سمعت محمد بن أحمد بن سعيد الرازي يقول سمعت العباس بن حمزة يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول سمعت هشام بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا يوسف القاضي يقول ثلاثة: مجنون، ونصف مجنون وعاقل، فأما المجنون فأنت منه في راحة، وأما نصف المجنون فأنت منه في تعب، وأما العاقل فقد كفيت مؤنته.
أنشد أبو ذر القراطيسي:
الحمد لله كم في الدهر من عجب ومن تغير أحوال وحالات
لا تنظرن إلى عقل ولا أدب إن الجدود قريبات الحماقات
[ ٤٠ ]
واسترزق الله مما في خزائنه فكل ما هو آت مرة آت
قال عبيد الله بن سعيد الكاتب: دخل بعض الشعراء على ابن شوذب وهو الذي يضرب به المثل في كثرة الأموال، فأتى برعيل من الخيل فتأملها وقال أخرجوا منها ذلك المرعزي، ثم أتى بقطيع من الغنم لا تذبحوا ذلك الأدهم. وكان الشاعر قد مدحه بقصيدة فلما رأى ذلك خرج من عنده ولم ينشده، وأنشأ يقول.
لا يعرف الضأن من المعزى ويحسب الأدهم مرعزّى
صفت له الدنيا وضاقت لنا تلك لعمري قسمة ضئزى
أنشد أبو الفضل العباس بن القاسم الطبري:
قل لدهر على المكارم غطى يا قبيح الفعال جهم المحيا
كم رفيع حططته عن يفاع ورقيع الحقته بالثريا
وأنشد أبو بكر أحمد بن عمران السوادي:
زمان قد تفرغ للفضول يسوّد كل ذي حمق جهول
فإن أحببتم فيه ارتفاعًا فكونوا جاهلين بلا عقول
وقال ابن الرومي:
دهر علا قدر الرقيع به وترى الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤه سفلًا ويعلو فوقه جيفه
وقال علي بن محمد بن قادم:
عذلوني على الحماقة جهلًا وهي من عقلهم ألذ وأحلى
لو لقوا ما لقيت من حرفة العلم لساروا إلى الجهالة رسلا
ولقد قلت حين اغروا بلومي أيها اللائمون في الحمق مهلًا
حمقي قائم بقوت عيالي ويموتون إن تعاقلت هزلا
[ ٤١ ]
وسمعت أبا الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكازري يقول سمعت إبراهيم بن محمد بن يزيد عن عبد الله بن الأكبر مترددًا يقول: كان على سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
للناس حرص على الدنيا بتبذير وصفوها لك ممزوج بتكدير
لم يرزقوها بعقل عندما قسمت لكنهم رزقوها بالمقادير
كم من أديب لبيب لا يساعده ومائق نال دنياه بتقصير
لو كان عن قوة أو عن مغالبة طار البزاة بأرزاق العصافير
ورأيت في كتاب لابن ممشاد.
قد كسد العقل وأصحابه وفتحت للحمق أبوابه
فاستعمل الحمق تكن ذا غنى فقد مضى العقل وطلابه
وللامام الشافعي ﵀:
إن امرأ رزق اليسار ولم يصب حمدًا ولا اجرًا لغير موفق
فالجد يدنى كل شيء شاسع والجد يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدودًا حوى عودًا فأثمر في يديه فحقق
وإذا سمعت بأن محرومًا رأى ماء ليشربه فغاض فصدق
وأشد خلق الله بالهمّ امرؤ ذو همة يبلى بعيش ضيق
ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
ولابن الرومي:
جاهي أدق من الصراط فيكم وعزي في انحطاط
وتكايسى وتحاذقى يلجان في سم الخياط
وأنا الشقي بأرضكم مثل المصور في البساط
ولعي بن محمد السيرافي:
ما همتي إلا مقارعة العدى خلق الزمان وهمتي لم تخلق
[ ٤٢ ]
والمرء كالمدفون تحت لسانه ولسانه مفتاح باب مغلق
إني أرى الأكياس قد تركوا سدى وأزمة الأملاك طوع الأحمق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني بنجوم أقطار السماء تعلقي
لكن من رزق الحجى حرم الغنى ضدان مفترقان أي تفرق
وقال بعضهم:
كم من أديب عاقل قلبه مكمل العقل مقل عديم
ومن رقيع وافر ماله ذلك تقدير العزيز العليم
سبحان ربي إن ربي حكيم قد حرم العاقل فضل النعيم
ما يظلم الرب ولكنه أراد أن يظهر عجز الحكيم
وبلغني أن امرأة أتت بزرجمهر الحكيم فقالت له أيها الحكيم ما بال الأمر يلتام للعاجز ويلتان على الحازم؟ قال ليعلم العاجزان عجزه لن يضره وليعلم الحازم إن حزمه لن ينفعه وإن الأمر إلى غيرهما.
قال أكتم بن صيفي حكيم العرب لبنيه: إياكم وصحبة الأحمق فإنه إلى أن يضركم أقرب منه إلى أن ينفعكم.
قال الأحنف بن قيس لبعض أصدقائه: اجتنب صحبة النوكي فانهم لا يستقرون على حال وإياك والعتاب فإنه يفتح باب التغالي، والعتاب خير من الحقد.
قال بشر بن عمرو اتق الأحمق فليس للأحمق خير من هجرانه.
قال أبو الحسن علي بن إبراهيم:
اتق الأحمق إن تصحبه إنما الأحمق كالثوب الخلق
كلما رقعت منه جانبًا صفقته الريح وهنا فانخرق
أو كعير السوء إن أقصدته رمح الناس وإن جاع نهق
قال آدم بن عيينة قلب حجر بأرض الروم فإذا عليه مكتوب:
ولا تصحب أخا الحمق وإياك وإياه
[ ٤٣ ]
فكم من جاهل أردى حكيمًا حين واخاه
يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ماشاه
وللقلب على القلب دليل حين يلقاه
وللناس من الناس مقاييس وأشباه
سلمة بن بلال قال: كان فتى يعجب علي بن أبي طالب ﵁ فرآه يومًا يماشي رجلًا متهمًا فقال ﵁ وذكر الأبيات.
وكان بشر بن الحارث يقول: النظر إلى الأحمق سخنة عين والنظر إلى البخيل يقسي القلب.