واختلاف بريها عن أجناس الخطوط، وصفة الدواة واختيار آلاتها:
اعلم أن الأقلام الجليلة خمسة وهي قلم الطومار وقلم الرياس وقلم الثلثين وقلم النصف وقلم الثلث وهو أخفها، وهي في ثقل الخطوط على مقدار ترتيبها، ويقدم بعضها على بعض. الثلثان دون الطومار في الثَّقل إلا أنه مولّد منه، والرياسي أقل من قلم النصف بسدس. ومعنى ذلك هو أن الزمان الذي يكتب فيه صاحب الطومار رسالة محدودة، يكتبها صاحب قلم الثلثين في ثلثيه، ويكتبها صاحب النصف في نصفه، ويكتبها صاحب الثلث في ثلثه، وأما الرياسي فزمانه طويل. وأشرف الخط هذه الأقلام الخمسة، وغيرها واقع دونها مثل خفيف الثلثين وصغير النصف والوشى المنمنم وغبار الحلبة وخط المؤامرات وخط السجلات وخط الحرم وهو الكوفي. والله تعالى أعلم.
وأفضل الأقلام المعتدل الحالات في الدقة والغلظ والتبطين والطول والقصر وما أخذ من جانبيه بقَدَر، وجعل موضع القطة أعرض قليلًا من وسطه، ورأسه في مقدار إصبع الإبهام، وشقاه متشاكلين في الدقة والرقة، وشقه يكون متوسطًا إلى ثلثي رأس القلم لأنه إن جاوز ذلك سود يد الكاتب وأبطل عمله. وإذا طال رأس القلم فهو أخف وأضعف، وإذا قصر فهو أغلظ وأقوى.
والمحمود في الطويل منها ما كان له شحم ولم يكن محرَّفًا لئلا يجتمع عليه القط الغليظ من جهة التبطين والتحريف.
والأقلام إذا كانت مستوية القط جاء الخط خفيفًا غير مليح، وإذا كانت محرفة جاء الخط ضعيفًا ضاويًا. فأحسنها وأجودها المتوسط بين الطول والقصر والدقة والغلظ والتحريف والاستواء. والمحرف والمبطّن أشبه
[ ٢٧ ]
بخط الورق والدفاتر، فأما غيرهما فلا يحتمل ذلك.
والجيد من الأنابيب ما كان معتدلًا في طوله وجسمه وصلابته. والمختار منها ما احمرَّ جوفه وكثر شحمه. وحق هذا القلم إذا كان على هذه الصفة أن يبرى من رأسه وهو الموضع الغليظ من الأنبوب. وإذا كان ضدّ ذلك فهو ضعيف. فيجب أن يبرى من أسفله لأنه أقوى من رأسه وهو الموضع الدقيق من الأنبوب.
واعلم أنه لا يتهيأ لصاحب المحرف إدارة يده كإدارة صاحب المستوى فيجب أن تكون القطة مستوية، لها قربة من الشق الأيمن تخالها محرفة. ويجب أن يكون شق القلم في وسط سنه، ويكون إلى مقدار عقدة الخنصر في رأسه.
والقلم الذي يكتب به الرياسي - خاصة وهو أغلظ الأقلام - يكون بريه بتقليل الشحم في رأسه، لأنه إذا كان الشحم من أوله إلى آخره على استواء لم يجر القلم ولم يكن لخطه حُسن وفسد، وإذا كان رأسه أكثر شحمًا لم يكتب. فينبغي أن يعمل بحسب ذلك إن شاء الله تعالى.
وخط المستوى من الأقلام أقوى وأصغر وأبقى، وهو بمذهب الكُتّاب أشكل وأحسن، وخط المحرف من الأقلام أضعف من غيره وأحلى، وهو بخط الورق أشبه. والمتوسط بينهما يجمع ما فيهما.
وما في رأسه طول من الأقلام فهو يعين اليد الخفيفة على سرعة الكتابة، وما قصر منها كان على ضد ذلك. وإذا طال سنّ القلم كان خطه أخف وأضعف، وإذا قصر كان خطه
أقوى وأصقل.
فأما الذي يُختار ويُقدَّم فالمتوسط في الأمور الحالات الثلاث: المعتدل بين الطول والقصر، والنحافة والغلظ والتحريف والاستواء. وأحمد الأقلام بعد هذا كله ما أرهف من جانبي وسطه حتى تكون
[ ٢٨ ]
القطة أعرض قليلًا مما قبله، وطول سنه في مقدار الإبهام. وأفسدها ما زاد على ذلك أو قصر عنه.
ويضع الرجل السكين على رأس الأنبوب مستويًا، وتكون يده لا يمينًا ولا شمالًا ولا معوجَّة ولا منقلبة لكي لا تعمد قليلًا إلى الانحراف باليد اليمنى التي تقبض على السكين لكي تقطع، ويمرّ السكين على الانبساط لا قائمة الحرف فينثلم القلم وتتشعّب نواحيه، ويضعها متوسطة لتسلم حافتا القلم، ثم ينحت قليلًا قليلًا على مهل كنحت الخلال.
وليكن شحم القلم متوسطًا، لا ثخينًا ولا رقيقًا، فإنه أوطأ للقلم. فإنه إن كان شحمه كثيرًا كان القلم بطيئًا، وإن كان رقيقًا كان جاريًا ضعيفًا.
قال بعضهم وقد أطنب في التفسير والتعليم: إذا ابتدأت بقطع القلم فليكن قطعك بإزاء نبات الأنبوب فإنه قلَّ ما يفسد بري القلم على ذلك. وإذا أردت نحت القلم فلا تبتدئ بالحرفين ولا بالوسط ولا بالشحم، فإنك إذا أمَلْتَ السكين إلى تحت جانب طال عليك استواؤه في التعديل واحتجت إلى تعطيله.
وليكن ابتداؤك بوسط الحرفين لكي تأمن التواءه ويصير أسفله حذاه. وليكن السن الأيمن أملأ من السن الأيسر، وذلك حق الكتابة فإن كان الأيسر أملأ من الأيمن رشش وأفسد الكتابة. ويجب أن تتثبت في وقت شق القلم، ولا تعجل فتزلّ عن الصواب، لأن جودة القلم تكون بتعديل شقه على ما هو موصوف، به وكذلك قطه.
وحق السن الأيمن الامتلاء، والسن الأيسر دون ذلك. فإذا عملت على ما وصفت لك فاقطط قطًا متوسطًا لا بالطويل ولا
[ ٢٩ ]
بالقصير، ويكون إلى الطول أميل، وذلك اختيار جميع الكتاب. فإذا كان ذلك فهو حق البري.
وليكن قطك إذا قططت إلى الاستواء على عادة جودة البري، وتقط على نحو ما وصفنا، ويكون تام الطول ليقبض عليه متمكنًا منه ويفضل أعلاه على اليد. فاعلم ذلك.
وينبغي أن تبادر بقط قلمك ما دام سنُّه ملتزقًا قبل انفتاحه، فإنه أجود من قطه وهو مفتوح،
لأنك إن قططته وقد انفتح قليلًا لم تأمن من تشعثه وفساده، وإن تفاحش انفتاحه وقططته بعد ذلك فلا بد من فساده. وبهذا يعرض الفساد لأقلام العامة ممن لا علم له ببري القلم لأنهم لا يشعرون به. وربما قطه بعد أن يكتب به، وتلك حال من لا يبالي بهندسة الخط وإقامة صناعته.