ويقع في الحب بعد هذا - بعد حلول الثقة وتمام الاستئناس: إرسال السفير.
ويجب تخيره وارتياده واستجادته واستفراهه، فهو دليل عقل المرء، وبيده حياته وموته، وستره وفضيحته، بعد الله تعالى، فينبغي ان يكون الرسول ذا هيئة، حاذقًا يكتفي بالإشارة، ويقرطس عن الغئب، ويحسن من ذات نفسه، ويضع من عقله ما أغفله باعثه، ويؤدي إلى الذي أرسله كل ما يشاهد على وجهه، كاتمًا للأسرار، حافظًا للعهد، قنوعًا ناصحًا.
ومن تعدى هذه الصفات كان ضرره على باعثه بمقدار ما نقصه منها.
وفي ذلك أقول شعرًا منه: [من الطويل] رسولك سيف في يمينك فاستجد حسامًا ولا تضرب به قبل صقله فمن يك ذا سيف كهام فضره يعود على المعني منه بجهله وأكثر ما يستعمل المحبون في إرسالهم إلى من يحبونه، إما خاملًا لا يؤبه له ولا يهتدى للتحفظ منه، لصباه أو لهيئة رثة أو بذاذة في طلعته؛ وإما جليلًا لا تلحقه الظنن لنسك يظهره أو لسن عالية قد بلغها.
وما اكثر هذا في النساء ولا سيما ذوات العكاكيز والتسابيح
[ ١٤١ ]
والثوبين الأحمرين.
وإني لأذكر بقرطبة التحذير للنساء المحدثات من هذه الصفات حيثما رأينها؛ أو ذوات صناعة يقرب بها من الأشخاص، فمن النساء: كالطبيبة والحجامة والسراقة والدلالة والماشطة والنائحة والمغنية والكاهنة والمعلمة والمستخدمة والصناع في المغزل والنسيج، وما أشبه ذلك؛ أو ذا قرابة من المرسل إليه لا يشح بها عليه.
فكم منيع سهل بهذه الأوصاف، وعسير يسر، وبعيد قرب، وجموح أنس، وكم داهية دهت الحجب المصونة، والأستار الكثيفة، والمقاصير المحروسة، والسدد المضبوطة، لأرباب هذه النعوت، ولولا أن أنبه عليها لذكرتها، ولكن لقطع النظر فيها وقلة الثقة بكل أحد.
والسعيد من وعظ بغيره، وبالضد تتميز الأشياء.
أسبل الله علينا وعلى جميع المسلمين ستره، ولا زال على الجميع ظل العافية.
[ ١٤٢ ]
خبر: وإني لأعرف من كانت الرسول بينهما حمامة مؤدبة، ويعقد الكتاب في جناحها، وفي ذلك أقول منها: [من الطويل] تخيرها نوح فما خاب ظنه لديها وجاءت نحوه بالبشائر سأودعها كتبي إليك فهاكها رسائل تهدى في قوادم طائر
[ ١٤٣ ]