وأما الحمام الرسائلي: فكم أغنت المرء عن وجوب القفار، وكم قدت جنونها على أسرى أسرار! وكم أصارت السهام أجنحة فأحسنت بتلك العارية المطار.
وكم قال جناحها لطالب النجاح لا جناح، وكم سرت فحمدت المسار إذا حمد غيرها من السارين الصباح.
وكم ساء وقت الصباح والجنائب، ففارقتها ولم تحوج سلامة المشتاقين إلى متكأ كاهل الرياح.
كم مسبب ملك كلا منها ملك، وكم قال مسرحها لمجيئه بها قرة عين لي ولك.
كم أجملت في الهواء تقلبًا، وإذا تغنت الحمائم على الغصون صمتت عن الهديل والهدير تأدبًا.
كم دفعت شكا بيقينها، ورفعت شكوى بتبيينها، وكم أدت أمانة ولم تعلم أجنحتها ما في شمالها، ولا شمالها ما في يمينها.
وكم التقت منها الساق بالساق، فأحسنت لربها المساق، وكم أخذت عهود الأمانة فبدت أطواقا في الأعناق، ويقال: "ما تضمنته من البطائق بعض ما تعلق بها في الرياض من الأوراق". تسبق اللمح، وكم استفتح بها البشير إذا جاء بالفتح الطرف السابق، والطرف الرامس الرامق. وما تليت "سورة البروج" إلا وتلت " سورة الطارق" كم أنسى مطارها عدو السلكة والسليك، وكم غنيت في خدمة سلطانها عن الغناء، وقال كل منهم لرفيقه إليك عن الأيك، وقال كل منهما لرفيقه: ما أحوج تصديقهما في رسالتهما إلى الإعزاز بثالث، وكم قيل في كل منهما لمن قام: هذا طائر في خدمة أبناء يافث.
كم سرح مسرحا بإحسان، وكم طار في أفق فاستحق أن يقال لهما: " فارسا سحاب" إذا قيل لغيرهما: "فارسا رهان"، حاملة علم من هواء علم به منها.
تغني السفار والسفارة فلا تحوجهم إلى الاستغناء عنها، تغدو وتروح، وبالسر لا تبوح، فكم غنيت باجتماعها بإلفها عن أنها تنوح.
كم سارت بأمر سلطانها أحسن السير، وكم أفهمت أن ملك سليمان إذا سخر له منها في مهماته الطير، أسرع من السهام المفوقة، وكم من البطائق مخلقة وغير مخلقة.
كم ظللت من كيد، وكم بدت في مقصورة تصبح في السناء والسنا دونها "مقصورة ابن دريد".
[ ٨ ]
يسرح كما يسرح القبول إلا دون رسالته المقبولة، وطلب السبق فلم يرض بعرف البرق مبرحا، ولا استطلاء صفحته المصقولة.
وهم جواد النسيم فقصر، وأمسيت أذياله بغرق السحب مبلولة.
وأرسله، فأقر الناس برسالته وكتابه المصدق وانقطع كوكب الصبح خلفه، فقال عند التقصير كنت نحابا وعلى يدي مخلق.
يؤدي ما جاء على يديه من الترسل، فهيج الأسواق، وما برحت الحمائم تحسن الأداء في الأوراق.
وصحبناه على الهوى فقال: (ما ضل صاحبكم وما غوى) ومن روى عنه حديث الفعل المسند فعن عكرمة قد روى.
يطير مع الهوى لفرط صلاحه، ولم يبق على السر المصون جناح إلا دخل تحت جناحه.
إذا برز من مقفصه لم يبق للصرح الممرد قيمة بل ينعزل بتدبيج أطواقه، وتعلق عليه من العين التميمة.
ما سجن إلا حمد على السجن، وضيقته الأطواق؛ ولهذا حمدت عاقبته على الإطلاق.
ولا غنى على عود إلا سالت دموع الهندي من حدائق الرياض، ولا أطلق من كبد الجو إلا كان سهمًا مريشًا بلغ به الأغراض.
كم علا؛ فصار بريش القوادم كالأهداب لعين الشمس، وأمسى عند الهبوط لعيون الهلاك النعلية كالطمس.
فهو الطائر الميمون، والغاية السباقة، والأمين الذي إذا أودع أسرار الملوك حمينا بطاقة.
فهو من الطيور التي خلا لها الجو فنقرت ما شاءت من حبات النجوم، والعجماء التي من أخذ عنها "شرح المعلقات" فقد أعرب عن دقائق الفهوم.
والمقدمة والنتيجة لكتاب الحجلي في منطق الطير، وهي من جملة الكتاب الذي إذا وصل القارئ منه إلى الفتح يتهلل لحبه الخير.
إن تصدر البازي بغير علم فكم جمعت بين طرفي كتاب وإن سأله العقيان عن بديع السجع أحجمت عن رد الجواب. نعم رعت النسور بقوة جيف، ورعى الذباب الشهد وهو ضعيف.
ما قدمت إلا وأرتنا شمائلها اللطيفة نعم القادمة، وأظهرت لنا من خوافيها ما كانت له خير خاتمة.
كم أهدت من مخلفتها وهي غادية رائحة، وكم حنت إليها الجوارح وهي- أدام الله إطلاقها -خير جارحة.
وكم أدارت من كؤوس السجع ما أرق من قهوة الإنشاء، وأتيح على زهر المنثور من صبح الأعشاء.
وكم عامت بحور الفضا ولم تحفل بموج الجبال، وكم جاءت ببشارة، وخضبت الكف، ورمت من تلك الأنملة قلامة الهلال.
وكم زاحمت النجم بالمناكب حتى ظفرت بكف الخضيب وانحدرت كأنها دمعة سقطت على خد الشفيق لأمر مريب.
وكم لمع في أصيل الشمس خضاب كفها الوضاح، فصارت بسموها وفرط المهجة كمشكاة فيها المصباح.
والله يديم بأفنان أبوابه العالية ألحان السواجع، ولا برح تغريدها مطربا من المبادئ والمراجع.