وهم ضروب، فمنهم من تعاطى ذلك ليرى شأنه ويستره على الناس سمعت أبا موسى عمران بن محمد بن الحصين يقول: سمعت إبراهيم بن الحارث الكرماني يقول سمعت أحمد الدورقي يقول قال مالك بن دينار: رأيت بالمصيصة شيخًا في عنقه غل وسلسلة والصبيان يرمونه وهو يقول:
إن من قد أرى على صور النا س وإن فتشوا فليسوا بناس
قال فتقدمت إليه فقلت أمجنون أنت؟ قال أنا مجنون الجوارح لا مجنون القلب ثم مر وأنشأ يقول:
واريت أمري بالجنون عن الورى كيما أكون بواحدي مشغول
يا من تعجب في الأنام لمنطقي ماذا أقول ومنطقي مجهول
سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول سمعت أبا بكر ابن طاهر الأبهري يقول سمعت عمران بن علي الرقي يقول: كان إبان ابن سيار الرقي رئيس القراء والفقراء بالرقة وكان مع ذلك أهل علم فأكل الذئب بنيًا له وكان واحده، وكان مشغوفًا به، ولم يتمالك، وهام على وجهه، فغاب مليًا ثم عاد وقد برم بالناس. فجنن نفسه، وجعل لا تطمئن به دار ولا يستقر به قرار، فخبرت بشأنه فأتيته بأصحاب لي، فألفيته في الجامع يكلم بعض الأساطين، فقلت يا إبان أجننت؟ قال نعم عندك وعند اضرابك. فقلت كيف؟ فأنشأ يقول:
جننت عن عقلي لديكم وما قلبي والله بمجنون
أجن مني وإله الورى من اشترى دنياه بالدين
وكنت قد ابتعت ضيعة من بعض السلاطين فعلمت انه يعنيني فتسورت
[ ٣٣ ]
ووالله ما عاودته بعد.
وقال الفرزدق أمر عمرو بن هند ملك العرب لطرفة وجرير المتلمس بكتابين إلى عامله بالبحرين بإهلاكهما وهما لا يشعران فمرا برجل على قارعة الطريق يحدث ويتفلى ويأكل، فقال المتلمس بالله ما رأيت أحمد من هذا، فقال الرجل وما رأيت من حمقي، أخرج خبيثًا وأدخل طيبًا، وأقتل عدوًا، أحمق والله مني من حمل حتفه بيده. ففك المتلمس كتابه فإذا فيه أما بعد فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيًا فرمى بالكتاب وأنشأ يقول:
قذفت بهذا القط من جنب كافر كذلك أرمي كل قط مطلل
وقال لطرفة: فك كتابك، فقال: هو لا يجتريء على إهلاكي، فذهب بالكتاب فإذا فيه إذا أتاك طرفة فاقطع أكحله ولا تشده حتى يموت ففعل وأنشأ طرفة يقول:
كل خليل كنت خاللته لا ترك الله له واضحه
كلهم أروغ من ثعلب ما أشبه الليلة بالبارحة