ونَذْكرُ الآنَ أَمْثِلَة للأشعارِ المُحْكمةِ الوصفِ، المُسْتْوفاةِ المَعَاني، السَّلسِلةِ الألفاظِ، الحَسَنَةِ الدَّيباجةِ، وأمثِلةً لأضدَادهَا، ونُنَبَّهُ على الخَللِ الَواقعِ فِيهَا، ونَذْكُرُ الأبيات الَّتِي زَادَتْ قَريحةَ قَائِلهَا فِيهَا على عُقولِهم، والأبياتَ الَّتِي أغرَقَ قائِلوهَا فِيمَا ضمنوها من الْمعَانِي، والأبياتَ الَّتِي قَصَّروا فِيهَا عَن الغَايَاتِ الَّتِي جروا إِلَيْهَا فِي الفُنُونِ الَّتِي وَصَفًوها، والقَوافي القَلقَةِ فِي مَوَاضِعها، والقَوافي المتمكنة فِي مواقعها، والألفاظ المُسْتَكْرَهَة النَّافِرَة الشَّائِنَة للمعَاني الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا، والمَعَاني المُسْتَرْذَلّة الشَّائِنَة للألْفَاظ المَشْغُولة بهَا، والأبْيَات الرَّائِقَة سَمَاعًا الوَاهِيَة تَحْصِيلًا، والأبْيَات القَبِيحَة نَسْجا وَعبارَة العَجيبةِ معنى وَحِكْمَة وإصابةً، وأمثلةً لسَنَنِ العَرَب المستعملة
[ ٥٠ ]
بَينهَا الَّتِي لَا تُفْهَم مَعَانيها إلاَّ سَمَاعا؛ كإمْسَاكِ العَرَب عَن بكاءِ قَتْلاها حَتَّى تَطْلُبَ بثَأرِهَا، فَإِذا أدركَتْهُ بَكَتْ حينئذٍ قَتْلاها، وَفِي هَذَا المَعْنى [يَقُول الشَّاعر] .
(من كانَ مَسْرورًا بمقتل مَالكٍ فَلْيأتِ نِسْوَتَنَا بَوْجهِ نَهارِ)
(يَجِدِ النِّسَاء حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ يَلْطمنَ أوجُهَهُنَّ بالأسْحَارِ)
(قد كُنَّ يَكْنُنَّ الوُجُوهَ تَسَتُّرًا فَالْآن حِين بَرَزْنَ للنُّظّارِ)
[ ٥١ ]
يَقُول: من كانَ مَسْرورًا بمَقْتَل مَالِكٍ فليَسْتَدلَّ ببُكاءِ نسَائِنا ونَدْبِهِنَّ إياهُ على أنَّا قد أخّذْنا بثَأرِنَا، وقَتَلْنَا قاتِلَهُ.
وَكَكَيِّهم، إذَا أصَابَ العُرُّ والجَرَبُ، السِّلِيمَ مِنْهَا ليذهَبَ العُرُّ عَن السَّقيم، وَفِي ذَلِك يقولُ النَّابِغَةُ مُتَمثُلًا.
(لكفلتَني ذنبَ امريءٍ وتركْتَهُ كَذِي العُرِّ يُكوَى غَيرُهُ وَهُوَ رَاتِعُ)
وكحُكْمِهِمْ إذَا أحَبَّ الرجلُ مِنْهُم امْرَأَة وأحَبَّتْهُ فَلَمْ يَشُقَّ برقُعَهَا وتشقَّ هِيَ رداءهُ أنَّ حُبَّهُمَا يَفْسُدُ، وَإِذا فَعَلاهُ دَامَ أمْرُهُمَا، وَفِي ذَلِك يقولُ عَبْدُ بني الحَسْحاس.
(فكَمْ قد شَقَقْنا من ردَاءٍ مُحَبَّرٍ وَمن بُرْقُعٍ عَن طَفْلَةٍ غيرِ عَانِسِ
(إِذا شُقَّ بُرْدٌ شُقَّ بالبُرْدِ مثلُهُ دَوَالَيْكَ، حَتَّى كُلَّنَا غيرُ لَا بِسِ
[ ٥٢ ]
وكتعليقِهِمُ الحَلْيَ والجَلاجِلَ على السَّليم ليُفِيقَ، وَفِي ذَلِك يَقُولُ النَّابغة:
(يُسَهَّدَ من لَيْلِ التِّمام سَليمُهَا لِحَلْيِ النِّسَاء فِي يَدَيْه قَعَاقِعُ)
ويقولُ رَجُلٌ من عُذْرة:
(كأنِّي سَليمٌ نَالَهُ كَلْمُ حَيةٍ تُرَى حَوْلَهُ حَلْيُ النِّساءِ مُوَضَّعَا)
وكَفَقْئِهم عَيْنَ الفَحْل إذَا بَلَغَت إِبلُ أحَدِهِمْ ألْفًا، فإنْ زَادَتْ على أَلْفٍ فَقَأُوا العَيْنَ الأُخْرَى؛ يَقُولُونَ؛ إنَّ ذَلِكَ يَدْفَعُ عَنْهَا الغَارَةَ والعَيْنَ. وَفِي ذَلِك يَقُولُ قَائلُهُمْ؛ يَشْكُر رَبَّهُ على مَا وَهَب لَهُ:
(وَهَبْتَها وأَنَتَ ذُو امْتِنَانِ )
(تُفْقَأُ فِيهَا أَعْيُنُ البُعرانِ )
[ ٥٣ ]
وَقَالَ بعضُ العَربَ ممَّنْ أدرَكَ الإِسلام يذكُرُ أفعالَهُمْ
(وكانَ شُكْرُ القَوْم عِندَ المِنَنِ )
(كيَّ الصَّحِيحَات وفَقْأَ الأَعْيُنِ )
وكَسَقْيهمُ العَاشقَ الماءَ على خَرزةٍ تُسمَى السُّلوان فَيَسْلو، فَفِي ذَلِك يَقُول الْقَائِل.
(يَا لَيْتَ أنَّ لِقَلْبِي مَنْ يُعلَّلُهُ أَو سَاقِيًا فسَقَاهُ اليومَ سُلْوانَا)
وَقَالَ آخر:
(شَرِبْتُ على سُلْوانةٍ ماءَ مُزْنةٍ فَلَا وجَديدِ العَيْشِ يَا مَيُّ مَا أسْلُو)
وكإيقَادِهمٍ خَلْفَ المُسَافِرِ الَّذِي لَا يُحِبُّون رُجُوعَهُ نَارًا ويَقُولونَ: أَبْعَدَهُ اللهُ وأسْحَقَهُ، وأوْقَدَ نَارًا إثْرَهُ.
وَفِي ذَلِك يَقُولُ شَاعِرُهُمْ:
(وذمَّةِ أقوامٍ حَمَلْتَ وَلم تَكُنْ لتوقِدَ نَارا إثَرَهُمْ للتَّنَدُّمِ)
[ ٥٤ ]
وكضَرْبِهمُ الثَّوْرَ إذَا امتَنَعتِ البَقَرُ من المَاءِ ﴿يَقُولُونَ: إنَّ الجنَّ تركَبُ الثيرانَ فَتَصُدُّ البَقَرَ عَن الشُّرْبِ﴾ قَالَ الأَعْشَى.
(فَأَنِّي وَمَا كَلّفتموني وربِّكم لِيَعْلَمَ من أمْسىَ أعَقَّ وأحْوَباَ)
(لكالثَّورِ والجِنَّيُّ يركَبُ ظَهْرَهُ وَمَا ذَنْبُهُ أنْ عافَتِ الماءَ مَشْرَبَا)
(وَمَا ذَنْبُهُ أنْ عافَتِ الماءَ باقِرٌ وَمَا إنْ تَعَافُ الماءَ إلاَّ ليُضْرَبا)
وَقَالَ نَهْشَل بن حَرِّي:
[ ٥٥ ]
(أتُتْرَكُ عَامِرٌ وَبَنُو عَدِيٍّ وتَغْرَم دَارِمٌ وهُمُ بَراءُ؟ !)
(كذاكَ الثَّوْرُ يُضْرَبُ بالهَرَاوَى إذَا مَا عَافَتِ البَقَرُ الظْماءُ)
وكزَعْمهم أنّ المِقْلاتَ - وَهِي الَّتِي لَا يَبْقَى لَهَا وَلَدٌ - إِذا وَطئتْ قَتيلًا شَريفًا بَقِي وَلَدُهَا وَفِي ذَلِك يَقُولُ الْقَائِل:
(تَظَلٌّ مَقَاليتُ النِّسَاءِ يَطَأنَهُ يَقُلْنَ: ألاَ يُلْقَى على المَرْءِ مِيَزرُ؟)
وَقَالَ الكميتُ بن زيد:
(وتظلَّ المُرزَّآت المقاليتُ يُطِلْنَ القعودَ بَعْدَ القِيَام)
وإِنَّما تفعل النِّسَاء ذَلِك بالشَّريف إِذَا كانَ مَقْتولًا غَدْرًا أوْ قُوَّةً.
[ ٥٦ ]
وكزَعْمِهمْ أنّ الرَّجُلَ إِذا خَدَرتْ رِجْلُه فَذكر أحَبَّ النَّاس إِلَيْهِ ذَهَب عَنهُ الخَدَرُ، وَقَالَ كُثِّير:
(إذَا خَدِرَتْ رِجْلي ذكَرْتُكِ أشْتَفِي بدَعْوَاكِ من مَذْلٍ بهَا فَيَهُون)
وقَاَلتِ امْرَأَة من بني أبي بَكْرِ بكر بن كلاب.
(إِذا خَدِرَتْ رِجْلي ذَكَرْتُ ابنَ مُصعْبَ فإنْ قلتُ: عبد الله أَجْلَى فُتورَهَا)
وقالَ آخر]:
(صَبٌّ مُحِبّ إِذَا مَا رِجْلُهُ خَدِرَتْ نادَى كُبَيْسَةَ حَتَّى يذْهَبَ الخَدَرُ)
[ ٥٧ ]
وكَحَذْفِ الصَّبِّي مِنْهُم [سِنَّهُ]، إِذَا سَقَطَتْ، فِي عَيْن الشِّمس وقولهِ: أبْدليني بهَا أَحْسَنَ مِنْهَا، ولْيَجْرِ فِي ظلَمِهَا إياتُكِ.
وزَعَمَ العَرَبُ أَن الصَّبِيَّ إِذَا فَعَل ذَلِك لم تَنْبُت أسنانُهُ عُوجًا وَلَا ثُعْلًا! وقَالَ طَرَفَةُ بن العَبَدْ فِي ذَلِك:
(بدَّلَتْهُ الشَّمْسُ من مَنْبِتهِ بَرَدًا أبْيَضَ مَصْقُولَ الأشَرْ)
وَقَالَ أَيْضا:
(سقَتَهُ إياةُ الشمسِ إِلاَّ لِثَاتِهٍ أَسِفَّ وَلم تكْدِمْ عليهِ بإثْمِدِ)
وَقَالَ أَبُو دُؤاد:
[ ٥٨ ]
( . ألْقى عليهِ إيَاةُ الشَّمس أروْاقًا])
وكزَعْمِهِمْ أنَّ المَهْقُوعَ - وَهُوَ الفَرسُ الَّذِي بِهِ هَقْعَةٌ؛ وَهِي دائرةٌ تكون بالفَرَس، فَيُقَال فَرَسٌ مَهْقُوع - إِذا ركبَهُ رَجُلٌ فَعَرِقَ الفرسُ اغْتَلَمتِ امرأتُهُ وطَمَحَتْ إِلَى غير بَعْلها!
وَقَالَ بعضُ العَرَب لصَاحِبِ فَرَسٍ مَهْقوع:
(إِذا عَرِق المَهْقُوعُ بالمَرْءِ أنْعَظَتُ حَلِيلَتُهُ وازْدَادَ حَرًّا عِجَانُهَا)
[ ٥٩ ]
فأجَابَهُ:
(وَقد يركَبُ المَهْقُوع من لستَ مثلَهُ وَقد يركَبُ المَهْقُوعَ زَوْجُ حَصَانِ)
وكَعقْدِهمُ السَّلَعَ والعُشَر فِي أَذنابِ الثِّيرانِ، وإضرْامِهِمُ النِّيرانَ فِيهَا وإصْعَادِهِم إِيَّاهَا على تِلْكَ الحَالةِ فِي جَبَلٍ؛ يَسْتَسْقون بذلك، ويَدْعُون الله، وَهَذَا إِذا حَبَسَتِ السَّماءُ قَطْرَهَا. وَفِي ذَلِك يَقُول أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْت:
(سَنَةٌ أزْمَةٌ تَخَيَّلُ بالنَّاسِ تَرَى للعِضَاةِ فِيهَا صَرِيرَا)
(لَا على كَوْكَبٍ تنوءُ وَلَا رِيحِ جَنُوبٍ وَلَا تَرَى طُحرورَا)
(وَيَسُوقونَ بَاقِرَ السَّهلِ للطَّودِ مَهَازِيلَ خَشْيةً أنْ تَبُورَا)
(سَلَعٌ مَا ومِثْلُهُ عُشَرٌ مَا عَائِلٌ مَا وعَالَتِ البَيْقُورَا)
[ ٦٠ ]
أيْ: أُثْقِلَت البَقَرُ بِمَا حُمِّلَتْ من السَلَعِ والعُشَر.
وَفي هَذَا المَعْنَى للوَرلِ الطَائِيِّ:
(لَا دَرَّ دَرُّ رجَالٍ خَابَ سَعْيُهمُ يَسْتَمطِرُون لَدَي الأزْمات بالعُشَرِ)
(أجاعِلٌ أنتَ بَيْقورًا مُسَلَّعَةً ذَرِيعةً لَك بَين اللهِ والمَطَرِ)
وكَزَعْمِهم أنَّ من وُلِدَ فِي القَمَرِ رجَعَتْ قُلْفَتُهُ إِلَى وراءَ فَكَانَ كالمَختُونِ. ودَخَل امرؤُ القَيْس مَعَ قَيْصر الحَمَّامَ، فرآهُ أقْلَفَ فَقَالَ فِيهِ:
[ ٦١ ]
(إِنِّي حَلَفْتُ يَمِينا غير كَاذِبةٍ أَنَّك أقْلَفُ إلاّ مَا جَنَى القَمَرُ)
(إِذا طَعَنْتَ بهِ مَالَتْ عِمَامَتُهُ كَمَا تَجَمَّعَ تحتَ الفِلكَةِ الوَبُر)
وكَعَقْدِهِمْ خَيْطًا، يُسَمّونَهُ الرَّتَمَ، فِي غُصْنِ شَجَرةٍ أَو سَاقِهَا إِذا سَافَرَ أحَدُهُمْ، وتَفَقّدِ ذَلِك الخَيْط عِنْد رُجوعِ المُسافِر مِنْهُم، فَإِذا وَجَدهُ على حَالِهِ قَضَى بأنَّ أَهْلَهُ لم تَخُنْهُ، وإنْ رآهُ قد حُلَّ حكمَ بِأَنَّهَا قد خانَتْهُ وأَنْشِدَ فِي هَذَا المَعْنَى:
(هَلْ يَنْفَعَنْكَ اليَوْمَ إنْ هَمَّتْ بِهَمّ )
(كَثَرةُ مَا تُوصِي وتَعْقَادُ الرَّتَمْ )
وَفِي مَعْناهُ أَيْضا:
(خَانَتْهُ لمَّا رأتْ شَيْبًا بَمفْرقِهِ وغَرَّهُ حَلْفُها والعَقْدُ والرَّتَمُ)
وَقَالَ الرَّاجزُ:
[ ٦٢ ]
(بِهِ مِنَ الهَوَى لَمَمْ )
(وَهمَّهُ عَقْدُ الرَّتَمْ )
وكزَعْمِهم أنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ قَريةٍ، فَخَافَ وَبَاءهَا، فوَقَفَ على بَابِهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها فَعَشَّر كَمَا يَنْهِقُ ثمَّ دَخَلَهَا لم يُصِبْهُ وَبَاؤهَا:
وقَالَ عُرْوَةُ بن الوَرْد فِي ذَلِك - وكانَ خَرَجَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ إِلَى خَيْبَر يَمْتَارُونَ مِنْهَا فَخَافُوا وباءهَا فَعَشَّروا، وأبَى عُروَةُ أنْ يَفْعَلَ، فَلمَّا دَخلُوهَا، وامْتَارُوا، وانْصَرَفُوا إِلَى بلادِهِمْ لم يَبْلُغُوا مكانَهُمْ إلاَّ وعَامَّتُهُمْ مَرِيضٌ أوْ مَيِّتٌ إِلَّا عُرْوَةٌ، فَقَالَ:
(لَعَمْري لَئِن عَشَّرْتُ من خَشْيَةِ الرَّدَى نهاق الحَمير إنَّني لجَزُوعُ)
(فَلاَ وَألَتْ تِلْكَ النُّفُوسُ وَلَا أتَتْ على رَوْضَةِ الأجْدادِ وَهِي جَميعُ)
[ ٦٣ ]
وكزَعْمِهم أنَّ من عَلّقَ على نَفْسِهِ كَعْبَ أرْنَبٍ لم تَقْرَبْهُ الجِنُّ. وَفِي ذَلِك يَقُول الشَّاعِرُ:
(وَلَا يَنْفَعُ التَّعْشِيرُ إنْ حُمَّ واقِعٌ وَلَا دَعْدَعٌ يُغْني وَلَا كَعْبُ أرْنَبِ)
[قَالَ ابنُ الأعْرابي: قلتُ لزيد بن كَثْوة] (أَحَقٌ مَا يَقُولُونَ: إنَّ) مَنْ عَلَّق على نَفْسِه كَعْبَ أرْنَبِ لم تَقْربْهُ جِنَّان الحيّ، وعُمَّار الدَّار؟، فَقَالَ: أَي واللهِ، وشَيْطانُ الحَماطِة، وجَانُّ العُشَرَةِ، وغولُ القَفْر وكلُّ الخَوَافي. إِي وَالله! وتُطْفَأُ عَنهُ
[ ٦٤ ]
نيرانُ السَّعَالي وتَبُوخ.
وكزَعْمِهمْ إِذَا أرادَتْ جِنيّةٌ صَبِيَّ قَوْمٍ فَلم تَقْدِرْ عَلَيْهِ لما عَلَيْهِ من سِنِّ ثَعْلبٍ أَو سِنِّ هِرَّةٍ، وأشبَاهِ ذَلِك، فلمَّا رجَعَتْ إِلَى صَوَاحِبَاتِهَا قُلْن لَهَا فِي ذَلِك، فَقَالَت:
(كانَتْ عَلَيْهِ نُفَرَةْ )
(ثَعَالبٌ وهِرَرَةْ )
(والحَيْضُ حَيْضُ السَّمُرَةْ )
وحَيْضُ السَّمُرَة: شَيْءٌ يَسِيلُ فِي حُمْرة دَمٍ الغَزَال، فَإِذا يَبِسَ كانَ أسْوَدَ فَإِذا دِيفَ بالماءِ عَادَ أحْمَرَ مَا كَانَ ذَلِك يُزَايلُ صِبيانَهُمْ [؟]، حِين تَلِدُ المرأةُ تَخُطُّ بِهِ وَجهَ الصَّبيِّ ورأسَهُ، ويُنْقَطُ بِهِ وَجْهُ أمِّه؛ تُسَمِّيه نُقْطَةَ الماءِ. واسْمُ هَذَا الخَطِّ الدُّوَدِمُ] .
[ ٦٥ ]
فَهَذهِ الأبْيَاتُ لَا تُفْهَمُ مَعَانيهَا إِلَّا سَماعًا. ورُبَّما كانَتْ لَهَا نَظَائرُ فِي أشعْارِ المُحْدثينَ من وَصْفِ أشْيَاءَ تَعْرضُ فِي حَالاتٍ غامِضَةٍ؛ إِذَا لم تَكُن المعرفَةُ بهَا مُتَقَدِّمةً عَسُرَ اسِتنْبَاطُ مَعَانيها، واسْتُبْرِدَ المَسْمُوعُ مِنْهَا كَقَوْلِ أبي تَمام:
(تِسْعُون ألفا كأسادِ الشَّرى نَضِجَتْ أعْمَارُهُمْ قَبْلَ نُضْجِ التِّين والعِنَبِ
وكَانَ القومُ الَّذين وَصفَهُمْ يَتَواعَدوُن الجَيْشَ الَّذِي كَانَ بإزائِهم بالقتالِ، وأنّ مِيعادَ فَنَائِهم وَقْتُ نُضْجِ التِّين والعِنَبِ - وَكَانَت مدةُ ذَلِك قريبَة فِي ذَلِك الوَقْت - فَلَمَّا ظُفِرَ بهم حَكَى الطَّائيُّ قولَهُمْ على جِهَةِ التَّقريعِ والشَّماتة. وَلَوْلَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنى لكانَ مَا أوردَه من أبْرَدِ الكَلام وأغَثِّهِ. على أنَّ قَوْله:
( . . نَضِجَتْ أعْمَارُهُمْ )
(لَيْسَ بمُسْتَحْسَنٍ وَلَا مَقْبُولٍ
[ ٦٦ ]