قال عبد الملك بن أبجر لقيت عليان المجنون وكان اسمه عندي عليان فقلت له يا عليان فقال: لا إله إلا الله قل خيرًا يا ابن أبجر ولد لأبي مولود قبلي فسماه محمدًا ببركات رسول الله ﷺ ثم ولدت فسماني عليًا ببركات وصي رسول الله ﷺ فمن صغرني فقد صغر وصي رسول الله ﷺ ومن طيبت به للتصغير بي فما طيبت بك يا ابن أبجر، فجعلت لا أسميه إلا عليًا أو كنيته.
قال حفص بن غياث القاضي مررت في طاق السراجين فإذا عليان جالس، فلما جزته سمعته يقول من أراد سرور الدنيا وحزن الآخرة فليتمن ما هذا فيه
[ ٧٤ ]
فوالله لقد تمنيت لو كنت مت قبل أن ألي القضاء.
قال الحسن الكوفي قال رجل لعليان أجننت؟ قال أما عن الغفلة فنعم وأما عن المعرفة فلا، قال كيف حالك مع المولى؟ قال ما جفوته مذ عرفته، قال ومذ كم عرفته؟ قال مذ جعل اسمي في المجانين!
قال السري مولى ثوبان أدركت بالكوفة مجنونًا يقال له عليان وكان يأوي إلى دكان طحان وكانت معه عصى لا تفارقه، وكان الصبيان قد علموا وقت مسيره إلى الدكان فيجتمعون ويعبثون به، فإذا بلغت أذيتهم منه قال للطحان قد حمي الوطيس وطاب اللقاء وأنا على بصيرة من أمري فما ترى؟ فيقول شأنك، فيثب وهو يقول:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه وأعرض عن ذكر العواقب جانبًا
ثم يشد مئزره ويقول:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم دون النساء ولو باتت باظهار
ثم يتناول العصا ويشد عليهم ويقول:
أشد على الكتيبة لا أبالي أحتفي كان فيها أم سواها
والصبيان يهربون، فإذا أرهقهم طرح الصبيان أنفسهم وكشفوا عن عوراتهم، فيعرض عنهم بوجهه ويقول عورة المؤمن حمى لولا ذلك لتلف عمرو بن العاص يوم صفين والأخذ بكلام علي ﵁ أولى بنا أمرنا أن لا نتبع موليًا ولا نذفف على جريح، ثم يرجع ويقول:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه خشاش كرأس الحية المتوقد
[ ٧٥ ]
ثم يعود إلى دكان الطحان ويلقي عصاه ويتمثل:
وألقت عصاها واستقرت بها النوى كما قر عينًا بالإياب المسافر
قال علي بن ظبيان مررت يومًا بالكوفة فلما صرت في سكك همدان إذا أنا بعليان المجنون وفي يده قصبة فارسية مثل القناة وفي رأسها كبة قطن وعليها خرقة، وإذا هو يشد على الصبيان، فإذا أدركهم قالوا القصاص يا علي، ثم يلقي القصبة من يده، فلما رأيته تهيبت أن أمر بين يديه، فقال لي مر يا علي فلست منهم فمررت فلما حاذيته قلت من نوقش في الحساب عذب قال كلا يا علي ربنا أكرم من ذلك فإنه إذا قدر عفا، قلت له من العاقل؟ قال من حاسب نفسه وخاف ربه.
قال علي بن محمد الكناني كنت بمكة وعليان المجنون بها، وضربه الصبيان، وضربه بعض الفسقة بسكين فقطر منه الدم، فكنت أنظر إلى الدم يقطر على الأرض وبكيت له فبصرت ذلك في تسعة عشر موضعًا.
قال الإمام أبو يوسف القاضي ﵀ كنت مارًا في طرقات الكوفة وإذا أنا بعليان المجنون فلما بصر بي سلم علي وقال لي أيها القاضي مسئلة قلت هات، قال أليس قال الله تعالى في كتابه العزيز " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ". قلت بلى قال أليس قال الله ﷿: " وإن من أمة إلا خلا فيها نذير "، قلت بلى، قال فما نذير الكلاب، قلت لا أدري فأخبرني، قال لا والله لا أقول إلا بمن رقاق من شواء ونصف من فالوذج، فأمرت من جاء بها، ودخلت معه مسجدًا فأكلها حتى أتى على آخرها، فقلت هات الجواب فأخرج من كمه حجرًا وقال هذا نذير الكلاب! وقال له بعض الناس يومًا يا مجنون، فقال مهلًا إنما المجنون من عرفه ثم عصاه.
[ ٧٦ ]
قال عطاء السلمي مررت ذات يوم في بعض أزقة الكوفة فرأيت عليان المجنون واقفًا على طبيب يضحك منه ومالي عهد كان بضحكه، فقلت له ما أضحكك؟ قال هذا السقيم العليل الذي يداوي غيره وهو مسقام، قلت فهل تعرف له دواء ينجيه مما هو فيه؟ قال شربة ان شربها رجوت برأه، فقلت صفها، قال خذ ورق الفقر وعرق الصبر واهليلج التواضع وبليلج المعرفة وغار يقون الفكرة، فدقها دقًا ناعمًا بهاون الندم واجعله في طنجير التقى، وصب عليه ماء الحياة وأوقد تحتها حطب المحبة حتى ترمي الزبد ثم أفرغها في جام الرضا وروحها بمروحة الحمد واجعلها في قدح الفكرة وذقها بملعقة الاستغفار، فلن تعود إلى المعصية أبدًا.
قال ذو النون المصري رأيت في منامي كأن قائلًا قال لي إن في دير هرقل حكيمًا من الحكماء أفلا تقصده؟ فقلت شأنك، قال أفلا اكترى لك حمارًا أو بغلًا قلت لا، قال امش معي فإن الله سبحانه يقوينا على ذلك، وكان بيننا وبين الدير عشرون فرسخًا، فمشيت معه نتحدث، فأصبحنا ونحن على باب الدير كأنا لم نمش إلا يسيرًا، فدخلنا الدير فسألنا عنه فقالوا لا نعرف إلا معتوهًا أو ممرورًا أو مريضًا، قال ذو النون إنه وصف لنا ها هنا حكيم، قال صاحب الدير أيكما أحق بالحبس وشرب الدواء من هؤلاء؟ ما يصنع الحكيم في دير هرقل؟ قلنا فاذن لنا في النظر إليهم، قال شأنكما، فما من محبوس إلا تعرضنا له فما سمعنا ما دل على غرابة عقولهم حتى بلغنا إلى أقصى مقصورة فيها، فرأينا رجلًا مغلولًا مقيدًا قد شد بسلسلة إلى حجر كبير، قال ذو النون فتعرضت له فقال قل خيرًا تغنم أو اسكت تسلم، فسلمت عليه، فرد، فقلت له ما اسمك قال اسمي علي وأعرف بعليان الكوفي، قلت له أنت عليان الكوفي؟ قال نعم، قلت فمن حبسك ها هنا؟ قال الحب ينطق والحياء يسكت والحرق يقلق، فتغير لوني وارتعدت فرائصي، فقلت يا علي ما طيب العيش قال إذا قذف بك في عين الأنس فكلك معه، قلت يا علي فما بلغ بك ما أرى؟ قال كنت عاقلًا ظريفًا وكان المدبر والسايس غيري وأنا منبوذ بين كنفه وعطفه فإن شاء عفا وإن شاء عاقب وإن شاء أبلى وإن شاء عافى وهو الفعال لما يريد، وان الطبيعة النقية يكفيها من العظمة اللمحة ومن الحكم الإشارة إليها، قلت فإن أسترشدك، قال إن
[ ٧٧ ]
كان همك طلب الدلالة فإن ذلك أمر لا نهاية له وإن كان همك وجوده فهو موجود في أول خطرة ولو احتملت الزيادة لزدناك، قال ذو النون فكنت رأيت كثيرًا من العباد، فما هبت أحدًا قط منهم كهيبته. قال علي بن ظبيان: أتاني عليان ذات يوم وأنا في داري فقلت له: ما تشتهي؟ قال: فالوذج فأمرت أهل الدار فاتخذوا له فالوذجًا وقدم إليه فأكله. ثم قال: يا علي! هذا فالوذج العام. فهل لك في فالوذج العارفين؟ قلت نعم. قال: خذ عسل الصفا، وسكر الوفا، وسمن الرضا، ونشا اليقين. ثم القها في طنجير التقى، ثم صب عليه ماء الخوف، وأوقد تحتها نار المحبة، ثم حركها باصطام العصمة، ثم اجعلها في جام الذكر، ثم روحها في مروحة الحمد حتى تبرد، ثم كلها بملعقة الاستغفار. فإنك إن فعلت ذلك ضمنت لك أن لا تعصي ربك أبدًا.
قال زهير بن حرب: أمر الخليفة موسى الهادي باحضار بهلول وعليان فأحضرا. فلما دخلا عليه قال لعليان: ايش معنى عليان؟ قال عليان: وايش معنى موسى اطبق؟ فغضب الهادي وقال: خذوا برجل ابن الفاعلة. فالتفت عليان إلى بهلول وقال خذها إليك. كنا اثنين فصرنا ثلاثة.
قال أبو جعفر السباح: لقيت عليان يوم العيد على شدة شوقي إليه، وقصد مقبرة فلما توسطها رفع رأسه وقال: اللهم بك صام الصائمون؛ ولك قام القائمون، وقربوا قربانهم، ودخلوا منازلهم، وأنسوا بأهاليهم. وقد قربت قرباني. فليت شعري! ما صنعت بقرباني؟ اللهم! إني أصبحت لا منزل لي، ولا عندي طعام. فاجعل قرباني منك بالمغفرة. فلما رآني أرمقه؛ وثب هاربًا على وجهه.
وقال أبو علي السيرافي: اشتقت إلى عليان لما كان بلغني عنه، ودخلت الكوفة في
[ ٧٨ ]
طلبه فقالوا: هو في المقبرة، فدخلت المقبرة فلما رآني هرب، فدخل مسجدًا ورد الباب، فدخلت عليه فإذا هو في صلاة. فلما فرغ أقبل على مناجاته فقال: إليك توجه الطالبون وأرادوك، وإياك قصد المحبون واشتاقوك فآثروك. فدنوت منه وقلت: أحب أن تجيبني. فقال: نعم فجئت إلى منزلي به وقلت ما تشتهي؟ فقال: ما اشتهيت منذ أربعين سنة إلا المولى. قلت: الا اتخذ لك عصيدة جيدة؟ قال هذا إليك. فاتخذت له عصيدة بالسكر ووضعت بين يديه. فقال: لا أُريد مثل هذا ولكني أُريد على الصفة التي أصفها لك، قلت صفها لي. قال: خذ تمر الطاعات، واخرج منه نوى العجب، وخذ دقيق العبودية، وزعفران الرضا، وسمن النية، واجعل ذلك في طنجير التواضع، وصب عليه ماء الصفا، وأوقد تحتها نار الشوق، بحطب التوفيق، وحركه باصطام الحمد، واجعله على طبق الشكر، وضعه بين يدي. فمن أكل منه ثلاث لقمات كان شفاءً لصدره، وشفاءً لذنوبه، ثم قام ونفض ذيله وأنشأ يقول:
أفلح الزاهدونا والعابدونا إذ لمولاهم أجاعوا البطونا
أقرحوا الأعين الغزيرة شوقًا فمضى ليلهم وهم ساجدونا
حيرتهم مخافة الله حتى زعم الناس إن فيهم جنونا