في سنة سبع وستين وخمسمائة اتخذ السلطان نور الدين الشهيد الحمام الهوادي؛ وذلك لامتداد مملكته واتساعها؛ فإنها في حد النوبة إلى همذان. فلذلك اتخذ في كل قلعة وحصن الحمام التي ترسل الرسائل إلى الآفاق، في أسرع مدة، وأيسر عدة.
وما أحسن ما قال فيهن القاضي الفاضل: "الحمام هو ملائكة الملوك"
[ ٦ ]
وقد أطنب في ذلك عماد الكاتب، وأطرب، وأعجب، وأغرب! وفي سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، اعتنى الخليفة الناصر لدين الله بحمام البطاقة، اعتناء زائدا، حتى صار يكتب بأنساب الطير المحاضر: إنه من ولد الطير الفلاني.
وقيل: إنه بيع بألف دينار.
وقد ألف القاضي محيي بن عبد الظاهر في أمور هذه الحمام كتابا سماه: "تمائم الحمام".
وذكر فيه فصلا فيما ينبغي أن يفعله "المطبق" وما جرت به العادة في ذلك فقال: إن الجاري به العادة أنها لا تحمل البطاقة إلا في جناحيها لأمور: منها حفظها من المطر، ولقوة الجناح.
والواجب أنه إذا بطق من مصر، لا يطلق إلا من أمكنة معلومة: فإذا سرح إلى الإسكندرية، فلا تسرح إلا من منية عقبة بالجيزة.
وإلى الشرقية: فمن مسجد التين ظاهر القرافة.
والى دمياط: فمن بسوس.
والذي استقرت عليه قواعد الملك أن طائر البطاقة لا يلهو الملك عنه، ولا يغفل، ولا يمهل لحظة واحدة فيفوت مهمات لا تستدرك، إما من واصل، وإما من هالب، وإما من متجدد في الثغور.
ولا يقطع البطاقة من الحمام إلا السلطان بيده من غير واسطة أحد، فإن كان يأكل لا يمهل حتى يفرغ، أو نائما لا يمهل حتى يستيقظ بل ينبه.
قال: وينبغي أن يكتب "البطاق" البطاقة في ورق الطير. المعروف بذلك.
قال: ورأيت الأوائل يكتبون في أولها: البسملة، وأنا ما كتبها إلا ببسملة ويؤرخ بالساعة، واليوم، لا بالسنة.
ومن فصل في وصفها لتاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير: طالما جازت الرياح، فأصبحت باخعة وراءها تبكي عليها السحب وصدق من سماها "أنبياء الطير" لأنها مرسلة بالكتب.
وفيها يقول أبو محمد بن علوي بن أبي عقبال القيرواني:
خضر تفوق الريح في طيرانها يابعد بين غدوها ورواحها
تأتي بأخبار الغدو عشية لمسير شهر تحت ريش جناحها
وكأنما الروح الأمين بوحيه نفث الهداية منه في أرواحها
وقال غيره:
فحبذا الطائر الميمون يطرقنا في الأمر بالطائر الميمون تنبيها
فاقت على الهدد المذكور إذ حملت كتب الملوك وصانتها أعاليها
تأتي بكل كتاب نحو صاحبه تصون نظرته صونا وتحفيها
فما تمكن غير الشمس تنظره ولا تجوز أن تلقيه من فيها
منسوبة لرسالات الملوك فيا لمنسوبة تسمو ويدعوها مسميها
أكرم بجيش سعيد يا سعادته مما يشكل فيها ذكر حاكيها
حمامتا الغار يوم الغار حرمته فيا لها وقفة عزت مساعيها
وقوفه عند ذاك الباب شرفه وللسعادة أوقات تواتيها
ويوم فتح رسول الله مكة عن د الدخول إليها من بواديها
صنعت تظلل من شمس كتيبة الخضراء مظهرة فيه تواليها
تظللت فما كانت تود هوى لو قابلتها بأشواق فتنعيها
فعندما حظيت بالقرب آمنها فشرفت بعطايا جل مهديها
فما يحل لذي حيلة تناولها ولا ينال المنى بالنار مصليها
ولا تطير بأوراق الفريخ ولا تسير عنها بما فيه أساميها
سمت بملك المعالي غر ذي دنس لا ترضينهم ولو جزت نواصيها
وانظر لها كيف تأتي للخلائف من آل الرسول لحب كامل فيها
من المقام إلى دار السلام ولم يمض النهار لغرم في دواعيها
وربما ضل نحو الهند ملتقطا حبات فلفلة وارتد مبطيها
فجاء في يومه في إثر سابقة حفظا لحق يد طابت أياديها
مناقب لرسول الله أيسرها لنا نبوته الغراء يكفيها
ومن إنشاء القاضي الفاضل في وصفها: سرحت لا تزال أجنحتها تحمل من البطائق أجنحة، وتجهز جيوش المقاصد والأقلام أسلحة، وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر، وتطوى الأرض إذا نشرت الجناح الطائر، وتزوي لها الأرض حتى ترى ما سيبلغه ملك هذه الأمة، وتقرب منها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همة.
وتكون مراكب الأغراض والأجنحة قلوعا، وتركب الجو بحرا تصطفق فيه هبوب الرياح موجا مرفوعا، وتعلق الحاجات على أعجازها، ولا تصرف الإرادات عن إنجازها.
ومن بلاغات البطائق استفادت ما هي مشهورة من السجع، ومن رياض كتبها ألفت الرياض، فهي إليها دائمة الرجع.
[ ٧ ]
وقد سكنت النجوم فهي أنجم، وأعدت في كنانتها فهي للحاجات كالأسهم، وكادت تكون ملائكة؛ لأنها رسل. وإذا نيطت بها الرقاع صارت أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وقد باعد الله بين أسفارها، وقربها، وجعلها طيف خيال اليقظة الذي صدق العين وما كذبها.
وقد أخذت عهود أداء الأمانة في رقابها أطواقًا، وأدتها من أذنابها أوراقًا. وصارت خوافي من وراء الخوافي، وعقلت سرها المودع بكتمان وسحبت عليه ذيول ريشها الصوافي، ترغم أنف النوى بتقريب العهود، وتكاد العيون بملاحظتها تلاحظ أنجم السعود.
وهي للطير أنبياء ما تأتي من الأنباء، وله خطباء لأنها تقوم على منابر الأغصان مقام الخطباء.
وقال في وصفها ذو البلاغتين: السيد أبو القاسم شيخ القاضي الفاضل: وأما "الحمام الرسائلي"، فهي من آيات الله المستنطقة الألسن بالتسبيح، العاجز عن وصفها إعجاز البليغ الفصيح، فيما تحمله من البطائق وترد به مسرعة من الأخبار الواضحة الحقائق، وتعاليه في الجو محلقا عند مطاره، وتهديه على الطريقة التي علمها ليأمن من إدراك فوت الإدراك وأخطاره، ونظره إلى المقصد الذي يسرح إليه من علي، ووصوله في أقرب الساعات بما يصل به البريد في أبعد الأيام من الخبر الجلي.
ومجيئه معادلا كرؤوس السفار لعله مسامتًا وإيثاره بالمتجددات فكأنه ناطق وإن كان صامتًا. وكونه يمضي محمولا على ظهر المركوب، ويرجع حاملا على ظهره المكتوب.
ولا يعرج على تذكار الهديل، ولا تكرار الهدير، ولا يسام من الدواب في الخدمة زائدًا على التقدير. وفي تقدمه بالبشائر، يكون المعنى بقولهم: " أيمن طائر"، ولا غرو أن فارق رسل أهل الأرض وفاقهم وهو مرسل والعنان عنانه، والجو ميدانه، والجناح مركبه، والرياح موكبه، وابتداء الغاية شوطه، والشوق إلى أهله سوطه، مع أمنه ما يحدث متاعب السفار ومخبآت القفار، من مخاوف الطوارق، وطوارق المخاوف ومتألف الغوائل، وغوائل المتألف، إلا ما يشذ من اعتراض خراج جارح، وانقضاض كاسب كاسر، فتكفيه سعادة الدولة تأمينه، وتصد عنه تصميمه، لأنه أحد جيشيها من الطير اللذين يحدثان في أعدائها: هذا بالإنذار العاجل كيدهم في تضليل، وذاك بما ترى رايتها المنصورة عليهم من تضليل.