فأمَّا الأبْيَاتُ الَّتِي أَغْرَقَ قائِلوهَا فِي مَعَانيها فكَقَوْل النَّابِغَة الجَعْديِّ:
(بَلغْنَا السَّمَاءَ نَجْدَةً وَتكَرُّمًا وإنَّا لنَرجُو فَوْقَ ذلكَ مَظهرًا)
وكقَوْلِ الطِّرمَّاح:
(لَو كَانَ يَخْفَى على الرَّحمنِ خافيةٌ من خلِقهِ خَفِيَتْ عَنهُ بَنو أسدِ)
(قَوْمٌ أَقَامَ بدَارِ الذُّلِّ أَوَّلُهُمْ كَمَا أَقَامَتْ عَلَيْهِ جَذْوَةُ الوَتَدِ)
[ ٧٦ ]
وكقَوْلِهِ:
(وَلَو أنَّ برغوثًا يُزَقّقُ مَسْكُهُ إِذا نَهِلَتْ مِنْهُ تَمِيمٌ وعَلَّتِ)
(وَلَو أنّ بُرْغُوثًا على ظهر نَمْلَةٍ يكُرُّ على صَفّيْ تَميمٍ لَوَلّتِ)
(وَلَو جَمَعَتْ عُلْيَا تميمٍ جُمُوعَها على ذرَّةٍ مَعْقولةٍ لاستَقَلَّتِ)
(وَلَو أنَّ بنْتَ العَنْكبوت بَنَتْ لَهُم مظَلَّتَهَا يومَ النَّدى لاستظَلَّتِ)
وكَقوْلِ زُهَيْر:
(لَوْ كانَ يَقْعُدْ فَوْقَ الشَّمسِ من كَرَمٍ قَوْمٌ بأوَّلِهم أَو مَجْدَهِمْ قَعَدُوا)
[ ٧٧ ]
وكقَوْلِ أبي الطَّمحان القَيْني
(أضاءَتْ لَهُم أحْسَابُهُمْ ووجُوهُهم دُجَى اللَّيلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثاقِبُهْ)
وكقولِ امريء الْقَيْس:
(مِنْ القَاصِراتِ الطَّرْفِ لَو دَبَّ مُحْوِلٌ من الذَّرِّ فَوق الإتْبِ مِنْهَا لأَثَّرا)
وكَقْول قيْس بن الخَطيم:
(طَعَنْتُ ابنَ عبد القَيْسِ طَعْنَةَ ثَائرٍ لَهَا نَفَذٌ لَوْلا الشُّعَاعُ أضَاءهَا)
(مَلَكْتُ بهَا كَفِّي فأنْهَرْتُ فَتْقَهَا يُرَى قَائِمٌ من دُونِهَا مَا وراءهَا)
[ ٧٨ ]
وكَقْولِ الآخر:
(ضَرَبْتُهُ فِي المُلْتَقَى ضَرْبَةً فَزَالَ عَنْ مَنْكِبهِ الكاهِلُ)
(فَصَارَ مَا بينهُمَا رَهْوَةً يَمْشِي بهَا الرَّامِحُ والنَّابِلُ)
وكقَوْلِ أبي وَجْزَةَ السَّعِدي:
(ألاَ عَلِّلاَني والمُعَلّلُ أرْوَحُ وَينْطِقُ مَا شَاءَ اللِّسانُ المُسَرَّحُ)
(بإجَّانَةٍ لَو أَنه خَرَّ بَازِلٌ من البُخْتِ فيهَا ظَلَّ للشِّقِ يَسْبَحُ)
وكَقَوْلِ النَّابِغَة:
(فإنَّك كَاللّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْركي وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عَنْك واسِعُ)
(خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ مَتينةٍ تُمَدُّ بهَا أيْدٍ إليكَ نَوَازِعُ)
[ ٧٩ ]
وإنَّمَا قالَ:
( . . كاللَّيلِ الَّذِي هُوَ مُدْركِي )
وَلم يَقُلْ: كالصُّبْحِ، لأنَّهُ وَصَفَهُ فِي حَالِ سَخَطِهِ فشبَّهَهُ باللَّيل وَهَوْلِهِ، فهيَ كلمةٌ جَامِعَةٌ لمعَانٍ كثيرةٍ.
ومثلُهُ للفَرَزدق:
(وَقد خِفْتُ حَتَّى لَو أرَى المَوْتَ مُقْبِلًا لِيَأخُذَني، والمَوْتُ يُكْرَهُ زائرُه)
(لَكَانَ مِنَ الحَجَّاجِ أهْونَ رَوْعَةً إِذا هُوَ أغْفَى وَهُوَ سَامٍ نواظِرُهُ)
فانْظُرْ إِلَى لُطْفِهِ فِي قَوْله:
( . إِذا هُوَ أغْفَى .)
ليكونَ أشَدَّ مُبَالغَة فِي الوَصِف إِذَا وَصَفَهُ عِنْد إغفائه بالمَوْتِ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ نَاظِرًا مُتَأمِّلًا مُتَيَقِّظًا، ثمَّ نَزَّهَهُ عَن الإغْفَاءِ. فَقَالَ:
( . وَهُوَ سَامٍ نواظِرُهُ)
[ ٨٠ ]
وكقَوْلِ جَرير:
(وَلَو وُضِعَتْ فِقَاحُ بني نُمَيرٍ عَلَى خَبَثِ الحَديدِ إذاَ لَذابَا)
(إِذا غَضِبَتْ عَلَيْك بَنو تَميمٍ حسِبْتَ النَّاسَ كُلَّهُمُ غِضَابًا)
وَقد سَلَكَ جماعةٌ من الشُّعَرَاءِ المُحْدَثين سَبِيلَ الأوائِلِ فِي الْمعَانِي الَّتِي أغْرَقُوا فِيهَا فَقَالَ أَبُو نواس:
(وأخَفْتَ أهْلَ الشِّرك حَتَّى إنَّهُ لتَخَافُكَ النُّطَفُ الَّتِي لم تُخْلَقِ)
وَقَالَ بَكْر بن النَّطَّاح:
(لَو صَالَ من غَضَبٍ أَبُو دُلَفٍ على بِيضِ السُّيوفِ لَذُبْنَ فِي الأغْمَادِ)
[ ٨١ ]
وَقَالَ أَيْضا:
(قَالُوا: وينظِمُ فارسَيْن بِطَعْنَةٍ يَوْمَ الهِيَاجِ وَلَا يَراهُ جَليِلاَ)
(لَا تَعْجَبُوا، فَلَوَ أنَّ طُولَ قَنَاتِهِ مِيلٌ إِذا نَظَمَ الفوارِسَ مِيلاَ)