روى ابن سعد في "الطبقات" وأبو نعيم، والبيهقي في "الدلائل" عن أبي مصعب المكي قال: أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة يتحدثون: أن النبي ﷺ ليلة الغار أمر الله بشجرة، فنبتت في وجه النبي ﷺ، وأمر الله العنكبوت فنسجت في وجه النبي ﷺ فسرته، وأمر حمامتين وحشيتين، فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم، وهراواتهم، وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبي ﷺ بقدر أربعين ذراعا، جعل رجل منهم ينظر في الغار، فرأى حمامتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت حمامتين بفم الغار، فعلمت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبي ﷺ ما قال: فعرف أن الله قد درأ بهما عنه، فدعاهن النبي ﷺ، وشمت عليهن، وفرض جزأهن، وانحدرن في الحرم، فأفرج ذلك الزوج كل شيء في الحرم.
وإلى ذلك أشار صاحب البردة بقوله:
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم
وروى ابن وهب: أن حمام مكة أظلت النبي ﷺ يوم فتحها فدعا لها بالبركة وذكر الثعلبي عن وهب بن منبه في قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) .
قال: اختار من النعم: الضأن، ومن الطير: الحمام.
وفي "تفسير الثعلبي" وغيره عن سليمان بن داود ﵉: أن الحمام يقول: "سبحان ربي الأعلى".
[ ٤ ]
والفاختة تقول: " ليت هذا الخلق ما خلقوا".
والصرد يقول: "استغفروا الله يا مذنبون".
وطيطوى تقول: "كل حي ميت، وكل جديد بال".
والخطافة تقول: " قدموا الخير تجدوه".
والسرطان يقول: "سبحان ربي المذكور بكل لسان".
والدراج يقول: " الرحمن على العرش استوى".
وإذا صاحت العقاب قالت: "البعد من الناس راحة" وإذا صاح الخطاف: "قرأ الفاتحة إلى آخرها" ويمد صوته بقوله: و(لا الضالين) كما يمدها القارئ! وأخرج أبو الشيخ بن حيان في كتاب "العظمة" عن عمرو بن قيس الملائي قال: مر سليمان بن داود ﵉ على حمام يهدر على أنثاه، فقال لأصحابه: تدرون ما يقول هذا الحمام لأنثاه؟ قالوا: لا، يا نبي الله.
قال: يقول لأنثاه: تابعيني على ما أريد منك؛ فو الله لمتابعتك أحب إلي من ملك سليمان!