وقد علمنا أنه لابد لكل مجتمع من افتراق، ولكل دان من تناء، وتلك عادة الله في العباد والبلاد حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
وما شيء من دواهي الدنيا يعدل الافتراق، ولو سالت الأرواح به فضلًا عن الدموع كان قليلا.
وسمع بعض الحكماء قائلًا يقول: الفراق أخو الموت، فقال: بل الموت أخو الفراق.
والبين ينقسم أقسامًا: ١ - فأولها مدة يوقن بانصرامها وبالعودة عن قريب، وإنه لشجى في القلب، وغصة في الحلق لا تبرأ إلا بالرجعة.
وأنا أعلم من كان يغيب من يحب عن بصره يومًا واحدًا فيعتريه من الهلع والجزع وشغل البال وترادف الكرب ما يكاد يأتي عليه.
٢ - ثم بين منع من اللقاء وتحظير على المحبوب من أن يراه محبه، فهذا - ولو كان من تحبه معك في دار واحدة - فهو بين، لأنه
[ ٢١٥ ]
بائن عنك، وإن هذا ليولد من الحزن والأسف غير قليل، ولقد جربناه فكان مرًا، وفي ذلك أقول: [من الطويل] .
أرى دارها في كل حين وساعة ولكن من في الدار عني مغيب وهل نافعي قرب الديار وأهلها على وصلهم مني رقيب مرقب فيا لك جار الجنب أسمع حسه وأعلم أن الصين أدنى وأقرب كصاد يرى ماء الطوي بعينه وليس إليه من سبيل يسبب كذلك من في اللحد عنك مغيب وما دونه إلا الصفيح المنصب وأقول من قصيدة مطولة: [من الطويل] .
متى تشتفي نفس أضر بها الوجد وتصقب دار قد طوى أهلها البعد وعهدي بهند وهي جارة بيتنا وأقرب من هند لطالبها الهند بلى إن في قرب الديار لراحة كما يمسك الظمآن أن يدنو الورد ٣ - ثم بين يتعمده المحب بعدًا عن قول الوشاة، وخوفًا أن يكون بقاؤه سببًا إلى منع اللقاء، وذريعة إلى أن يفشو الكلام فيقع الحجاب الغليظ.
٤ - ثم بين يولده المحب لبعض ما يدعوه إلى ذلك من آفات الزمان، وعذره مقبول أو مطرخ على قدر الحافز له إلى الرحيل.
خبر: ولعهدي بصديق لي داره المرية، فعنت له حوائج إلى شاطبة فقصدها، وكان نازلًا بها في منزلي مدة إقامته بها، وكان له بالمرية علاقة هي أكبر همه وأدهى غمه، وكان يؤمل تبتيته وفراغ أسبابه وأن يوشك الرجعة ويسرع الأوبة، فلم يكن إلا حين لطيف بعد احتلاله
[ ٢١٦ ]
عندي حتى جيش الموفق أبو الجيش مجاهد صاحب الجزائر الجيوش وقرب العساكر ونابذ خيران صاحب المرية وعزم على استئصاله، فانقطعت الطرق بسبب هذه الحرب، وتحوميت السبل واحترس البحر بالأساطيل، فتضاعف كربه إذ لم يجد إلى الانصراف سبيلًا البتة، وكاد يطفأ أسفًا، وصار لا يأنس بغير الوحدة، ولا يلجأ إلا إلى الزفير والوجوم، ولعمري لقد كان ممن لم أقدر قط فيه أن قلبه يذعن للود، ولا شراسة طبعه تحبب إلى الهوى.
وأذكر أني دخلت قرطبة بعد رحيلي عنها ثم خرجت منصرفًا عنها فضمني الطريق مع رجل من الكتاب قد رحل لأمر مهم وتخلف سكن له، فكان يرتمض لذلك.
وإني لأعلم من علق بهوى له وكان في حال شظف، وكانت له في الأرض مذاهب واسعة ومناديح رحبة ووجوه متصرف كثيرة، فهان عليه ذلك وآثر الإقامة مع من يحب؛ وفي ذلك أقول شعرًا منه: [من الكامل] .
لك في البلاد منادح معلومة والسيف غفل أو يبين قرابه
[ ٢١٧ ]
٥ - ثم بين رحيل وتباعد ديار، ولا يكون من الأوبة فيه على يقين خبر، ولا يحدث تلاق، وهو الخطب الموجع، والعم المفظع، والحادث الأشنع، والدواء الدوي.
وأكثر ما يكون الهلع فيه إذا كان النائي هو المحبوب؛ وهو الذي قالت فيه الشعراء كثيرًا؛ وفي ذلك أقول قصيدة منها: [من الطويل] .
وبي علة أعيا الطبيب علاجها ستوردني لا شك منهل مصرعي رضيت بان أضحى قتيل وداده كجارع سم في رحيق مشعشع فما لليالي ما أقل حياءها وأولعها بالنفس من كل مولع كأن زماني عبشمي يخالني أعنت على عثمان أهل التشيع وأقول من قصيدة: [من الطويل] .
أظنك تمثال الجنان أباحه لمجتهد النساك من أوليائه وأقول من قصيدة: [من الطويل] .
لأبرد باللقيا غليلا من الهوى توقد نيران الغضا هيمانه وأقول شعرًا منه: [من الطويل] .
خفيت عن الأبصار والوجد ظاهر فاعجب بأعراض تبين ولا شخص غدا الفلك الدوار حلقة خاتم محيط بما فيه وأنت له فص وأقول من قصيدة: [من الطويل] .
غنيت عن التشبيه حسنًا وبهجة كما غنيت شمس السماء عن الحلي
[ ٢١٨ ]
عجبت لنفسي بعده كيف لم تمت وهجرانه دفني وفقدانه نعيي وللجسد الغض المنعم كيف لم تذبه يد خشناء [تقوى على] البري وغن للأوبة من البين الذي تشفق منه النفس لطول مسافته وتكاد تيأس من العودة فيه، لروعة تبلغ ما لا حد وراءه، وربما قتلت؛ وفي ذلك أقول: [من الخفيف] .
للتلاقي بعد الفراق سرور كسرور المفيق حانت وفاته فرحة تبهج النفوس وتحيي من دنا منه بالفراق مماته ربما قد تكون داهية المو ت وتودي بأهله هجماته كم رأينا من عب في الماء عطشا ن فزار الحمام وهو حياته وإني لأعلم من نأت دار محبوبه زمنًا ثم تيسرت له اوبة، فلم يكن إلا بقدر التسليم واستيفائه حتى دعته نوى ثانية، فكاد ان يهلك؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] .
أطلت زمان البعد حتى إذا انقضى زمان النوى بالقرب عدت إلى البعد فلم يك إلا كرة الطرف قربكم وعاودكم بعدي وعاودني وجدي كذا حائر في الليل ضاقت وجوهه رأى البرق في داج من الليل مسود فأخلفه منه رجاء دوامه وبعض الأراجي لا تفيد ولا تجدي وفي الأوبة بعد الفراق أقول قطعة منها: [من الطويل] .
لقد قرت العينان بالقرب منكم كما سخنت أيام يطويكم البعد فلله فيما مضى الصبر والرضى ولله فيما قد قضى الشكر والحمد خبر: ولقد نعي إلي بعض من كنت احب من بلدة نازحة، فقمت فارًا بنفسي نحو المقابر، وجعلت امشي بينها وأقول: [من الوافر] .
[ ٢١٩ ]
وددت بان ظهر الأرض بطن وأن البطن منها صار ظهرًا وأني مت قبل ورد خطب أتى فأثار في الأكباد جمرا وأن دمي لمن قد بان غسل وان ضلوع صدري كن قبرا ثم اتصل بعد حين تكذيب ذلك الخبر فقلت: [من السريع] .
بشرى أتت واليأس مستحكم والقلب في سبع طباق شداد كنت فؤادي خضرة بعدما كان فؤادي لابسا للحداد جلى سواد الغم عني كما يجلى بلون الشمس لون السواد هذا وما آمل وصلًا سوى صدق وفاء بقديم الوداد فالمزن قد يطلب لا للحيا لكن لظل بارد ذي امتداد ويقع في هذين الصنفين من البين الوداع، أعني رحيل المحب أو رحيل المحبوب.
وإنه لمن المناطر الهائلة والمواقف الصعبة التي تفتضح فيها عزيمة كل ماضي العزائم، وتذهب قوة كل ذي بصيرة، وتسكب كل عين جمود، ويظهر مكنون الجوى.
وهو فصل من فصول البين يجب التكلم فيه، كالعتاب في باب الهجر.
ولعمري لو أن ظريفًا يموت في ساعة الوداع لكان معذورًا إذا تفكر فيما يحل به بعد ساعة من انقطاع الآمال، وحلول الأوجال، وتبدل السرور بالحزن.
وإنها ساعة ترق القلوب القاسية، وتلين الأفئدة الغلاظ.
وإن حركة الرأس وإدمان النظر والزفرة بعد الوداع لهاتكة حجاب القلب، وموصلة إليه من الجزع بمقدار ما تفعل حركة الوجه في ضد هذا والإشارة بالعين والتبسم في مواطن الموافقة.
[ ٢٢٠ ]
والوداع ينقسم قسمين، أحدهما لا يتمكن فيه إلا بالنظر والإشارة والثاني يتمكن فيه بالعناق والملازمة، وربما لعله كان لا يمكن قبل ذلك البتة مع تجاوز المحال وإمكان التلاقي، ولهذا تمنى بعض الشعراء البين ومدحوا يوم النوى، وما ذاك بحسن ولا بصواب ولا بالأصيل من الرأي، فما يفي سرور ساعة بحزن ساعات، فكيف إذا كان البين أيامًا وشهورًا وربما أعوامًا وهذا سوء من النظر ومعوج من القياس، وإنما أثنيت على النوى في شعري تمنيًا لرجوع يومعا، فيكون في كل يوم لقاء ووداع، على أن تحتمل مضض هذا الاسم الكريه، وذلك عندما يمضي من الأيام التي لا التقاء فيها فحينئذ يرغب المحب من يوم الفراق لو أمكنه في كل يوم؛ وفي الصنف الأول من الوداع أقول شعرًا منه: [من البسيط] .
تنوب عن بهجة الأنوار بهجته كما تنوب عن النيران أنفاسي وفي الصنف الثاني من الوداع أقول شعرًا منه: [من البسيط] .
وجه تخر له الأنوار ساجدة والوجه تم فلم ينقص ولم يزد دفء وشمس الضحى بالجدي نازلة وبارد ناعم والشمس في الأسد ومنه: يوم الفراق لعمري لست أكرهه أصلا وإن شت شمل الروح عن جسدي ففيه عانقت من أهوى بلا جزع وكان من قبله إن سيل لم يجد أليس من عجب دمعي وعبرتها يوم الوصال ليوم البين ذو حسد
[ ٢٢١ ]
وهل هجس في الأفكار أو قام في الظنون أشنع وأوجع من هجر عتاب وقع بين محبين، ثم فجأتهما النوى قبل حلول الصلح وانحلال عقدة الهجران، فقاما إلى الوداع وقد نسي العتاب، وجاء ما طم عن القوى وأطار الكرى؛ وفيه أقول شعرًا منه: [من الطويل] .
وقد سقط العتب المقدم وامحى وجاءت جيوش البين تجري وتسرع وقد ذعر البين الصدود فراعه فولى فما يدرى له اليوم موضع كذئب خلا بالصيد حتى أظله هزبر له من جانب الغيل مطلع لئن سرني في طرده الهجر إنني لإبعاده عني الحبيب لموجع ولابد عند الموت من بعض راحة وفي غبها الموت الوحي المصرع وأعرف من أتى ليودع محبوبه يوم الفراق فوجده قد فات، فوقف على آثاره ساعة وتردد في الموضع الذي كان فيه ثم انصرف كئيبًا متغير اللون كاسف البال، فما كان بعد أيام قلائل حتى اعتل ومات، ﵀.
وإن للبين في إظهار السرائر المطوية عملًا عجبًا: ولقد رأيت من كان حبه مكتومًا وبما يجد فيه مستترًا حتى وقع حادث الفراق فباح المكنون وظهر الخفي.
وفي ذلك أقول قطعة منها: [من المتقارب] .
بذلت من الود ما كنت قبل منعت وأعطيتنيه جزافا وما لي به حاجة عند ذاك ولو جدت قبل بلغت الشغافا وما ينفع الطب عند الحمام وينفع قبل الردى من تلافى وأقول: [من الكامل] .
الآن إذ حل الفراق وجدت لي بخفي حب كنت تبدي بخله
[ ٢٢٢ ]
قد زدتني في حسرتي أضعافها ويحي فهلًا كان هذا قبله ولقد أذكرني هذا أني خطبت في بعض الأزمان مودة رجل من وزراء السلطان أيام جاهه فأظهر بعض الامتساك، فتركته حتى ذهبت أيامه وانقضت دولته، فأبدى لي من المودة والاخوة غير قليل، فقلت: [من الطويل] .
بذلت لي الأعراض والدهر مقبل وتبذل لي الإقبال والدهر معرض وتبسطني إذ ليس ينفع بسطكم فهلا أبحث البسط إذ كنت تقبض ٦ - ثم بين الموت وهو الفوت، وهو الذي لا يرجى له إياب، وهو المصيبة الحالة، وهو قاصمة الظهر وداهية الدهر، وهو الويل، وهو المغطي على ظلمة الليل، وهو قاطع كل رجاء وماحي كل طمع والمؤيس من اللقاء.
وهنا حارت الألسن، وانجذم حبل العلاج، فلا حيلة إلا الصبر طوعًا أو كرهًا.
وهو أجل ما يبتلى به المحبون، فما لمن دهي به إلا النوح والبكاء إلى أن يتلف أو يمل؛ فهو القرحة التي لا تنكا، والوجع الذي لا يفنى، وهو الغم الذي يتجدد على قدر بلاء من اغتمدته في الثرى وفيه أقول: [من مشطور المديد] كل بين واقع فمرجى لم يفت لا تعجل قنطًا لم يفت من لم يمت والذي قد مات فال يأس عنه قد ثبت وقد رأينا من عرض له هذا كثيرًا.
وعني أخبرك أني أحد من دهي بهذه الفادحة وتعجلت له هذه المصيبة، وذلك أني كنت أشد الناس كلفًا وأعظمهم حبًا بجارية لي،
[ ٢٢٣ ]
كانت فيما خلا اسمها نعم.
وكانت أمنية المتمني وغاية الحسن خلقًا وخلقًا وموافقة لي، وكنت أبا عذرها، وكنا قد تكافأنا المودة، ففجعتني بها الأقدار، واخترمتها الليالي ومر النهار، وصارت ثالثة التراب والاحجار، وسني حين وفاتها دون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن، فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها؛ وعلى ذلك فو الله ما سلوت حتى الآن، ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف، وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعا طائعًا، وما طاب لي عيش بعدها، ولا نسيت ذكرها، ولا أنست بسواها، ولقد عفى حبي لها على كل ما قبله، وحرم ما كان بعده؛ ومما قلت فيها: [من الطويل] .
مهذبة بيضاء كالشمس إن بدت وسائر ربات الحجال نجوم أطار هواها القلب عن مستقره فبعد وقوع ظل وهو يحوم ومن مراثي فيها قصيدة منها: [من الطويل] .
كأني لم آنس بألفاظك التي على عقد الألباب هن نوافث ولم أتحكم في الأماني كأنني لإفراط ما حكمت فيهن عابث ومنها: ويبدي إعراضًا وهن أوالف ويقسمن في هجري وهن حوانث وأقول أيضًا في قصيدة أخاطب فيها ابن عمي أبا المغيرة عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن حزم بن غالب، وأقرضه فأقول: [من الطويل] .
[ ٢٢٤ ]
قفا فاسألا الأطلال أين قطينها أمرت عليها بالبلى الملون على دارسات مقفرات عواطل كأن المغاني في الخفاء معاني واختلف الناس في أي الأمرين أشد: البين أم الهجر وكلاهما مرتقى صعب وموت أحمر وبلية سوداء وسنة شهباء، وكل يستبشع من هذين ما ضاد طبعه: فأما ذو النفس الأبية الأنوف، الحنانة الألوف الثابتة على العهد، فلا شيء يعدل عنده مصيبة البين، لأنه أتى قصدًا، وتعمدته النوائب عمدًا، فلا يجد شيئًا يسلي نفسه؛ ولا يصرف فكرته في معنى من المعاني إلا وجد باعثًا على صبابته ومحركًا لأشجانه، وعلة لألمه، وحجة لوجده وحاضًا على البكاء على إلفه.
وأما الهجر فهو داعية السلو ورائد الإقلاع.
وأما ذو النفس التواقة الكثيرة النزوع والتطلع القلوق العزوف فالهجر داؤه وجالب حتفه، والبين له مسلاة ومنساة.
وأما أنا فالموت عندي أسهل من الفراق، وما الهجر إلا جالب للكمد فقط، ويوشك إن دام أن يحدث إيغارًا، وفي ذلك أقول: [من المتقارب] .
وقالوا ارتحل فلعل السلو يكون وترغب أن ترغبه فقلت الردى لي قبل السلو ومن يشرب السم عن تجربه وأقول [المتقارب] سبى مهجتي هواه وأودت بها نواه كأن الغرام ضيف وروحي غدا قراه
[ ٢٢٥ ]
ولقد رأيت من يستعجل هجر محبوبه ويتعمده خوفًا من مرارة يوم البين وما يحدث به من لوعة الأسف عند التفرق، وهذا وإن لم يكن عندي من المذاهب المرضية، فهو حجة قاطعة على ان البين أصعب من الهجر، وكيف لا وفي الناس من يلوذ بالهجر خوفًا من البين.
ولم أجد أحدًا في الدنيا يلوذ بالبين خوفًا من الهجر، إنما يأخذ الناس أبدًا الأسهل ويتكلفون الأهون.
وإنما قلنا إنه ليس من المذاهب المحمودة لان أصحابه قد استعجلوا البلاء قبل نزوله، وتجرعوا غصة الصبر قبل وقتها، ولعل ما تخوفوه لا يكون، وليس من يتعجل المكروه - وهو على غير يقين مما يتعجل - بحكيم، وفيه أقول شعرًا منه: [من الخفيف] .
لبس الصب للصبابة بينا ليس من جانب الأحبة منا كغني يعيش عيش فقير خوف فقر وفقره قد أبنا وأذكر لابن عمي أبي المغيرة في هذا المعنى - من ان البين أصعب من الصد - أبياتًا من قصيدة خاطبني بها وهو ابن سبعة عشر عامًا أو نحوها، وهي: [من الكامل المجزوء] .
أجزعت أن أزف الرحيل وولهت ان نص الذميل كلا: مصابك فادح وأجل: فراقهم جليل كذب الألى زعموا بان الصد مرتعه وبيل لم يعرفوا كنه الغلي ل وقد تحملت الحمول أما الفراق فإنه للموت إن أهوى دليل ولي في هذا المعنى قصيدة مطولة أولها: [من الكامل] .
[ ٢٢٦ ]
لا مثل يومك ضحوة التنعيم في منظر حسن وفي تنعيم قد كان ذاك اليوم ندرة عاقر وصواب خاطئة وولد عقيم أيام برق الوصل ليس بخلب عندي ولا روض الهوى بهشيم من كل غانية تقول ثديها سيرى أمامك والإزار أقيمي ما بي تلك العيون وليس في برئي سواها في الورى بزعيم مثل الأفاعي ليس في شيء سوى أجسادها إبراء لدغ سليم والبين أبكى الشعراء على المعاهد فأدروا على الرسوم الدموع، وسقوا الديار ماء الشوق، وتذكروا ما قد سلف لهم فيها فأعولوا وانتحبوا، وأحيت الآثار دفين شوقهم فناحوا وبكوا.
ولقد أخبرني بعض الوراد من قرطبة - وقد استخبرته عنها - انه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد امحت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيرها البلى وصارت صحارى مجدبة بعد العمران، وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعابًا مفزعة بعد الأمن، ومأوى للذاب، ومعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش، بعد رجال كاليوث، وخرائد كالدمى، تفيض لديهم النعم الفاشي - تبدد شملهم فصاروا في البلاد أيادي سبا، فكأن تلك المحاريب المنمقة، والمقاصير المزينة، التي كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهموم
[ ٢٢٧ ]
حسن منظرها، حين شملها الخراب، وعمها الهدم، كأفواه السباع فاغرة، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك عواقب اهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائمًا فيها، وتزهد في طلبها بعد أن طالما زهدت في تركها، وتذكرت أيامي بها ولذاتي وشهور صباي لديها، مع كواعب إلى مثلهن صبا الحليم، ومثلت لنفسي كونهن تحت الثرى وفي الآفاق النائية والنواحي البعيدة، وقد فرقتهن يد الجلاء، ومزقتهن أكف النوى، وخيل إلى بصري فناء تلك النصبة بعدما علمته من حسنها وغضارتها والمراتب المحكمة التي نشأت فيها لديها، وخلاء تلك الأفنية بعد تضايقها باهلها، وأوهمت سمعي صوت الصدى والهام عليها، بعد حركة تلك الجماعات التي ربيت بينهم فيها، وكان ليلها تبعا لنهارها في انتشار ساكنها والتقاء عمارها، فعاد نهارها تبعًا لليلها في الهدوء والاستيحاش، فأبكى عيني وأوجع قلبي وقرع صفاة كبدي وزاد في بلاء لبي، فقلت شعرًا منه: [من الطويل] .
لئن كان أظمانا فقد طالما سقى وإن ساءنا فيها فقد طالما سرا والبين يولد الحنين والاهتياج والتذكر، وفي ذلك أقول: [من البسيط] .
[ ٢٢٨ ]
ليت الغراب يعيد اليوم لي فعسى يبين بينهم عني فقد وقفا أقول والليل قد أرخى أجلته وقد تألى بألا ينقضي فوفى والنجم قد حار في أفق السماء فما يمضي ولا هو للتغوير منصرفا تخاله مخطئًا أو خائفًا وجلا أو راقبًا موعدًا أو عاشقًا دنفا
[ ٢٢٩ ]