قال محمد بن جعفر الدينوري لقيت جعيفران الموسوس وقد جاء إلى علي ابن إسماعيل الهاشمي المقلب بالظاهرية وكانت له هيئة فوقف بين يديه فقال أعطني درهمًا فرماه الغلمان ونحوه. فقال:
[ ٨٤ ]
قد زعم الناس ولم يكذبوا إنك من غير بني هاشم
فقال علي بن إسماعيل فضحني والله وهم بقتله. ثم قال يا جعيفران! ما تريد؟ قال درهمًا صحيحًا، ورغيفًا حواري، وفالوذجًا، فجيء بها وقعد وأكله أجمع، وأخذ الدرهم وقال:
فكذب الله أحاديهم يا هاشمي الأصل من آدم
قال عبد الله بن عثمان أبطأ عند جعيفران يومًا. ثم عاد إلينا وهو عريان يشتد والصبيان يرمونه بالحجارة فسلم علي وقال يا عبد الله:
رأيت الناس يدعوني مجنونًا على حال
ولو كنت كقارون وفرعون باقبال
وماذا عليّ حق ولكن هيبة المال
قلت أيحضرك شيء على غير هذه القافية في هذا المعنى حتى نعلم أنك شاعر فقال:
رأيت الناس يدعوني بمجنون على عمد
وما بي اليوم من حسن ولا لبس ولا عقد
ولو كنت كقارون ووالي رحبة الجند
رأوني راجح العقل جميلًا حسن القد
وما ذاك على حقٍ ولكن هيبة النقد
فقلت أعندك مزيد على هذا؟ فإن جئت بالثالثة اقررت لك بأنك شاعر. فأطرق ثم قال قم بنا إلى المنزل فقمنا معه فقال:
رأيت الناس يرموني بوسواس لأيامي
وما كنت أخا موق قديمًا قبل تهيامي
ولكني أرى ذاك لإدقاعي وإعدامي
ولو كنت أخا ملكٍ وإسراج وإلجام
[ ٨٥ ]
إذا أكرمني الناس ولم أُرم بالمام
وكانوا كل أوقات يباهون باكرامي
قال فأدخلته منزلي وغذيته وقعدت أنا وقوم من أصحابنا ثم عاتبناه على ما صنع بنفسه ووبخناه بأنواع اللوم فأنشأ يقول:
رأيت الناس أحيانًا ليروموني بوسواس
ومن يضبط يا هذا مقال الناس في الناس
فدع ما قاله الناس وعجّل صفوة الكاس
فإن الناس يفرون بأمثالي وأجناسي
ولو كنت أخا ملكٍ أتوني بين جلاسي
يقومون ويفدون على الرجلين والراس!
ثم قال يا فتى هذه أربعة وقام قومه فقال لي أحد أصحابي لو جئنا بقينة قلت ومن يجيء بقينة بين يدي مجنون دعونا اليوم نلهو فقد حل علينا فقال:
وندامي أكلوني إن تغيبت قليلا
زعموا إني مجنون أرى العري جميلًا
كيف لا أرعى وما لب صر في الناس مثيلًا
باسطًا للجود كفًا قائلًا خيرًا فعولًا
انثي أهوى كرام الناس لا أهوى البخيلا
إن أكن سؤتكم اليوم فخلوا لي سبيلا
وابتغوا غيري نديمًا لكم مني بديلًا
وأتموا يومكم ح - ياكم الله طويلًا قال فندمنا على ما كان منا فقلنا له معك نلذ ونفرح فأتيناه بثوب فطرحناه عليه وأتيناه بقينة فأنشدت له:
لا تزوّج فتهلكا حذرك اليوم حذركا
إن للعرس مرجعًا عينها يورث البكا
لا يغرنك سقف بي تت وفرش ومتكا
[ ٨٦ ]
عن قليل يشكي الي ك فترثي لمن بكا
قال محمد بن مهدي الكاتب أتى جعيفران إلى بعض الولاة وهو يأكل فدعي إلى طعامه فأكل معه فلما كان من الغد حجب فقعد على الباب ثم كتب إليه شعرًا:
عليك إذن فانا قد تغذينا لسنا نعود فقد كنا تسقينا
بأكله سلفت أنقت حرارتها ماذا بقلبك قد صمنا وصلينا
قال أبو العباس الأسدي لقيت جعيفران فقلت له أتجيز لي هذا البيت الشعر؟ قال نعم بدرهم صحيح. قلت له نعم. قال هات فأعطيته وأنشدته.
وما الحب إلا لوعة قدمت بها عيون المها باللحظ بين الجوانح
فتفكر ثم قال:
ونار الهوى تطفي عن القلب فعلها كفعل الذي جادت به كف قادع
وأنشد أيضًا:
يا واعد الوعد ليس ينجزه أُفٍ لمن لا يتم كا وعدا
أُفٍ لمن لا يزال صاحبه في تعب من عذابه أبدا
أكلّ طول الزمان أنت إذا جئتك في حاجة تقول غدا
لا جعل الله إليك ولا عندك ما عشت حاجة أبدا
وله أيضًا:
لا تيأس إن كنت ذا فاقة تتعب في نزر من الرزق
بين الفتى في شر أحواله صاحب خلقان على الطرق
صار أميرًا إن ذا عبرة وقدرة الله في الخلق
وذكر ابن أبي خالد قال كان بعض أصحابنا لقي جعيفران فقال له مصراع بيت إن أتممته فلك درهم قال هات قال ألا عجزت عن الصبر العقول فقال بالبداهة! لان سبيله مر ثقيل هات الدرهم.
[ ٨٧ ]