واعلم أعزك الله إن للحب حكمًا على النفوس، ماضيًا، وسلطانًا قاضيًا، وأمرًا لا يخالف، وحدًا لا يعصى، وملكًا لا يتعدى، وطاعة لا تصرف، ونفاذًا لا يرد، وأنه ينقض المرر، ويحل المبرم، ويحلل الجامد، ويخل الثابت، ويحل الشغاف، ويحل الممنوع.
ولقد شاهدت كثيرًا من الناس لا يهتمون في تمييزهم، ولا يخاف عليهم سقوط في معرفتهم، ولا اختلال بحسن اختيارهم، ولا تقصير في حدسهم، قد وصفوا أحبابًا لهم في بعض صفاتهم بما ليس بمستحسن عند الناس ولا يرضى في الجمال، فصارت هجيراهم، وعرضة لأهوائهم، ومنتهى استحسانهم، ثم مضى أولئك إما بسلو أو بين أو هجر أو بعض عوارض الحب، وما فارقهم استحسان تلك الصفات ولا بان عنهم تفضيلها على ما هو أفضل منها في الخليقة، ولا مالوا إلى سواها؛ بل صارت تلك الصفات المستجادة عند الناس مهجورة عندهم وساقطة لديهم إلى أن فارقوا الدنيا وانقضت
[ ١٢٩ ]
اعمارهم، حنينًا منهم إلى من فقدوه، وألفه لمن صحبوه.
وما أقول إن ذلك كان تصنعًا لكن طبعًا حقيقيًا واختيارًا لا يدخل فيه، ولا يرون سواه، ولا يقولون في طي عقدهم بغيره.
وإني لأعرف من كان في جيد حبيبه بعض الوقص فما استحسن أغيد ولا غيداء بعد ذلك؛ وأعرف من كان أول علاقته بجارية مائلة إلى القصر فما أحب طويلة بعد هذا؛ وأعرف أيضًا من هوي جارية في فمها فوه لطيف فلقد كان يتقذر كل فم صغير ويذمه ويكرهه الكراهية الصحيحة.
وما أصف عن منقوصي الحظوظ في العلم والأدب لكن عن أوفر الناس قسطًا في الادراك، وأحقهم باسم الفهم والدراية.
وعني أخبرك أني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسن من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه، وإني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت، لا تواتيني نفسي على سواه ولا تحب غيره البتة، وهذا العارض بعينه عرض لأبي ﵁ وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه أجله.
وأما جماعة خلفاء بني مروان - ﵏ - ولا سيما ولد الناصر منهم، فكلهم مجبولون على تفضيل الشقرة، لا يختلف في ذلك منهم مختلف، وقد رأيناهم ورأينا من رآهم من لدن دولة
[ ١٣٠ ]
الناصر إلى الآن فما منهم إلا أشقر، نزاعًا إلى أمهاتهم، حتى قد صار ذلك فيهم خلقة، حاشا سليمان الظافر ﵀، فإني رأيته أسود اللمة واللحية.
وأما الناصر والحكم المستنصر ﵄ فحدثني الوزير أبي ﵀ وغيره انهما كانا أشقرين أشهلين، وكذلك هشام المؤيد ومحمد المهدي وعبد الرحمن المرتضى ﵏، فإني قد رأيتهم مرارًا ودخلت عليهم فرأيتهم شقرًا شهلًا، وهكذا أولادهم وإخوتهم وجميع أقاربهم، فلا أدري أذلك استحسان مركب في جميعهم أم لرواية كانت عند أسلافهم في ذلك فجروا عليها.
وهذا ظاهر في شعر عبد الملك بن مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن أمير المؤمنين الناصر وهو المعروف بالطليق، وكان أشعر أهل الأندلس في زمانهم وأكثر تغزله بالشقر، وقد رأيته وجالسته.
[ ١٣١ ]
وليس من العجب فيمن أحب قبيحًا ثم لم يصحبه ذلك في سواه فقد وقع من ذلك، ولا في من طبع مذ كان على تفضيل الأدنى، ولكن في من كان ينظر بعين الحقيقة ثم غلب عليه هوى عارض بعد طول بقائه في الجمام فأحاله عما عهدته نفسه حوالة صارت له طبعًا، وذهب طبعه الأول وهو يعرف فضل ما كان عليه أولًا، فإذا رجع إلى نفسه وجدها تأبى إلا الأدنى، فأعجب لهذا التغلب الشديد والتسلط العظيم.
وهو أصدق في المحبة حقًا ممن يتحلى بشيم قوم ليس منهم، ويدعي غريزة لا تقبله، فيزعم أنه يتخير من يحب.
أما لو شغل المحب بصيرته، وأطاح فكرته، وأجحف بتمييزه، لحال بينه وبين التخير والارتياد.
وفي ذلك أقول شعرًا منه: [من البسيط] منهم فتى كان في محبوبه وقص كأنما الغيد في عينيه جنان وكان منبسطًا في فضل خبرته بحجة حقها في القول تبيان إن المها وبها الأمثال سائرة لا ينكر الحسن فيها الدهر إنسان وقص فليس بها عنقاء واحدة وهل تزان بطول الجيد بعران وآخر كان في محبوبه فوه يقول حسبي في الأفواه غزلان وثالث كان في محبوبه قصر يقول إن ذوات الطول غيلان وأقول أيضًا: [من الطويل] يعيبونها عندي بشقرة شعرها فقلت لهم هذا الذي زانها عندي يعيبون لون النور والتبر ضلة لرأي جهول في الغواية ممتد وهل عاب لون النرجس الغض عائب ولون النجوم الزاهرات على البعد وأبعد خلق الله من كل حكمة مفضل جرم فاحم اللون مسود
[ ١٣٢ ]
به وصفت ألوان أهل جهنم ولبسة باك مثكل الأهل محتد ومذ لاحت الرابات سودًا تيقنت نفوس الورى أن لا سبيل إلى الرشد
[ ١٣٣ ]