ولابد للمحب، إذا حرم الوصل، من القنوع بما يجد، وغن في ذلك لمتعللًا للنفس، وشغلًا للرجاء، وتجديدًا للمنى، وبعض الراحة.
وهو مراتب على قدر الإصابة والتمكن ١ - فأولها الزيارة، وإنها لأمل من الآمال ومن سري ما يسنح في الدهر، مع ما تبدي من الخفر والحياء، لما يعلمه كل واحد منهما مما في نفس صاحبه؛ وهي على وجهين: أحدهما أن يزور المحب محبوبه.
وهذا الوجه واسع؛ والوجه الثاني ان يزور المحبوب محبه، ولكن لا سبيل إلى غير النظر والحديث الظاهر؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] فإن تنا بالوصال فإنني سأرضى بلحظ العين إن لم يكن وصل فحسبي أن ألقاك في اليوم مرة وما كنت أرضى ضعف ذا منك لي قبل كذا همة الوالي تكون رفيعة ويرضى خلاص النفس إن وقع العزل وأما رجع السلام والمخاطبة فأمل من الآمال: وإن كنت أنا أقول
[ ٢٣٠ ]
في قصيدة لي: [من الطويل] .
فها أنا ذا أخفي وأقنع راضيًا برجع سلام إن تيسر في الحين فإنما هذا لمن ينتقل من مرتبة إلى ما هو أدنى منها.
وإنما تتفاضل المخلوقات في جميع الأوصاف على قدر إضافتها إلى ما هو فوقها أو دونها.
وأني لأعلم من كان يقول لمحبوبه: عدني واكذب، قنوعًا بان يسلي نفسه في وعده وغن كان غير صادق؛ فقلت في ذلك: [من الكامل] .
إن كان وصلك ليس فيه مطمع والقرب ممنوع فعدني واكذب فعسى التعلل بالتقائك ممسك لحياة قلب بالصدود معذب فلقد يسلي المجدبين إذا رأوا في الأفق يلمع صوء برق خلب ومما يدخل في هذا الباب شيء رأيته ورآه غيري معي: أن رجلًا من إخواني جرحه من كان يحبه بمدية، فلقد رأيته وهو يقبل مكان الجرح ويندبه مرة بعد مرة، فقلت في ذلك: [من المتقارب] .
يقولون شجك من همت فيه فقلت لعمري ما شجني ولكن أحس دمي قربه فطار إليه ولم ينثن فيا قاتلي ظالما محسنًا فديتك من ظالم محسن ٢ - ومن القنوع ان يسر الإنسان ويرضى ببعض آلات محبوبه، وإن له من النفس لموقعًا حسنًا وإن لم يكن فيه إلا ما نص الله تعالى علينا، من ارتداد يعقوب بصيرًا حين شم قميص يوسف ﵉.
وفي ذلك أقول: [من السريع] .
لما منعت القرب من سيدي ولج في هجري ولم ينصف صرت بإبصاري أثوابه أو بعض ما قد مسه أكتفي
[ ٢٣١ ]
كذاك يعقوب نبي الهدى إذ شفه الحزن على يوسف شم قميصًا جاء من عنده وكان مكفوفًا فمنه شفي وما رأيت قط متعاشقين إلا وهما يتهاديان خصل الشعر مبخرة بالعنبر مرشوشة بماء الورد وقد جمعت في أصلها بالمصطكي وبالشمع الأبيض المصفى، ولفت في تطاريف الوشي والخز وما أشبه ذلك، لتكون تذكرة عند البين.
وأما تهادي المساويك بعد مضغها، والمصطكي إثر استعمالها، فكثير بين كل متحابين قد حظر عليهما اللقاء؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] .
أرى ريقها ماء الحياة تيقنًا على أنها لم تبق لي في الهوى حشا خبر: وأخبرني بعض إخواني عن سليمان بن أحمد الشاعر أنه رأى ابن سهل الحاجب بجزيرة صقلية، وذكر أنه كان غاية في الجمال، فشاهده يومًا في بعض المتنزهات ماشيًا وامرأة خلفه تنظر إليه، فلما بعد أتت إلى المكان الذي قد أثر فيه مشيه فجعلت تقبله وتلثم الأرض التي فيها أثر رجله؛ وفي ذلك أقول قطعة أولها: [من الطويل] .
يلومنني في موطئ خفه خطا ولو علموا عاد الذي لام يحسد فيا أهل أرض لا يجود سحابها خذوا بوصاتي تستقلوا وتحمدوا خذوا من تراب فيه موضع وطئه وأضمن ان المحل عنكم يبعد فكل تراب واقع فيه رجله فذاك صعيد ليس يجحد
[ ٢٣٢ ]
كذلك فعل السامري وقد بدا لعينيه من جبريل إثر ممجد فصير جوف العجل من ذلك الثرى فقام له منه خوار ممدد وأقول: [من الطويل] .
لقد بوركت ارض بها أنت قاطن وبورك من فيها وحل بها السعد فأحجارها در وسعدانها ورد وأمواهها شهد وتربتها ند ٣ - ومن القنوع الرضى بمزار اللطيف وتسليم الخيال، وهذا إنما يحدث عن ذكر لا يفارق، وعهد لا يحول، وفكر لا ينقضي، فإذا نامت العيون وهدأت الحركات سرى الطيف؛ وفي ذلك أقول: [من البسيط] .
زار الخيال فتى طالت صبابته على احتفاظ من الحراس والحفظه فبت في ليلتي جذلان مبتهجًا ولذة الطيف تنسي لذة اليقظه وأقول: [من الطويل] .
أتى طيف نعم مضجعي بعد هدأة ولليل سلطان وظل ممدد وعهدي بها تحت التراب مقيمة وجاءت كما قد كنت من قبل اعهد فعدنا كما كنا وعاد زماننا كما قد عهدنا قبل والعود أحمد وللشعراء في علة مزار الطيف أقاويل بديعة بعيدة المرمى مخترعة، كل سبق إلى معنى من المعاني، فأبو إسحاق ابن سيار النظام راس المعتزلة جعل علة مزار الطيف خوف الأرواح من الرقيب المرقب على لقاء الأبدان، وأبو تمام حبيب بن أوس الطائي جعل علته أن
[ ٢٣٣ ]
نكاح الطيف لا يفسد الحب ونكاح الحقيقة يفسده والبحتري جعل علة إقباله استضاءته بنار وجده، وعلة زواله خوف الغرق في دموعه.
وأنا أقول من غير أن أمثل شعري بأشعارهم - فلهم فضل التقدم والسابقة، إنما نحن لاقطون وهم الحاصدون، ولكن اقتداء بهم، وجريًا في ميدانهم، وتتبعًا لطريقتهم التي نهجوا وأوضحوا - أبياتًا بينت فيها مزار الطيف مقطعة: [من الوافر] .
أغار عليك من إدراك طرفي وأشفق أن يذيبك لمس كفي فأمتنع اللقاء حذار هذا واعتمد التلاقي حين أغفي فروحي إن لنم، بك ذو انفراد من الأعضاء مستتر ومخفي ووصل الروح ألطف فيك وقعًا من الجسم المواصل ألف ضعف وحال المزور في المنام ينقسم أقسامًا أربعة: ١ - أحدها محب مهجور قد تطاول غمه، ثم رأى في هجعته ان حبيبه وصله فسر بذلك وابتهج، ثم استيقظ فأسف وتلهف، حيث علم أن ما كان فيه أماني النفس وحديثها؛ وفي ذلك أقول: [من الخفيف] .
أنت في مشرق النهار بخيل وإذا الليل جن كنت كريما تجعل الشمس منك لي عوضًا هيهات ماذا الفعال منك قويما زارني طيفك البعيد فيأتي واصلًا لي وعائدًا ونديما
[ ٢٣٤ ]
غير أني منعتني من تمام ال عيش لكن أبحث لي التشميما
فكأني من أهل الأعراف لا الفر دوس داري ولا أخاف الجحيما
٢ - والثاني محب مواصل مشفق من تغير يقع، قد رأى في وسنه أن حبيبه يهجره فاهتم لذلك همًا شديدًا، ثم هب من نومه فعلم أن ذلك باطل وبعض وساوس الإشفاق.
٣ - والثالث محب داني الديار يرى أن التنائي قد فدحه، فيكترث ويوجل ثم ينتبه فيذهب ما به ويعود فرحًا؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] .
رأيتك في نومي كأنك راحل وقمنا إلى التوديع والدمع هامل وزال الكرى عني وأنت معانقي وغمي إذا عاينت ذلك زائل فجددت تعنيقًا وضمًا كأنني عليك من البين المفرق واجل ٤ - والرابع محب نائي المزار، يرى أن المزار قد دنا، والمنازل قد تصاقبت، فيرتاح ويأنس إلى فقد الأسى، ثم يقوم من سنته فيرى أن ذلك غير صحيح، فيعود إلى أشد ما كان فيه من الغم.
وقد جعلت في بعض قولي علة النوم الطمع في طيف الخيال، فقلت: [من البسيط] .
طاف الخيال على مستهتر كلف لولا ارتقاب مزار الطيف لم ينم
لا تعجبوا إذ سرى والليل معتكر فنوره مذهب في الأرض للظلم
٤ - ومن القنوع ان يقنع المحب بالنظر إلى الجدران ورؤية الحيطان التي تحتوي على من يحب، وقد رأينا من هذه صفته.
ولقد
[ ٢٣٥ ]
حدثني أبو الوليد أحمد بن محمد بن اسحاق الخازن ﵀ من رجل جليل، أنه حدث عن نفسه بمثل هذا:
٥ - ومن القنوع أن يرتاع المحب، إلى أن يرى من رأى محبوبه ويأنس به ومن أتى من بلاده، وهذا كثير؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] .
توحش من سكانه فكأنهم مساكن عاد أعقبته ثمود
ومما يدخل في هذا الباب أبيات لي، موجبها أني تنزهت أنا وجماعة من إخواني من أهل الأدب والشرف إلى بستان لرجل من أصحابنا، فجلنا ساعة ثم أفضى بنا القعود إلى مكان دونه يتمى، فتمددنا في رياض أريضة، وأرض عريضة، للبصر فيها منفسح، وللنفس لديها منسرح، بين جداول تطرد كأباريق اللجين، وأطيار تغرد بألحان تزري بما أبدعه معبد والغريض، وثمار مهدلة قد ذللت للأيدي ودنت للمتناول، وظلال مظلة تلاحظنا الشمس من بينها فتتصور بين أيدينا كرقاع الشطرنج والثياب المدبجة، وماء عذب يوجدك حقيقة طعم الحياة، وانهار متدفقة تنساب كبطون الحيات لها خرير يقوم ويهدأ، ونواوير مؤنقة مختلفة الألوان تصفقها الرياح الطيبة النسيم، وهواء سجسج، وأخلاق جلاس تفوق كل هذا، في يوم ربيعي ذي شمس ظليلة، تارة يغطيها الغيم الرقيق والمزن اللطيف، وتارة تتجلى فهي كالعذراء الخفرة الخجلة تتراءى لعاشقها من بين الأستار ثم تغيب فيها حذر عين مراقبة.
وكان بعضنا مطرقا كأنه يحادث الثرى، وذلك لسر
[ ٢٣٦ ]
كان له، فعرض لي بذلك، وتداعبنا حينا فكلفت أن أقول على لسانه شيئًا في ذلك، فقلت بديهة، وما كتبوها إلا من تذكرها بعد انصرافنا، وعي: [من الطويل] .
ولما تروحنا بأكناف روضة مهدلة الأفنان في تربها الندي
وقد ضحكت أنوارها وتضوعت أساورها في ظل فيء ممدد
وأبدت لنا الأطيار حسن صريفها فمن بين شاك شجوه ومغرد
وللماء فيما بيننا متصرف وللعين مرتاد هناك ولليد
وما شئت من اخلقا أروع ماجد كريم السجايا للفخار مشيد
تنغص عندي كل ما قد وصفته ولم يهنني إذ غاب عني سيدي
فيا ليتني في السجن وهو معانقي وأنتم معًا في قصر دار المجدد
فمن رام منا أن يبدل حاله بحال أخيه أو بملك مخلد
فلا عاش إلا في شقاء ونكبة ولا زال في بؤسى وخزي مردد
فقال هو ومن حضر: آمين آمين.
وهذه الوجوه التي عددت وأوردت في حقائق القناعة هي الموجودة في أهل المودة، بلا تزيد ولا إعياء.
٦ - وللشعراء فن من القنوع أرادوا فيه إظهار غرضهم وإبانة اقتدارهم على المعاني الغامضة والمرامي البعيدة، وكل قال على قدر قوة طبعه، إلا أنه تحكم باللسان وتشدق في الكلام واستطالة بالبيان، وهو غير صحيح في الأصل: فمنهم من قنع بأن السماء تظله هو ٤٦٤) .
[ ٢٣٧ ]
ومحبوبه والأرض تقلهما، ومنهم من قنع باستوائهما في إحاطة الليل والنهار بهما، وأشباه هذا، وكل مبادر إلى احتواء الغاية في الاستقصاء، وإحراز قصب السبق في التدقيق، ولي في هذا المعنى قول لا يمكن لمتعقب أن يجد بعده متناولا، ولا وراءه مكانًا، مع تبيني علة قرب المسافة البعيدة، وهو: [من الطويل] .
قالوا بعيد قلت حسبي بأنه معي في زمان لا يطيق محيدا
تمر علي الشمس مثل مرورها به كل يوم يستنير جديدا
فمن ليس بيني في المسير وبينه سوى قطع يوم هل يكون بعيدا
وعلم إله الخلق يجمعنا معًا كفى ذا التداني ما أريد مزيدا
فبينت كما ترى أني قانع بالاجتماع مع من احب في علم الله الذي السموات والأفلاك والعوالم كلها وجميع الموجودات بسبب منه ولا تجزؤ فيه ولا يشذ عنه شيء، ثم اقتصرت من علم الله تعالى على انه في زمان؛ وهذا اعلم مما قاله غيري في إحاطة الليل والنهار، وإن كان الظاهر واحدًا في البادئ إلى السامع، لان كل المخلوقات واقعة
[ ٢٣٨ ]
تحت الزمان، وإنما الزمان اسم موضوع لمرور الساعات وقطع الفلك وحركاته وأجرامه، والليل والنهار متوالدان عن طلوع الشمس وغروبها، وهما متناهيان في بعض العالم الأعلى، وليس هكذا الزمان، فإنهما بعض الزمان.
وإن كان لبعض الفلاسفة قول: إن الظل متماد، فهذا يخطئه العيان، وعلل الرد عليه بينة ليس هذا موضعها، ثم بينت انه وإن كان في أقصى المعمور من الشرق وأنا في أقصى المعمور من الغرب، وهذا طوال السكنى، فليس بيني إلا مسافة يوم؛ إذ الشمس تبدو في أول النهار في أول المشارق وتغرب في آخر النهار في آخر المغارب.
٧ - ومن القنوع فصل أورده وأستعيذ بالله منه ومن أهله، وأحمده على ما عرف نفوسنا من منافرته، وهو ان يضل العقل جملة، وتفسد القريحة، ويتلف التمييز ويهون الصعب، وتذهب الغيرة، وتعدم الانفة، فيرضى الإنسان بالمشاركة فيمن يحب، وقد عرض هذا لقوم، أعاذنا الله من البلاء.
وهذا لا يصح إلا مع كلبية في الطبع، وسقوط من العقل - الذي هو عيار على ما تحته - وضعف حس.
ويؤيد هذا كله حب شديد معم.
فإذا اجتمعت هذه الأشياء وتلاحقت بمزاج الطبائع ودخول بعضها في بعض نتج بينهما هذا الطبع الخسيس، وتولدت هذه الصفة الرذلة، وقام منها هذا الفعل المقذور القبيح.
وأما رجل معه أقل همة وأيسر مروءة فهذا منه أبعد من الثريا، ولو مات وجدًا وتقطع حبًا، وفي ذلك أقول زاريًا على بعض المسامحين في هذا الفصل: [من الطويل] .
رأيتك رحب الصدر ترضى بما أتى وأفضل شيء ان تلين وتسمحا فحظك من بعض السواني مفضل على أن يحوز الملك من أصلها الرحى وعضو بعير في الوزن ضعف ما تقدره في الجدي فاعص الذي لحا ولعب الذي تهوى بسيفين معجب فكن ناحيًا في نحوه كيفما نحا
[ ٢٣٩ ]