فمِنَ الأشْعارِ أشْعارٌ مُحْكَمةٌ مُتْقَنةٌ، أنيقَةُ الألفَاظِ، حكيمةُ الْمعَانِي، عَجيبةٌ التأليفِ، إِذا نُقِضَتْ وجُعِلَتْ نَثْرًا لم تَبْطُلْ جَوْدةُ مَعَانيها، وَلم تَفْقُدْ جَزَالةَ ألفاظِهَا.
وَمِنْهَا أشعارٌ مُمَوَّهةٌ مُزَخْرفَة عَذْبةُ، تَرُوقُ الأسْمَاعَ والأفْهامَ إِذا مَرَّتْ صَفْحًا، فَإِذا، حُصَّلَتْ وانتُقِدَتْ بُهْرِجَتْ مَعَانِيهَا، وزُيَّفَتْ ألفاظُهَا، ومُجَّتْ حَلاوَتُها، وَلم يَصْلُحْ نَقْضُها لبناءٍ يُسْتَأنَفُ مِنْهُ؛ فبعضُها كالقُصُور المُشَيَّدة والأبْنيةِ الوَثِيقةِ الباقيةِ على مَرِّ الدُّهور، وبعضُهَا كالخيام المُوَتَّدة الَّتِي تُزَعزِعُها الرِّياحُ، وتُوهِيها الأمطارُ، ويُسْرِعُ إِلَيْهَا البلَى، ويُخْشَى عَلَيْهَا التَّقَوُّض.
وللمعاني ألفاظٌ تُشَاكِلُها فتَحْسُنُ فِيهَا وتَقْبُحُ فِي غَيرهَا، فَهِيَ كالمَعْرضِ لِلْجَارِيَةِ الحَسْنَاءِ الَّتِي تَزْداد حُسْنًا فِي بعض الْمعَارض دون بعض.
فَكَمْ من مَعْنىً حَسَنٍ قد شِينَ بمعرضهِ الَّذِي أُبْرِزَ فِيهِ.
وكَمْ من مَعْرضٍ حَسَنٍ قد ابْتُذِلَ على مَعْنىً قَبِيح ألْبِسَهُ.
وكَمْ من صَارم عَضْبٍ قد انتضَاهُ مَنْ وَدَدْتَ لَو أنَّهُ أمْضَاهُ. فَهَزَّه ثمَّ لم يَضْرِبْ بِهِ.
وكَمْ من جَوْهرةٍ نَفِيسَةٍ قد شِينَتْ بِقَرينَةٍ لَهَا بَعيدةٍ مِنْهَا، وأفْرِدَتْ عَن أخَواتها المُشَاكلاتِ لَهَا.
[ ١١ ]
وكَمْ من زائفٍ وبَهْرجٍ قد نَفَقا على نُقّادهِما، وَمن جَيِّدٍ نافقٍ قد بُهْرِجَ عِنْد البَصير بِنَقْدِهٍ فَنَفَاهُ سَهْوًا.
وكَمْ من زُبَرٍ للمعاني فِي حَشْو الْأَشْعَار لَا يَحْسُنُ أَن يُطَبِّعها غير العُلَماءِ بهَا والصياقلةِ للسُّيوف المَطْبُوعِة مِنْهَا.
وكَمْ من حكمةٍ غَريبةٍ قد ازْدُرِيتْ لرثَاثَةِ كِسْوتها، وَلَو جُلِبَتْ فِي غير لباسها ذَلِك لكَثُر المُشِيرونَ إِلَيْهَا.
وكَمْ من سقيمٍ من السَّعَر قد يَئِسَ طَبيبُهُ من برئه عُولج سَقَمُهُ فَعَاوَدَتْهُ سَلامتهُ.
(وكَمْ من صَحيحٍ جُنِيَ عَلَيْهِ فأرْدَاهُ حَيْنُهُ )
وَلَيْسَ يَخْلُو مَا أوْدَعْناهُ اختيَارَنا المُسَمَّى " تَهذيب الطّبْع " من بناءٍ إِن لم يَصْلُحْ لأنْ تَسْكُنَ الإنْهَامُ فِي ظِلَّهِ لم يَبْطُل أنْ يُنْتَفَعَ بنَقضِهِ فَيُعَدّ لبناءٍ يُحتَاج إِلَيْهِ.