وإذَا تَنَاوَلَ الشَّاعِرُ المَعَانِي الَّتِي سُبِقَ إليهَا فأبْرَزَهَا فِي أحْسَنَ من الكِسْوَة الَّتِي عَلَيْهَا لَمْ يُعبْ بل وَجَبَ لَهُ فَضْلُ لُطْفِهِ وإحْسَانِهِ فِيهِ
كقَوْلِ أبي نُوَاس:
(وإنْ جَرَتِ الألْفَاظُ مِنَّا بِمدْحَةٍ لغَيْرِكَ إنْسَانًا فأنْتَ الَّذِي نَعْني)
أخَذَه من الأحْوص حَيْثُ يَقُول:
(مَتَى مَا أقُلْ فِي آخر الدَّهْر مِدْحَةً فَمَا هِيَ إلاَّ لابِن لَيْلَى المُكَرَّمِ)
وكقَوْلِ دِعْبِل:
(أحِبُّ الشَّيْبَ لمَّا قِيلَ ضَيْفُ لحُبِّي للضُّيوف النَّازلينَا)
[ ١٢٣ ]
أخَذَهُ من قَوْلِ الأحْوَص أَيْضا حيثُ يَقُول:
(فَبَانَ مِنِّي شَبَابي بَعْدَ لَذَّتِهِ كأنَّما كانَ ضيفًا نازلًا رَحَلاَ)
وكَقول دِعْبِل أَيْضا:
(لَا تَعْجَبي يَا سَلْمُ من رَجُلٍ ضَحِكَ المَشِيبُ برأسِهِ فَبَكىَ)
أخذَهُ من قَوْلِ الحُسَين بن مُطَير:
(كُلُّ يَوْمٍ بأُقْحُوَانٍ جَدِيدٍ تَضْحَكُ الأرْضُ من بُكاءِ السَّماءِ)
وَكَقْولِ أبي نُواس:
(تَدُورُ عَلْينَا الَّراحُ فِي عَسْجِدِيَّةٍ حَبَتْهَا بأنواعِ التَّصَاويرِ فارِسُ)
[ ١٢٤ ]
(قَرارَتُها كِسْرى وَفِي جَنَباتِهَا مَهًا تَدَّريها بالقِسَّي الفَوارِسُ)
فللخَمْرِ مَا زُرَّتْ عَلَيْهِ جُيُوبُها وللمَاءِ مَا حازَتْ عليهِ القَلانِسُ)
أخذَه أَبُو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمد بن يَحْيى الْكَاتِب فَقَالَ:
(ومُدَامةٍ لاتَبْتَغي من رَبَّة أحدُ، حَبَاهُ بهَا لَدَيهِ مَزِيداَ)
(قد صُفَّ فِي كاسَاتِهَا صُوَرُ حَكَتْ للشَّاربينَ بهَا كَواكِبِ غِيدَا)
[ ١٢٥ ]
(فَإِذا جَرَى المِزَاجُ تَقَسَّمَتْ ذَهَبًا ودُرًَّا تَوأمًا وفَرِيدا)
(فَكأنَّهُنَّ لَبِسْنَ ذاكَ مَجَاسِدًا وجَعَلْنَ ذَا لنحُورِهِنَّ عُقُودا)
فَهَذَا من أبْدَعِ مَا قِيلَ فِي هَذَا وأحْسَنِهِ:
ويَحتَاجُ من سَلكَ هَذِه السَّبيل إِلَى إلطَافِ الحِيلة، وتَدْقيق النَّظر فِي تنَاول المَعَاني واستعَارِتها وتَلْبيسِها حتَّى تَخْفَى على نُقَّادِهَا والبَصَراءِ بهَا، ويَنْفَرد بِشُهرَتِهَا كأنَّهُ غَيُرُ مَسْبُوقٍ إِلَيْهَا؛ فيَسْتْعْمِلُ المَعَاني المَأخُوذَةَ فِي غَيْر الجِنْسِ الَّذِي تَنَاولَهَا مِنهُ، فَإِذا وَجَدَ مَعْنىً لطيفًا فِي تَشْبيبٍ أَو غَزَلٍ استَعْمَلَهُ فِي المَديح، وإنْ وَجَدَهُ فِي المَدِيحِ اسْتَعْمَلَهُ فِي الهِجَاءِ، وإنْ وجَدَهُ فِي وَصْفِ ناقَةٍ أَو فَرَسٍ اسْتَعْمَلَهُ فِي وَصْفِ الإنْسَان، وإنْ وَجَدَهُ فِي وَصْفِ إنسانٍ اسْتَعْمَلَهُ فِي وَصْفِ بَهِيَمةٍ، فإنَّ عَكَس المَعَاني على اختلافِ وُجُوهِها غير مُتَعَذَّرٍ على مَنْ أحْسَنَ عَكْسَها واستِعمالها فِي الأبوابِ الَّتِي يُحتَاجُ إِلَيْهَا.
وَإِن وَجَد المَعْني اللَّطيفَ فِي المَنْثُورِ من الكَلاَم، وَفِي الخُطَب والرَّسَائلِ والأمثال، فَتَناوَلَهُ وَجعله شِعْرًا كانَ أَخْفَى وأحْسَنَ، ويَكُونُ ذَلِك كالصَّائغِ الَّذِي يُذيبُ الذَّهَبَ والفِضَّةِ المَصُوغَيْنِ فَيُعِدُ صِيَاغَتَهُمَا بأحْسَنَ مِمَّا كَاَنا عليهِ، وكالصَّباغِ الَّذِي يَصبَغُ الثَّوْبَ على مَا رَأى من الأصباغِ الحَسَنةِ؛ فَإِذا أبْرَزَ
[ ١٢٦ ]
الصَّائِغُ مَا صَاغَهُ فِي غَيْرِ الهَيْئة الَّتِي عُهِدَ عَلَيْهَا، وأظْهَرَ الصَبَّاغُ مَا صَبَغَهُ على غَيْرِ اللُّونِ الَّذِي عُهِدَ قَبْلُ، الَتَبَسَ الأمْرُ فِي المَصُوغِ وَفِي المصْبُوغِ على رائيهما، فَكَذَلِك المَعَاني وأخْذُهَا واستِعْماُلهَا فِي الأشْعَار على اختِلافِ فُنُونِ القَوْل فِيهَا.
قِيلَ للعَتَّابي: بِمَاذَا قَدرْتَ على البَلاَغة؟ فَقَالَ: بِحَلِّ مَعْقُودِ الْكَلَام!
فالشِّعرُ رسائِلُ مَعْقودَةٌ، والرَّسَائلُ شِعْرٌ مَحلولٌ، وَإِذا فَتَّشْتَ أشْعَارَ الشُّعَراءِ كُلَّهَا وَجَدْتَهَا مُتَنَاسِبَةً إِمَّا تَنَاسُبًا قَرِيبًا أوْ بَعيدا، وتَجِدُها مناسِبَةً لكلامِ الخُطَبَاءِ، وخُطَبِ البُلغَاءِ وفِقَرِ الحكماءِ،
وسَنَذَكُرُ من ذَلِك مَا يَكوُنُ شَاهدا على مَا نقُول:
من ذَلِك أنَّ عَطَاءَ بِنَ أبي صَيْفي الثَّقَفِي دَخَل على يَزيد بن مُعاوية فَعَزَّاهُ عَن أبيهِ وهَنَّأهُ بالخِلاَفِةِ، وهُوَ أوَّلُ من عَزَّى وهَنَّأ فِي مَقَامٍ واحِدٍ، فَقَالَ: أصْبَحَتَ رُزِيت خَلِيفَةَ الله، وأُعْطِيتَ خِلافَةَ اللهِ؛ قَضَى مُعَاويةُ نَحْبَهُ فيَغْفرُ اللهُ لَهُ ذَنْبَهُ، وَوَلِيتَ الرِّئاسَةَ
[ ١٢٧ ]
وكُنْتُ أَحَقَّ بالسَّياسَةِ، فاشْكُرِ اللهُ على عَظِيمِ العَطِيَّةِ، واحْتسِبْ عِنْد اللهِ جَليلَ الرَّزِيَّة، وأعْظَمَ اللهُ فِي مُعَاويةَ أجرَك، وأجْزَلَ على الخِلافةِ عَوْنَك.
فأخَذَهُ أَبُو دُلاَمَة فقَالَ يَرْثي المَنْصُورَ ويمْدَحُ المَهْدِيَّ:
(عَيْنَايَ؛ واحِدةٌ تُرىَ مَسْرورةً بإمَامِهَا جَذْلَى، وأخْرَى تَذْرِفُ)
(تَبْكي، وتَضْحَكُ تَارَة فَيَسُوؤهَا مَا أنْكَرَتْ، ويَسُرُّهَا مَا تَعْرِفُ)
(فَيَسُوؤهَا مَوْتُ الخَلِيفَة أوَّلًا ويَسُرُّهَا أنْ قَامَ هَذَا الأرْأفُ)
(مَا إنْ سَمِعْتُ وَلَا رَأيْتُ كَمَا أرَىَ شَعْرًا أرَجِّلُهُ، وآخَرَ أنْتِفُ)
[ ١٢٨ ]
(هَلَكَ الخَلِيفَةُ يَالَ أمَّة أحْمدٍ وأتاكُمُ من بَعْدِهِ مَنْ يَخْلِفُ)
(أهْدَىَ لهذَا اللهُ فَضْلَ خِلافَةٍ ولذَاكَ جَنَّاتُ النَّعِيمِ وَزُخْرفُ)
(فابْكُوا لمَصْرَعِ خَيْرِكُمْ وَوَلِيَّكُم واسْتَبْشِرُوا بِقيَام ذَا وتَشَرَّفوا)
فأخَذَهُ أَبُو الشِّيصِ فَقَالَ يَرْثي الرَّشيدَ ويمدَحُ المَخْلوعَ:
(جَرَتْ جَوارٍ بالسَّعْدِ والنَّحْسِ فَنَحْنُ فِي وَحْشَةٍ وَفِي أنْسِ)
(فالعَيْنُ تَبْكي، والسِّنُّ ضَاحِكَةٌ فَنَحْنُ فِي مَأتِمٍ وَفِي عُرْسِ)
[ ١٢٩ ]
(يُضْحِكُنَا القَائِمُ الأمِينُ و ويَبْكِينَا وَفَاةُ الإمَامِ بالأمْسِ)
(بَدْرَانِ هَذَا أمْسَى بِبَغْداذ فِي الخُلْدِ وهَذَا بِطُوسَ فِي رَمْس)
ِ
وَلما مَاتَ الإسكندرُ نَدَبَهُ أرسطَاطَالِيسُ فَقَالَ: طَالمَا كانَ هَذَا الشَّخْصُ واعِظًا بَلِيغًا، وَمَا وَعَظَ بِكَلامِهِ موعِظَةً قَطَّ أبْلَغَ من وَعْظَتِهِ بسُكوتِه!
فأخَذَهُ صَالح بن عبد القُدُّوس فَقَالَ:
(ويُنَادُونَهُ وقَدْ صُمَّ عَنْهُمْ ثمَّ قَالُوا، وللنِّسَاءِ نَحِيبُ)
(مَا الَّذِي عَاقَ أنْ تَرُدَّ جَوَابًا أَيُّهَا المِقْوَلُ الألَدُّ الخصيبُ)
[ ١٣٠ ]
(إنْ تَكُنْ لَا تُطِيقُ رَجْعَ جوابٍ فَبِمَا قَدْ تُرَى وأنْتَ خَطِيبُ)
(ذُو عِظَاتٍ وَمَا وَعَظْتَ بِشَيءٍ مِثَل وَعْظِ السُّكوت إذْ لَا تُجِيبُ)
فاخْتصَرَهُ أَبُو العَتَاهِيةِ فِي بَيْتٍ فَقَالَ:
(وكانَتْ فِي حَيَاتِكَ لي عِظَاتٌ فأنْتَ اليَوْمَ أوْعَظُ مِنْكَ حَيَّا)
وقالَ ابنُ عائشَةَ: انصرَفْتُ من مَجْلِسِ حَمَّادِ بن سَلمَةَ، فَقَالَ لي أبي: مَا حَدَّثكُمْ حَمَّادٍ؟ فقلْتُ: حَدَّثنا أنَّ النَّبِيَّ -[ﷺ]- قَالَ: لَوْ لَمْ يُلْفَ ابنُ آدَمَ إلاَّ عَلَى الصِّحَّةِ والسَّلامَةِ لكَفَى بهما دَاءً.
فَقَالَ أبي: قاتَلَ الله حُمَيْدَ بنَ ثَورٍ حَيْثُ يَقُول:
(أرَى بَصَرِي قد خَانَني بعد صِحَّةٍ وحَسْبُكَ دَاء أنْ تَصِحَّ وتَسْلَمَا)
وَللَّه دَرُّ النَّمِر بن تَوْلَب حَيْثُ يَقُول:
[ ١٣١ ]
(كانَتْ قَنَاني لَا تَلِينُ لغَامزٍ فألاَنَها الإصبَاحُ والإمْسَاءُ)
(ودَعَوْتُ ربِّي بالسَّلامَةِ جَاهِدًا ليُصِحَّني، فإذَا السَّلامَةُ دَاءُ)
وحَيْثُ يَقُولُ أَيْضا:
(يَوَدُّ الفَتى طُولَ السَّلامة جَاهِدًا فكَيْفَ تَرَى طُولَ السَّلامةِ يَفْعَلُ)
وللهِ درُّ القَائِل:
(لَا يُعْجَبُ المَرْءَ أنْ يُقَالَ لَهُ أمْسَى فُلانٌ لأهِلِهِ حَكَمًَا)
(إِن سَرَّهُ طُولُ عَيْشِهِ فَلَقَدْ أضْحَى على الوَجْهَ طُولَ مَا سَلِمَا)
فَسَمِعَ مَحْمودٌ الوَراقُ هَذِه الأبْيَات فَقَال:
(يَهْوَى البَقَاءَ فإنْ مُدَّ البَقَاءُ لَهُ وسَاعَدَتْ نَفْسَهُ فِيهَا أمَانِيهَا)
[ ١٣٢ ]
(أبْقَى البَقَاءُ لَهُ فِي نَفْسِهِ شُغُلًا لما يَرَى من تَصَارِيف البِلَى فيهَا)
فأخذَهُ عبد الصَّمد بن المُعَذَّل فَقَال:
(يَهْوَى البَقَاءَ رَهْبَةَ الفَنَاء )
(وإنَّمَا يَفُنى من البَقَاءِ )
ورُبَّما أحْسَنَ الشَّاعِرُ فِي مَعْنَي يُبْدِعُهُ فيكرِّرُهُ فِي شِعْرِهِ على عبارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وإذَا انقَلَبَتِ الحَالَةُ الَّتِي يَصِفُ فِيهَا مَا يَصِفُ قَلَبَ ذَلِكَ المَعْنَى وَلم يَخْرُجْ عَن حَدِّ الإِصابَة فِيهِ كَمَا قَالَ عبد الصمَّد بن المُعَذَّل فِي مدح سَعِيد بن سلم البَاهِليِّ:
(ألاَ قُلْ لسَاري اللَّيْلِ لَا تَخْشَ ضَلَّةً سَعِيدُ بنُ سَلْمٍ ضَوْءُ كلِّ بِلاَدِ)
فلمَّا مَاتَ رَثَاهُ فقَالَ:
[ ١٣٣ ]
(يَا سَارِيًا حَيَّرَهُ ضلالُهُ )
(ضَوْءُ الْبِلَاد قَدْ خَبَا ذُبالُهُ )
وكما قَالَ عليُّ بنُ الجَهْم:
(قَالوا احْتُبسْتُ فَقُلتُ لَيسَ بضَائري حَبْسي وأيُّ مُهَنَّدٍ لَا يُغْمَدُ؟ !)
(أوَمَا رأيتَ اللَّيْثَ يألَفُ غِيلَةُ كبرا، وأقبَاشُ السَّباعِ تَرَدَّدُ)
فلمَّا نُصِبَ للنَّاسِ وعُرَّيَ بالشَّاذِياخِ قَالَ:
(نَصَبُوا بحَمْدِ الله مِلءَ عُيُونِهمْ حسْناَ، وملءَ صُدُورِهمْ تَبجِيلاَ)
[ ١٣٤ ]
(مَا عَابَهُ أنْ بُزَّ عنهُ ثيابُهُ فالسَّيفُ أهْوَلُ مَا يُرَى مسلولاَ ﴿)
فَتَشبَّهَ فِي حَالِ حَبْسِه بالسَّيفِ مغْمدًا، وَفِي حَالِ تَعرِيَتَهِ وإبرازِهِ بالسَّيفِ مَسْلولًا. وبالليثِ آلفًا لغِيلهِ تَارةً، ومُفَارقًا لغيلهِ تَارَة.
وَمِمَّا يُسْتَحْسَنُ جدا قَولُ عليَّ بن مُحمد بن نَصر:
(لَا أظْلِمُ اللَّيلَ وَلَا أدَّعي أنَّ نُجومَ الَّليلِ ليسَتْ تَغُورْ)
(لَيلي كَمَا شاءَتْ فإنْ لم تَزُر طَالَ، فَإِن زارَت فَليليِ قَصِيرْ)
وأخذَ هَذَا المَعْنى من قَولِ الرَجُل لمعاوية حَيْثُ سألهُ: كيفَ الزَّمانُ عليكَ؟ فَقَالَ: أنتَ الزَّمانُ؛ إذاَ صَلْحتَ صَلَحَ الزَّمانُ، وَإِذا فَسَدْتَ فَسَدَ الزَّمان﴾
[ ١٣٥ ]
وكُلُّ مَا أوْدَعَنَاهُ هَذَا الكتابَ فأمِثلهُ يُقَاسُ عَلَيها أشْكالُها، وَفِيمَا مقنعُ لمنْ دَقَّ نَظَرُه، ولَطفَ فَهْمُهُ. وَلَو ذهبنَا نستَقصي كلَّ بابٍ من الأبوابِ الَّتِي أودَعناَها كتابنَا لطَالَ، وَطَالَ النَّظَرُ فِيهِ، فاسْتَشْهَدْنَا بالجُزْءِ على الكُلِ، وآثارنَا الاختِصَارَ على التَطوِيلِ.