَة بن حَرْب فقد ضَاقَتْ بِمَا يَأْتِي اليدان أتغضب أَن يُقَال أَبوك عف وترضى أَن يُقَال أَبوك زَان وَأشْهد أَن قربك من زِيَاد كقرب الْفِيل من ولد الأتان وَقَالَ زِيَاد مَا هجيت بِبَيْت قطّ على قَول انشد على من قَول يزِيد بن مفرغ الْحِمْيَرِي فكر فَفِي ذَاك إِن فَكرت مُعْتَبر هَل نلْت مكرمَة إِلَّا بتأمير عاشت سميَّة مَا عاشت وَمَا علمت أَن ابْنهَا من قُرَيْش فِي الجماهير سُبْحَانَ من ملك عباد بقدرته لَا يدْفع النَّاس محتوم الْمَقَادِير وَكَانَ ولد سميَّة زيادا وَأَبا بكرَة ونافعا فَكَانَ زِيَاد ينْسب فِي قُرَيْش وَأَبُو بكرَة فِي الْعَرَب وَنَافِع فِي الموَالِي فَقَالَ فيهم يزِيد بن مفرغ إِن زيادا ونافعا وَأَبا بكرَة عِنْدِي من أعجب الْعجب إِن رجَالًا ثَلَاثَة خلقُوا من رحم أُنْثَى مخالفي النّسَب ذَا قرشي فِيمَا يَقُول وَذَا مولى وَهَذَا ابْن أمه عَرَبِيّ وَقَالَ بعض الْعِرَاقِيّين فِي أبي مسْهر الْكَاتِب حمَار فِي الْكِتَابَة يدعيها كدعوى آل حَرْب فِي زِيَاد فدع عَنْك الْكِتَابَة لست مِنْهَا وَلَو غرقت ثَوْبك بالمداد
[ ١٠٤ ]
وَقَالَ آخر فِي دعى لعين يُورث الْأَبْنَاء لعنا ويلطخ كل ذِي نسب صَحِيح يَا حرسي خُذ هَذَا الْحجر عبد الله بن حجاج وَلما طَالَتْ خُصُومَة عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد وَنصر بن حجاج عِنْد مُعَاوِيَة فِي عبد الله بن حجاج مولى خَالِد بن الْوَلِيد أَمر مُعَاوِيَة حَاجِبه أَن يُؤَخر أَمرهمَا حَتَّى يحتفل مَجْلِسه فَجَلَسَ مُعَاوِيَة وَقد تلفع بمطرف خَز أَخْضَر وَأمر بِحجر فأدنى مِنْهُ وَألقى عَلَيْهِ طرف الْمطرف ثمَّ أذن لَهما وَقد احتفل الْمجْلس فَقَالَ نصر بن حجاج أخي وَابْن أبي عهد إِلَى أَنه مِنْهُ وَقَالَ عبد الرَّحْمَن مولاى وَابْن عبد أبي وَأمته ولد على فرَاشه فَقَالَ مُعَاوِيَة يَا حرسي خُذ هَذَا الْحجر وكشف عَنهُ فادفعه إِلَى نصر بن حجاج وَقَالَ يَا نصر هَذَا مَالك فِي حكم رَسُول الله فَإِنَّهُ قَالَ الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر فَقَالَ نصر افلا أجريت هَذَا الحكم فِي زِيَاد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ ذَاك حكم مُعَاوِيَة وَهَذَا حكم رَسُول الله وَلَيْسَ فِي الأَرْض أحمس من الأدعياء لتستحق بذلك الْعَرَبيَّة قَالَ الشَّاعِر دعِي وَاحِد أجدى عَلَيْهِم من ألفى عَالم مثل ابْن دَاب ككلب السوء يحرس جانبيه وَلَيْسَ عدوه غير الْكلاب
[ ١٠٥ ]
من طباع الْعَرَب للأصمعي فِي دعى وَقَالَ الْأَصْمَعِي استمشى رجل من الأدعياء فَدخل عَلَيْهِ رجل من أَصْحَابه فَوجدَ عِنْده شيحا وقيصوما فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ وَرفع صَوته الطبيعة تتوق إِلَيْهِ يُرِيد أَن طَبِيعَته من طباع الْعَرَب فَقَالَ فِيهِ الشَّاعِر يشم الشيح والقيصو م كى يسْتَوْجب النسبا وَلَيْسَ ضَمِيره فِي الصد ر إِلَّا التِّين والعنبا أَبُو سعيد المَخْزُومِي دعى على دعى وَعَن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد قَالَ رَأَيْت على أبي سعيد الشَّاعِر المخزومى كردوانيا مصبوغا بتوريد فَقلت أَبَا سعيد هَذَا خَز قَالَ لَا وَلكنه دعى على دعى وَكَانَ أَبُو سعيد دعيا فِي بنى مَخْزُوم وَفِيه قَالَ الشَّاعِر مَتى تاه على النَّاس شرِيف يَا أَبَا سعد فته مَا شِئْت إِذا كنت بِلَا أَب وَلَا جد وَإِذا حظك فِي النس بة بَين الْحر وَالْعَبْد وَإِذا فَارَقت الْفُحْش ففى أَمن من الْحَد
[ ١٠٦ ]
تزوج ابْن عبد الْعَزِيز فِي عبد الْقَيْس تعيبون أمرا ظَاهرا فِي بناتكم وَعَن أَحْمد بن عبد الْعَزِيز قَالَ نزلت فى دَار رجل من بنى عبد الْقَيْس بِالْبَحْرَيْنِ فَقَالَ لى بلغنى أَنَّك خَاطب قلت نعم قَالَ فَأَنا أزَوجك قلت لَهُ إنى مولى قَالَ اسْكُتْ وَأَنا أفعل فَقَالَ أَبُو بجير فيهم أَمن قلَّة صرتم إِلَى أَن قبلتم دعاوة زراع وَآخر تَاجر وأصهب رومي وأسود فَاحم وأبيض جعد من سراة الأحامر شكولهم شَتَّى وكل نسيبكم لقد جئْتُمْ فِي النَّاس إِحْدَى المناكر مَتى قَالَ إنى مِنْكُم فمصدق وَإِن كَانَ زنجيا غليظ المشافر أكلهم وافى النِّسَاء جدوده وَكلهمْ أوفى بِصدق المعاذر وَكلهمْ قد كَانَ فى أَوْلَوِيَّة لَهُ نِسْبَة مَعْرُوفَة فى العشائر على علمكُم أَن سَوف ينْكح فِيكُم فجدعا ورغما للأنوف الصواغر فَهَلا أَبَيْتُم عفة وتكرما وهلا وجلتم من مقَالَة شَاعِر تعيبون أمرا ظَاهرا فِي بناتكم وفخركم قد جَار كل مفاخر مَتى شَاءَ مِنْكُم مغرم كَانَ جده عمَارَة عبس خير تِلْكَ العمائر وحصن بن بدر أَو زُرَارَة دارم وزبان زبان الرئيس ابْن جَابر فقد صرت لَا أَدْرِي وَإِن كنت نَاسِيا لَعَلَّ نجارا من هِلَال بن عَامر وعل رجال التّرْك من آل مذْحج وعل تميما عصبَة من يحابر وعل رجال الْعَجم من آل عالج وعل الْبَوَادِي جدلت بالحواضر زعمتم بِأَن الْهِنْد أَوْلَاد خندف وَبَيْنكُم قربى وَبَين البرابر
[ ١٠٧ ]
وَدَيْلَم من نسل ابْن ضبة باسل وبرجان من أَوْلَاد عَمْرو بن عَامر بَنو الْأَصْفَر الاملاك أكْرم مِنْكُم وَأولى بقربانا مُلُوك الأكاسر أأطمع فى صهري دعيا مجاهرا وَلم نر شرا فى دعى مجاهر ويشتم لؤما عرضه وعشيره ويمدح جهلا طَاهِرا وَابْن طَاهِر وَقَالَ زُرَارَة بن ثروان أحد بنى عَامر بن ربيعَة بن عَامر اخْتَلَط الأسافل بالأعالى قد اخْتَلَط الاسافل بالأعالي وباح النَّاس وَاخْتَلَطَ النجار وَصَارَ العَبْد مثل أَبى قبيس وسيق مَعَ المعلهجة العشار جَعْفَر بن سُلَيْمَان وَولده أَحْمد ثمَّ تُرِيدُ أَن ينجبن وَذكر جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن على يَوْمًا وَلَده وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا كَمَا يحب فَقَالَ لَهُ وَلَده أَحْمد بن جَعْفَر عَمَدت إِلَى فاسقات الْمَدِينَة وَمَكَّة وإماء الْحجاز فأوعيت فيهم نطفك ثمَّ تُرِيدُ أَن ينجبن أَلا فعلت فى ولدك مَا فعل أَبوك فِيك حِين اخْتَار لَك عقيلة قَومهَا
[ ١٠٨ ]
الْأَشْعَث وعَلى من هَذِه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَدخل الْأَشْعَث بن قيس على على بن أبي طَالب فَوجدَ بَين يَدَيْهِ صبية تدرج فَقَالَ من هَذِه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ هَذِه زَيْنَب بنت أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ زوجنيها يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ اغرب بفيك الكثكث وَلَك الأثلب أغرك ابْن أَبى قُحَافَة حِين زَوجك أم فَرْوَة إِنَّهَا لم تكن من الفواطم وَلَا العواتك من سليم فَقَالَ قد زوجتم أخمل مني حسبا وأوضع منى نسبا الْمِقْدَاد بن عَمْرو وَإِن شِئْت فالمقداد بن الْأسود قَالَ على ذَلِك رَسُول الله فعله وَهُوَ اعْلَم بِمَا فعل وَلَئِن عدت إِلَى مثلهَا لأسوءنك وفى هَذَا الْمَعْنى قَالَ الْكُمَيْت بن زيد وَمَا وجدت بَنَات بنى نزار حلائل أسودين وأحمرينا وَمَا حملُوا الْحمير على عتاق مطهمة فيلفوا مبغلينا بنى الْأَعْمَام انكحنا الْأَيَامَى وبالآباء سمينا البنينا الْهَيْثَم بن عدى إِذا نسبت عديا عَن العتبى قَالَ وَكَانَ الْهَيْثَم بن عدى فِيمَا زَعَمُوا دعيا فَقَالَ فِيهِ الشَّاعِر
[ ١٠٩ ]
الْهَيْثَم بن عدى من تنقله فِي كل يَوْم لَهُ رَحل على حسب إِذا اجتدى معشرا من فضل نسبتهم فَلم ينيلوه عداهم إِلَى نسب فَمَا يزَال لَهُ حل ومرتحل إِلَى النَّصَارَى وَأَحْيَانا إِلَى الْعَرَب إِذا نسبت عديا فِي بنى ثعل فَقدم الدَّال قبل الْعين فِي النّسَب وَقَالَ بشار القصيلي عَرَبِيّ من زجاج إِن عمرا فَاعْرِفُوهُ عربى من زجاج مظلم النِّسْبَة لَا يع رف إِلَّا بالسراج وَقَالَ فِيهِ عربى من قَوَارِير أرْفق بِنِسْبَة عمر حِين تنسبه فَإِنَّهُ عربى من قَوَارِير مَا زَالَ فِي كير يردده حَتَّى بدا عَرَبيا مظلم النُّور وَقَالَ أَيْضا فِي أدعياء زائف الْحسب هم قعدوا فانتقوا لَهُم حسبا يدْخل بعد الْعشَاء فِي الْعَرَب وَالنَّاس قد أَصْبحُوا صيارفة أعلم شَيْء بزائف الْحسب
[ ١١٠ ]
وَقَالَ أَبُو نواس فى أَشْجَع بن عَمْرو قل لمن يَدعِي سليمى سفاها لست مِنْهَا وَلَا قلامة ظفر إِنَّمَا أَنْت من سليمى كواو ألحقت فى الهجاء ظلما بِعَمْرو وَقَالَ فِيهِ أيا متحيرا فِيهِ لمن يتعجب الْعجب لأسماء تعلمهن أَشْجَع حِين ينتسب وَلأَحْمَد بن الْحَارِث الخراز فى حبيب الطَّائِي لَو أَنَّك إِذا جعلت أَبَاك أَوْسًا جعلت الْجد حَارِثَة بن لَام وَسميت الَّتِى وَلدتك سعدى فَكنت مُقَابلا بَين الْكِرَام وَله فِيهِ أَنْت عِنْدِي عربى لَيْسَ فى ذَاك كَلَام شعر فخذيك وساقيك خزامى وثمام وضلوع الصَّدْر من جسمك نبع وبشام وقذى عَيْنَيْك صمغ ونواصيك ثغام لَو تحركت كَذَا لَا نجفلت مِنْك نعام
[ ١١١ ]