المجانين على ضروب، فمنهم المعتوه وقد مضى تفسيره ومنهم المرور وهو الذي أخرقته المرة، ومنهم الممسوس وهو الذي يتخبطه الجن والشياطين، ومنهم العاشق الذي تيمه الحب فأجنه.
سمعت أبا الحسن محمد بن محمد بن مسعود النسوي بها، يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عيسى السركري؟ ببغداد يقول: سمعت زكريا بن يحيى بن خلاد المنقري يقول: سمعت الأصمعي يقول: لقد أكثر الناس في العشق فما سمعت بأوجز ولا أجمل من قول أنشدنا بعض نساء الأعراب وسألت عن العشق فقالت: داء وجنون.
أنشدنا أبو محمد أحمد بن محمد بن إسحق الخزلحجي؟ بمرو قال: عبد الله بن بهلول بقرميسين.
وما عاقل في الناس يحمد أمره ويذكر إلا وهو في الحب أحمق
وما من فتى قد ذاق بؤس معيشة من الناس إلا ذاقها حين يعشق
سمعت أبا الحسن مظفر بن غالب الهمداني يقول: سمعت أبا بكر محمد بن يحيى الصولي قال: اعتل عبد الله بن المعتز فأتاه أبوه عائدًا، وقال له: ما عراك يا بني؟ فأنشأ يقول:
أيها العاذلون لا تعذلوني وأنظروا حسن وجهها تعذروني
وأنظروا هل ترون أحسن منها إن رأيتم شبيهها فاعذلوني
في جنون الهوى وما بي جنون وجنون الهوى جنون الجنون
قال: فتتبع أبوه الحال حتى وقع عليها فابتاع الجارية التي شغف بها بسبعة آلاف دينار ووجهها إليه.
[ ٢٧ ]
أنشدني أبو منصور مهلهل بن علي العنزي.
أبدر بدا أم وجهك القمر السعد أليل دجا أم شعرك الفاحم الجعد
أنرجسة هاتيك أم هي مقلة أتفاحة ذاك المضرج أم خد
أموج إذا وليت أم كفل بدا أغض لجين في الغلالة أم قد
كذا لو تأملت الذي بي لقلت لي أهذا جنون ثابت بك أم وجد
سمعت أبا العباس الرازي الصوفي يقول: سمعت الشبلي يقول ذات يوم لأصحابه: ألست عندكم مجنونًا وأنتم أصحاء؟ زاد الله في جنوني وزاد صحتكم! ثم أنشد.
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ما لذة العيش إلا للمجانين!
أنشدنا أبو العباس أحمد بن سعيد المغربي قال: أنشدنا أبو عمرو محمد ابن إسماعيل الضرير قال حدثنا وأنشدنا أيوب بن غسان وهو يقول:
ودعتني بعبرة من جفون أضمرت فيضها حذار العيون
ومضت خلفها وقد خلفتني إلف ضر وفورة وجنون
فشكوت الفراق بالنفس الدا ئم حتى هتكت سر الظنون
أنشدني أبو سعيد أحمد بن زاوية الفارسي الكاتب:
ألا قل للأحبة يرفقونا فإن الحب أورثنا الجنونا
أنشدني أبي ﵀ قال أنشدنا أبو محمد الزنجاني لبعض الأعراب:
أحبك حبًا لو علمت ببعضه أصابك من وجد عليك جنون
لطيفًا على الأحشاء أما نهاره فسكت وأما ليله فأنين
[ ٢٨ ]
وحكى لي عن حبيب بن محمد بن خالد الواسطي قال دخلت يومًا على علي بن هشام فوجدته باكيًا حزينًا ذاهب النفس فأنكرته وسألته عما دهاه، فقال أعلم أني مررت الآن بالخريبة فرأيت مجنونًا مصفدًا بالحديد يتمرغ في التراب ويقول:
ألا ليت أن الحب يعشق مرة فيعرف ماذا كان بالناس يصنع
يقولون خذ بالصبر إنك هالك وللصبر مني في مصابي أجزع
سمعت أبا علي الحسن بن أحمد القزويني يقول سمعت بعض السياح يقول رأيت مجنونًا في القفار وهو يرقص ويقول:
حبكم في القفار شردني آه من الحب ثم رآه
وهذا الباب يطول شرحه إلا أنه يذكر في أثناء أخبار المجانين وستراه في موضعه إن شاء الله تعالى.