والتَّشْبِيهَاتُ على ضُروبٍ مُخْتلَفَةٍ، فَمِنْهَا: تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ صُورةً وهيئةً.
وَمِنْهَا تَشْبِيهُهُ بِهِ مَعْنَى.
ومنهَا تَشْبيهُهُ بِهِ حَرَكَة وبطأً وسُرعَةً.
ومنهَا تَشْبيهُهُ بِهِ لونًا.
ومنهَا تَشْبيهُهُ بِهِ صَوتا
وَرُبمَا امتزجَتْ هَذِه الْمعَانِي بعضُها ببعضٍ، فَإِذا اتَّفَقَ فِي الشَّيءِ المُشَبَّهِ بالشَّيءِ مَعْنيان أَو ثلاثةُ مَعَانٍ من هَذِه الأوْصَاف قَويَ التَّشْبيهُ وتأكدَ الصَّدْقُ فِيهِ، وحَسُنَ الشِّعرُ بِهِ للشَّواهِد الكَثيرةِ المؤيِّدَةِ لَهُ.
فَأَما تَشْبِيهُ الشيءِ بالشِّيءِ صُورَة وهيئةً فكَقَوْل امْرِئ القَيْس.
[ ٢٥ ]
(كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا لدَىَ وَكْرِهَا العُنَّابُ والحشَفُ البَالي)
كقولهِ.
(كَأنَّ عُيُونَ الوَحْشِ حَوْلَ خِبَائِنَا وأرْحُلِنَا الجزعُ الَّذِي لم يُثَقَّبِ)
وكقول عَدِيِّ بن الرِّقَاع.
(تُزْجي أغَنَّ كأنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِ قَلَمٌ أصَابَ مِنَ الدَّواةِ مِدَادَهَا)
وأَمَّا تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ لَوْنًا وَصُورَة فكقول امْرِئ القَيْس يَصِفُ الدِّرعَ.
(وَمَشْدودَةُ السَّبكِ مَوضُونةٌ تَضَاءَلُ فِي الطَّيِّ كالمِبْرَدِ)
(تَفيضُ على المَرْءِ أرْدَانُهَا كَفَيْضِ الأتيِّ على الجَدْجَدِ)
[ ٢٦ ]
وكقَولِ النَّابغة:
(تَجْلُو بقَادِمَتَيْ حَمَامِة أيكَةٍ بَرَدًا أُسِفَّ لِثَاتُهُ بالإثْمِدِ)
(كالأُقْحُوانِ غَدَاةَ غِبِّ سَمَائهِ جَفَّتْ أعَاليهِ وأسْفْلُهُ نَدِي)
وكقول حُميد بن ثَوْر.
(على أنَّ سَحْقًا من رَمَادٍ كأنَّهُ حَصَى إثْمِدٍ بينَ الصَّلاءِ سَحِيقُ)
وأمَّا تَشْبْيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ صُورَة، ولَوْنًا، وحَرَكةً، وهَيْئةً، فكَقْولِ ذِي الُّرمة.
(مَا بَالُ عَيْنِكَ منهَا الماءُ يَنْسَكِبُ كأنَّهُ من كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ)
(وفراءَ غَرْفِيَّةٍ أثْأى خوارزُهَا مُشَلْشِلُ ضَيَّعَتْهُ بَينهَا الكُتَبُ)
[ ٢٧ ]
وكقَوْلِ الشَّمَّاخ.
(لِلَيْلَى بالعُنَيزةِ ضَوْءُ نَارٍ تَلُوحُ كأنَّهَا الشَّعرَى العَبُورُ)
(إِذا مَا قلتُ أَخْمَدَها زَهَاهَا سَوادُ اللَّيِل والرَّيحُ الدَّبورُ)
وكقَول ابْن [أخي] الشَّمَّاخ؛ وَهُوَ جَبَّارُ بن جَزْء.
(والشَّمْسُ كالمرآةِ فِي كفَّ الأَشَلّْ)
وكَقَوْلِ امْرِىء القَيْس.
(جَمَعْتُ رُدَيْنِيًّا كأنَّ سِنَانَهُ سَنَا لَهَبٍ لم يَتَّصِلْ بدُخَانِ)
[ ٢٨ ]
وكقَوْلِ لَيْلَى الأخْيَلِيَّة.
(قومٌ ربَاطُ الخَيْلِ وَسْطَ بيوتِهِم وأسِنَّةُ زَرَقُ يُخَلْنَ نُجُومَا)
وَأما تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ حَرَكةً، وهَيئْةً، فكقَوْلِ عَنْترة.
(وتَرَى الذَّبابَ بهَا يُغَنَّي وَحْدَهُ هَزِجًا كفِعْلِ الشَّارِبِ المُتَرَنَّمِ)
(غَرِدًا يَحُكُّ ذِراعَهُ بِذِرَاعِهِ قَدْحَ المُكِبَّ على الزَّنادِ الأجْذَمِ)
وكقَوْل الأعْشَى.
(غَرَّاءُ فَرْعَاءُ مَصْقولُ عوارِضُهَا تَمْشِي الهُوَيْنَى كَمَا يَمْشِي الوَجِي الوَحِلُ)
[ ٢٩ ]
(كأنَّ مِشُيَتَها من بَيْتِ جَارَتِهَا مَرُّ السَّحَابَةِ لَا رَيْثُ وَلَا عَجَلُ)
وكقَوْلِ حُمَيد بن ثَوُر. أرِقْتُ لِبَرقٍ أخِرَ اللّيْلِ يَلْمَعُ سَرَى دَائِبًا فِيهِ يَهُبُّ ويَهُجَعُ)
(دَنَا اللَّيلُ واسْتَنَّ اسُتِنَانًا رفيقُهُ كَمَا اسْتَنَّ فِي الغَابِ الحَرِيقُ المُشَيَّعُ)
وكقَوْلِهِ.
(خَفَا كاقْتِذاءِ الطَّيرِ واللَّيلُ مُدْبِرُ بُجْثمانهِ، والصُّبحُ قد كانَ يَسْطَعُ )
وكقَولِ ابْن هَرْمَة. تَرَى ظِلَّهَا عِنْد الرَّواحِ كأنَّهُ إِلَى دَفَّها رألُ يَخُبُّ جَنِيبُ)
[ ٣٠ ]
وكقَوْلِ الآخَر.
(يُضْحي بهَا الحِرْبَاءُ وَهُوَ كأنَّهُ خَصْمُ مُعِدُّ للخُصُومةِ مُوفِقُ)
وكقَوْلِ الآخر:
(كأنَّ أنوفَ الطيَّرِ فِي عَرَصَاتِهَا خَرَاطِيمُ أقلامٍ تَخُطُّ وتُعْجِمُ)
وأمَّا تشبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ؛ معنى لَا صُورَة فكتشبيه الجوادِ الكَثيرِ العَطَاءِ بالبَحْر والحَيَا.
وتَشْبيهِ الشُجَاعِ بالأسَدِ.
وتَشْبيهِ الجَميلِ البَاهِر الحَسَن الرَّواء بالشَّمس والقَمَر.
وتَشْبيهِ المَهِيبِ، الماضِي فِي الأمُور بالسَّيف.
وتَشْبيهِ العَالي الهِمَّةِ بالنَّجم.
وتَشْبيهِ الْحَلِيم الَّركين بالجَبَل.
وتَشْبيهِ الحَيِيَّ بالبكر.
وتَشْبيهِ الَعزيز، الصَّعب المرام، بالمُتَوقَّل فِي الْجبَال، والسَّامي فِي العُلُوَّ.
وتَشْبيهِ الفَائت بالحُلْم، وبأمسِ الذَّاهب.
وتَشْبيهِ أضْدادِ هَذِه المَعَاني بأشْكالها عَلَى هَذَا القِيَاس؛ كاللئيم بالكَلْب والجبان بالصفرد، والطائش بالفراش، والذليل بالنَّقد وبالوتد، والقاسي بالحديد والصَّخر.
[ ٣١ ]
وَقد فَازَ قومُ بخلال شُهروا بهَا من الخَيْر والشَّر، وصَارُوا أعلامًا فِيهَا، فَرُبما شُبَّه بهم فيكُونُونَ فِي الْمعَانِي الَّتِي احْتَووا عَلَيْهَا، وذُكِرُوا بشُهْرتها نُجُومًا يُقْتَدى بهم، وأعْلامًا يُشَار إِلَيْهِم؛ كالسَّموأل فِي الْوَفَاء، وحَاتمِ فِي السَّخاءِ والأحْنَفِ فِي الحِلْم، وسَحْبانَ فِي البَلاغة، وقُسًّ فِي الخَطَابة، ولقمانَ فِي الْحِكْمَة، فَهُم فِي التَّشْبِيه يُجْرَونَ مُجْرَى مَا قَدَّمنا ذِكْرَهُ من البَحْر والحَيَا، وَالشَّمْس وَالْقَمَر، وَالسيف، وَيكون التَّشْبِيه بهم مَدْحًا كالتشبيه بهَا.
وَكَذَلِكَ أضْدَادُ هَؤُلَاءِ؛ قومُ يُذَمُّون فِيهَا شُهروا بِهِ يُشَبَّهُ بهم فِي حَال الذَّم كَمَا يُشَبَّه بهؤلاء فِي حَال المَدْح كبَاقِلٍ فِي العِي، وَهَبَنَّقَةَ فِي الحُمُق، والكُسَعِيَّ فِي الندامة، والمَنْزوف ضَرطًا فِي الْجُبْن.
فالشَّاعِرُ الحاذِقُ يَمْزِجُ بَين هَذِه المَعَاني فِي التَّشْبِيهاتِ لِتَكُثُرَ شواهِدُهَا، ويتأكَّدَ حُسْنُها، ويَتَوَقَّى الِاخْتِصَار على ذكر الْمعَانِي الَّتِي يُغِيرُ عَلَيْهَا دونَ الإبدَاعِ فيهَا، والتَّلْطيِفِ لَهَا لئلاَّ يكونَ كالشَّيءِ المُعَادِ المَمْلُول.
فَمَا كانَ من التَّشُبيه صَادقًا قلتَ فِي وَصْفِهِ: كأنَّه، أَو قلتَ: كَكَذَا.
[ ٣٢ ]
وَمَا قاربَ الصَّدق قلتَ فِيهِ: تَراهُ أوُ تَخَالُه أوْ يَكَادُ. فَمن التَّشبيه الصَّادق قَولُ امرِيء القَيْس.
(نَظَرْتُ إِلَيْهَا والنُّجومُ كأنَّها مَصَابيحُ رُهْبانٍ تُشَبُّ لقُفَّالِ)
فَشَبَّهَ النجومَ بمصابِيِحِ رُهْبَانٍ لفرطِ ضِيَائها وتَعهُّدِ الرُّهْبَان لمصَابيحِهْم وقيامهِمْ عَلَيْهَا لتُزْهِرَ إِلَى الصُّبْح، فكذَلكَ النُّجومُ زَاهرةُ طُولَ الَّليلِ، وتَتَضاءَلُ للصَّبَاح كتَضَاؤلِ المَصَابيحِ لَهُ.
وَقَالَ: تُشَبُّ لقُفَّالِ
لأنَّ أحْيَاءَ العَرَب بالبَادِيِة إذَا قَفَلَتْ إِلَى مَوَضِعها الَّتِي تأوي إِلَيْهَا من مَصيفٍ إِلَى مَشْتىً، وَمن مَشْتىً إِلَى مَرْبع أَوقِدَتْ لَهَا نِيرانُ على قَدْر كَثرةِ مَنَازِلها وقِلَّتها ليهْتدُوا بهَا، فَشَبَّهَ النُّجومَ ومواقِعها من السَّماء بتَفَرِق تلكِ النِّيران واجتماعِهَا فِي مكانٍ بَعْدَ مكانٍ على حَسَب مَنَازِلَ القُفَّالِ من أحْيَاءِ العَرَبِ، ويُهْتَدَى بالنُّجوم كَمَا تَهْتدي القُفَّالِ بالنِّيران المُوقَدَةِ لَهُم.
[ ٣٣ ]
وَأما تَشْبيه الشَّيءِ بالشيءِ مَعْنًى لَا صُورَة فكَقَولِ النَّابِغَة.
(ألَمْ تَرَ أنَّ الله أعْطَاكَ سُورَة تَرَى كُلَّ مَلكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ)
(فإنَّكَ شَمْسُ والنُّجومُ كَواكِبُ إذَا طَلَعَتْ لم يَبْدُ مِنهُنَّ كوكَبُ)
وكقَوْلِه أَيْضا:
(فإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكي وإنْ خِلْتُ أنّ المُنْتَأى عَنْك واسِعُ)
خَطَاطيفُ حُجْنٍ فِي حبالٍ مَتِينَةٍ تُمَدُّ بهَا أيْدٍ إِلَيْك نَوازِعُ)
[ ٣٤ ]
وكقولِهِ:
(وإنَّكَ غَيْثُ يُنْعِشُ النَّاسَ سَيْبُهُ وسَيْفُ أُعِيرَتْهُ المَنِيَّةُ قاطِعُ )
وكقولِ الأعْشَى:
(كالهُنْدُوانيَّ لَا يُخْزِيكَ مَشْهَدُهُ وَسْطَ السُّيوف إِذا مَا تُضْرَبُ البُهَمُ)
[وكقَوْلِ المُسَيَّب بن عَلَس] .
(لَو كنتَ من شَيءٍ سِوَى بَشَرٍ كنت المُنِيرَ لِلْيلَةِ البدرِ)
(ولأنْتَ أجوْد بالعَطاءِ من الرَّيَّان لما جَادَ بالقَطْرِ)
(ولأنتَ أشجَعُ من أسَامةَ إذْ رَأبَ الصَّرِيخُ وَلُجَّ فِي الذُعْرِ)
(ولأنتَ أحْيَى من مُخَدَّرةٍ عَذْرَاءَ تَقْطنُ جَانب الخدْرِ)
[ ٣٥ ]
(وَلأنْتَ أبْيَنُ حينَ تَنْطِقُ مِنْ لُقْمَانَ لَمَّا عَيَّ بالمَكْر)
وكقول النَّابِغَةِ الجَعْديَّ:
(فَقَدْ بَلِيتُ وأفْنَانِي الزَّمانُ كَمَا يُفْني تَقَلُّبُ أقْطَار الرَّحى القُطُبَا)
وكقول الآخر:
(وكالسَّيفِ إنْ لايَنْتَهُ لاَنَ مَتْنُهُ وحَدَّاهُ إنْ خاشَنْتَهُ خَشِنَانِ)
وكقول الرَّاعي:
(فَمَا أمُّ عبد اللهِ إلاّ عَطِيَّةُ من اللهِ أعْطَاهَا امْرَءًا فَهُوَ شَاكِرُ)
(هيَ الشَّمْسُ وَافَاهَا الهِلالُ، بنوهُمَا نجومُ بآفاق السَّماءِ نظائرُ)
(تُذكَّرها المَعْروفَ وَهِي حَيِيَّةُ وذُو اللُّبَّ أَحْيَانًا مَعَ الحِلُم ذاكِرُ)
(كَمَا استقبلَتْ غيثًا جنوبُ ضَعِيفة ُ فأسْبَلَ رَيَّان الغَمامةِ مَاطِرُ)
وَأما تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ حَرَكةً، وبُطًْا، وسُرعةً، فكَقْولِ الرَّاعي.
[ ٣٦ ]
(كأنّ يَدَيْهَا بَعْدَمَا انضَمَّ بُدْنُها وَصَوَّبَ حادٍ بالرَّكابِ يَسُوقُ)
(يَدَا مَاتِحٍ عَجْلاتَ رخْوٍ ملاطُهُ لَهُ بكرةُ تَحْتَ الرَّشَاءِ فَلُوقُ)
وكقولِ امريء القَيْس:
(كأنّ الحَصَى من خَلْفهاَ وأمَامَهَا إِذا نَجَلَتْهُ رجلُها، حَذْفُ أعسَرا)
وكقولِ الآخَر:
(كأنَّما الرَّجْلانِ واليَدَانِ)
(طالَبتَا وتْرٍ وهَارِبَانِ)
كَقَوْل الأخْطَل:
(وهُنَّ عندَ اغتِرارِ القَومِ ثَورَتَها يَرْهَقْنَ مُجْتَمَعَ الأعنَاقِ والرُّكَبِ)
(منهنَّ ثُمَّتُ تَرمي قَذْفُ أرْجُلهَا إهذابَ أيدٍ بهَا يفَرِينَ كالعَذَبِ)
[ ٣٧ ]
(كَلَمْعِ أيْدي مَثاكيلٍ مُسَلَّبَةٍ يَنْعَيْنَ فِتْيَانَ ضَرسِ الدَّهرِ والخُطُبِ)
وكقَوْلِ حُمَيد بن ثَوْر:
(من كلَّ يَعُمُلَه يَظَلُّ زِمَامُهَا يَسعَى كَمَا هَرَبَ الشُّجَاعُ المُنْفَرُ)
وكقولِ الشَّمَّاخ فِي مثله:
(وكلَّهُنَّ يُبَاري ثِنْيَ مُطَّرِدٍ كحَيَّةِ الطَّوْدِ وَليَّ غَيْرَ مَطْرودِ)
وكقولِ امريء القَيْس:
(مِكَرًّ مِفَرًّ مُقْبلٍ مُدْبرٍ مَعًا كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ من عَلِ)
[ ٣٨ ]
وكقولهِ:
(أصَاحِ! تَرَى بَرْقًا أُريكَ وَمِيضُهُ كَلَمعِ اليَدَينِ فِي حَبِيًّ مُكَلَّلِ)
وأمَّا تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ لَوْنًا فكقَوْلِ الأعْشَى:
(وسَبِيئةٍ مِمَّا تُعَتَّقُ بَابِلُ كَدَمِ الذَّبيحِ سَلبْتُهَا جِرْيَالَهَا)
وكقولِ حُميد بن ثَوْر:
(والَّليْلُ قد ظَهَرتْ نَحِيزَتُهُ والشَّمْسُ فِي صَفْراءَ كالوَرُسِ)
[ ٣٩ ]
وكقولِ الشَّمَّاخ:
(إِذا مَا الَّليْلُ الصُّبْحُ فِيهِ أشَقَّ كَمَفْرِقِ الرَّأسِ الدَّهِينِ)
وكقولِ عَبيد بن الأبْرَص:
(يَا مَنْ لبَرْقٍ أبِيتُ الّليلَ أرْقُبهُ فِي عَارِضٍ كَمُضِيء الصُّبْحِ لَمَّاحِ)
وكقولِ زُهير:
(زَجَرْتُ عَلَيْهَا حُرَّةً أرْحَبِيَّةً وَقدْ صَارَ لونُ الليلِ مثلَ الأرَنْدَجِ)
وكقولِ امريء القَيْس:
(وليلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخَى سُدُولَهُ عَليَّ بأنْواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلي)
[ ٤٠ ]
وكَقَولِ بِشْر:
(كأنَّ سَنَا قَوَانِسِهِمْ ضِرَامُ مَرَتْهُ الرَّيحُ فِي أعلىَ يَفَاعِ)
وكَقَولِ كَعْب بن زُهَير:
(ولَيْلَةِ مُشْتْاقٍ كأنَّ نجومَهَا تَفَرَّقْنَ مِنْهَا فِي طَيَالِسَةٍ خُضْرِ)
وكقولِ ابْن هَرْمة:
(ولَيلٍ كسِربَالِ الغُرابِ ادَّرَعُتُهُ إِلَيْك كَمَا احْتَثَّ اليمامةَ أجُدَلُ)
[ ٤١ ]
وكقولِ ذِي الرُّمَّةِ:
(وَقَدْ لاحَ للسَّارِي الَّذِي كَمَّلَ السُّرَى عَلَى أَخْرَياتِ اللَّيل فَتقُ مُشَهَّرُ)
(كَلَونِ الحِصَانِ الأنْبطِ البَطنِ قائِمًا تَمَايَلَ عَنْهُ الجُلُّ واللَّوْنُ أشْقَرُ)
وَكَقَوْلِه:
(إلىَ أنْ يَشُقَّ اللَّيلَ وَرْدُ كأنَّهُ وَرَاءَ الدُّجَى هَادٍ أغَرَّ جوَادِ)
وَأما تشبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ صَوتا فكَقَولِ الشَّمَّاخ:
(أُجُدُ كأنّ صَرِيفَها بسَدِيسهَا فِي البيدِ جانحةً صَرِيرُ الأخْطَبِ)
[ ٤٢ ]
وكَقولِ الرَّعي:
(كَأَن دَوِيَّ النَّحْلِ تَحتَ ثِيابَها حَصَادُ السَّفا لاقَى الرَّياحَ الزَّعَازِعَا)
وكقولِ الشَّمَّاخِ:
(كأنّ نَهِيتَهُنَّ بِكُلَّ فَجًّ إِذا ارتَحَلوُا، تأوُّهُ نائِحَاتِ)
وكقولهِ:
(إِذا أنْبَضَ الرَّامُوُنَ عَنْها تَرَنَّمتْ تَرَنُّمَ ثَكْلَى أوْجَعَتْهَا الجَنَائزُ)
وكقولِ الأعشىَ:
(تَسمعُ للحَلْي وَسْواسًا إِذا انصَرَفَتْ كَمَا استَعَانَ بِرِيحٍ عِشْرِقُ زَجِلُ)
وأمَّا الابتدَاءُ بِمَا يُحِسُّ السَّامِعُ بِمَا يَنْقَادُ إليهِ القَولُ فِيهِ قَبلَ اسْتِتْمامِهِ فكقولِ النَّابِغَةِ:
[ ٤٣ ]
(إِذا مَا غَزَوْا بالجَيشِ حَلَّق فَوقَهْمْ عَصَائبُ طَيرٍ تَهْتَدِي بعَصَائِبِ)
فَقَدَّم فِي هَذَا البَيْتِ مَعْنَى مَا يُحَلَّقُ الطّيرُ من أجْلِهِ ثمَّ أوضَحَهُ بقَولِهِ:
(يُصاَحِبنَهُمْ حَتَّى يُغْرنَ مَغَارَهُمْ من الضَّارياتِ بالدماءِ الدَّواربِ)
(تَرَاهُنَ خَلْفَ القَومِ زُورًا كأنَهَا جُلوسُ الشُّيوخِ فِي مُسُوكِ الأرَانبِ)
(جَوَانِحَ قد أيقَنَّ أنَّ قَبيلَهُ إِذا مَا التَقَى الجَمَعانِ أولُ غَالِبِ)
(لهُنَّ عَلَيْهِمْ عَادَةُ قد عَرَفْنَهَا إذَا عَرَّضُوا الخَطَّيَّ [فَوْقَ] الكواثِبِ)
[ ٤٤ ]
وكقولِ الآخر:
(لَعَمْرُك مَا النَّاسُ أثْنَوْا عَليَكَ وَلَا مَدَحُوكَ وَلَا عَظَّمُوا)
(ولَو أنهُمْ وَجَدُوا مَسْلكًا إِلَى أنْ يَعِيبُوكَ مَا أحْجَمْوا)
فَقَدَّم مَعْنَى مَا سَاقَ إِلَيْهِ الابتَداءَ فَقَالَ فِي إتمامِهِ:
(ولكنْ صَبَرْتَ لِماَ ألزَمُوكَ وجَدْتَ بِمَا لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُ)
(فأنْتَ بِفَضْلكَ ألجَأتَهُمْ إِلَى أنْ يَقُولوا وأنْ يُعْظِمُوا)
وأمَّا التَّعريضُ الَّذِي يَنُوبُ عَن التَّصْريحِ، والاخْتِصارُ الَّذِي يَنُوبُ عَن الإطَالَةِ فكَقَولِ عَمْرو بن مَعْدِ يكرب.
(فَلَوْ أنَّ قَوْمي أنْطَقَتنْي رِمَاحُهُمْ نَطَقْتُ، ولكنَّ الرَّمَاحَ أجَرَّتِ!)
أَي: لَو أنَّ قومِي اعَتَنْوا فِي القِتَالِ وَصَدقُوا المصَاعَ، وطَعَنُوا أعداءهُمْ برماحِهِمْ فأنْطَقَتْني بِمَدْحِهم، وذِكّرِ حُسْنِ بلائهم:
[ ٤٥ ]
( . . نَطَقْتُ، ولكنَّ الرَّمَاحَ أجَرَّتِ!)
أَي: شَقَّتْ لساني كَمَا يُجَرُّ لسانُ الفَصِيِل؛ يُرِيدُ: أسكَتَتْني.
وكَقَولِ الآخرِ فِي مَعْناهُ:
(بَنِي عَمَّنا لَا تَذْكروا الشَّعْرَ بَعْدَمَا دَفَنْتُمْ بِصَحْراءِ الغُمَيرِ القَوَافِيَا)
وكقولِ قيس بن خويلد فِي ضِدَّه:
(وَكُنَّا أنَاسًا أنطَقَتَنا سُيُوفَنا لنا فِي لقَاءِ القَوم حدُّ وكوكبُ)
وكَقَولِ الآخر:
(لعَمْري لنِعْمَ الحَيُّ حَيُّ بني كَعْبِ إِذا نَزَلَ الخَلْخَالُ منزلةَ القُلْبِ)
يَقُول: إِذا ريعَتْ صاحبةُ الخَلخَال فأبدَتْ سَاقَهَا، وشَمَّرَتْ للهَرَب - والقٌ لبُ: السَّوارُ وتُبديه المرأةُ وتخفي الخَلْخَالَ إِذا لَبِسَتْهُمَا.
[ ٤٦ ]
وَقد قيلَ فِي مَعْنَى هَذَا البَيْتِ أَيْضا أنَّ الْمَرْأَة إِذا رِيعَتْ لَبِسَتِ الخَلْخَالَ فِي يَدِهَا دَهَشًا.
وكقَولِ حُمَيْد بن ثَوْر:
(أرَى بَصَري قَدْ رَابَني بعد صِحَّةٍ وحَسُبكَ دَاء أَن تَصِحَّ وتَسْلَمَا)
وكقولِ لَبِيد:
(تَمنَّى ابْنَتَايَ أنْ يَعِيشَ أبوهُمَا وهَل أَنا إلاَّ من رَبِيعَةَ أوْ مُضَرْ؟ !)
وَمِنَ الاخْتصَار قَولُ لَبيد:
(وَبَنو الدَيانِ أعدَاءُ لِلاَ وعَلَى ألْسُنِهمْ ذَلَّتْ نَعَمْ)
(زيَّنَتْ أحسَابُهُمْ أنسَابَهُمْ وكذاكَ الحِلمُ زَيْنُ للكَرَمْ)
[ ٤٧ ]
ومنَ المَدْحِ البَليِغِ المُوجَز قَوْلُ امريء القَيْسِ:
(وتَعْرفُ فِيهِ مِنَ أبيهِ شَمَائلًا ومِنْ خَالِهِ ومِنَ يَزِيدَ ومنْ حُجُرْ)
(سَمَاحةَ ذَا، وَبِرَّ ذَا، وَوَفَاء ذَا ونَائلَ ذَا؛ إِذا صَحَا وَإِذا سَكِرْ)
وكَقَولِ مُحَمَّد بن بَشِير الخَارِجَّي:
(يَا أيُهَا المُتَمنَّي أَن تَكونَ فَتىً مِثلَ ابنِ زَيدٍ لَقَدْ خَلَّى لكَ السُّبُلا)
[ ٤٨ ]
(أعْدُدْ نَظَائِرَ أخلاقٍ عُدِدْنَ لَهُ هَلْ سَبَّ من أحدٍ أَو سُبَّ أَو بَخِلاَ)
وكقولِ الآخر:
(عَلَّم الغيثَ النَّدى حَتَّى إِذا مَا حَكَاهُ عَلَّمَ البأسَ الأسَد)
(فَلَهُ الغَيْثُ مُقِرُّ بالنَّدَى وَله اللَّيثُ مُقِرُّ بالجَلَدْ)
وكقولِ الآخر:
(يَا مَن يؤمَّل أنْ تكونَ خِصَالُهُ كخِصَالِ عبد الله: أنصِتْ واسْمَعِ)
(فَلَا نَصَحْتُكَ فِي المَشُورةِ وَالَّذِي حَجَّ الحَجيجُ إِلَيْهِ فاقْبَلْ أودَعِ)
(اصدُقْ وعِفَّ وبرَّوا صْبِر واحتَمِلْ واحلمْ وكُفَّ ودَارِ واسْمحْ واشْجَعِ)
[ ٤٩ ]
وكقولِ الآخر:
(شَبَهُ الغَيثِ فِيهِ والليثِ والبَدْرِ فَسَمْحُ ومِحْرَبُ وجَميِلُ)
فهذهِ أمثلةُ لأنواعِ التَّشْبيهاتِ الَّتِي وَعَدْناَ شرحَهَا، [و] فِي كتاب " تَهذيبِ الطَّبْعِ " مَا يَسُدُّ الخَلَلَ الَّذِي فِيهَا وَيَأْتِي علىَ مَا أغْفَلْنا وَصْفَهُ، والاستِشهادَ بِهِ مِنْ هَذَا الفَنَّ إنْ شَاءَ اللهُ تَعالى.