ومنَ الأبياتِ الحَسَنَةِ الألفاظِ، المُسْتَعْذَبِة الرَّائِقَةِ سَماعًا، الوَاهِيةِ تَحصِيلًا ومَعْنَىً - وإنَّما تُستَحْسَنُ مِنْهَا اتَّفَاقْ الحَالاَتِ الَّتِي وُضِعَتْ فِيهَا، وتَذَكُرُ الّلَذَّاتِ بمعانيها، والعِبارةُ عَمَّا كانَ فِي الضَّمير مِنْهَا، وحِكاياتُ مَا جَرَى من حَقَائِقها دونَ نَسْجِ الشَّعرِ وجَوْدتِهِ، وإحْكامِ رَصفِهِ وإتقانِ مَعْناهُ قولُ جَميل:
(فَيَا حُسنَها إذْ يَغسِلُ الدَّمْعُ كُحْلهَا وإذْ هِيَ تُذْري الدَّمْعَ مِنْهَا الأنَاملُ)
(عَشِيَّةَ قَالَت فِي العِتَابَ: قَتَلْتَني وقَتْلي بِمَا قَالتْ هُنَاكَ تُحَاوِلُ)
وكَقَوْلِ جَريرِ:
(إنَّ الَّذين غَدَوْا بِلُبِّكَ غَادَرُوا وشَلًا بِعَيْنِكَ لَا تَزَالُ مَعِينا)
(غَيَّضْنَ من عَبَراتِهنَّ وقُلْنَ لي مَاذَا لَقِيتَ من الهَوَى ولقينا؟)
[ ١٣٦ ]
وكقَوْلِ الأعْشَى:
(قَالَتْ هُرَيرَةُ لما جئتُ زَائِرَهَا وَيْلي عَليْكَ وَوَيْلي منكَ يَا رَجُلُ)
فَوَيْلي الأولى تَهَدُّدٌ، وَوَيْلِي الثانيةُ اسْتِكانَةٌ.
وكَقْولِ قَيْس بن ذَرِيح.
(خَلِيَليَّ، هَذَي زَفْرَةٌ قد غَلَبْتُهَا فَمَنْ لي بأخْرَى مِثْلهَا قَدْ أطَلَّتِ)
(وَبِي زَفَراتٌ لَو يَدُمْنَ قَتَلْنَنِي تَسُوقُ الَّتِي تَأتي الَّتِي قَدْ تَوَلَّتِ)
وكقَوْلِ عُمَر بنِ أبي رَبيعة:
(غَفَلْنَ عَن اللَّيْل حتىَّ بَدَا تَبَاشِيرُ من وَاضحٍ أشْقَرَا)
(فَقُمْنَ يُعَفِّينَ آثارَنَا بأكْسِيَةِ الخَزِّ أنْ تُقْفَرَا)
فالمُسْتَحْسَنُ من هَذه الأبْيات حقائق مَعَانيها الواقِعَةُ لأصْحَابِها الواصِفِين لَهَا دون صَنْعَةِ الشِّعْرِ وإحْكَامَهِ.
فأمَّا قَوْلُ القَائِل:
[ ١٣٧ ]
(ولمَّا قَضَيْنَا من مِنَى كلّ حَاجَةٍ ومَسَّحَ بالأرْكانِ من هُوَ مَاسِحُ)
(وَشُدَّتْ على حُدْبِ المَهارَى رحَالُنَا وَلَا ينظُر الغَادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ)
(أخَذْنَا بأطرَافِ الأحَاديثِ بينَنَا وسَالَتْ بأعْنَاقِ المَطِيِّ الأباطِحُ)
فإنَّ فائدةَ هَذَا الشِّعر هُوَ اسْتِشْعَارُ قائِلهِ لفرحَةِ قُفُولِهِ إِلَى بَلَدِهِ، وسرورِهِ بالحَاجَةِ الَّتِي وَصَفَها من قَضَاءِ حَجِّهِ، وأُنْسِهِ برُفَقَائِهِ ومُحَادَثَتِهم، وَوَصفِهِ سَيْلَ الأبَاطِحِ بأعْنَاق المَطِيِّ كَمَا تَسِيلُ بالمياه، فَهُوَ مَعْنَى مُسْتوفىً على قَدْر مُرَاد الشَّاعر.
[ ١٣٨ ]
وَمن الأبْيَاتِ الَّتِي تَخلبُ مَعَانيها للطَافَةِ الكَلاَمِ فِيهَا قَوْلُ زُهَير:
(تَرَاهُ إِذا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا كأنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أنْتَ سَائِلُهْ)
(أخي ثقةٍ مَا تُهْلِكُ الخَمْرُ مالهُ ولكنَّهُ قد يُهْلِكُ المَالَ نائِلُهْ)
(غَدَوْتُ عَلَيْهِ غَدْوةً فَرَأيْتُهُ قُعُودًا لَدَيْهِ بالصَّرِيمِ عَوَاذلُهْ)
(يُفَدِّينَهُ طَوْرًا وطَوْرًا يَلُمْنَهُ وأعْيَا، فَمَا يَدْرينَ أينَ مَخَاتِلُهْ)
(فَأعْرَضْنَ منهُ عَنْ كَرِيمٍ مُرَزَّأٍ فَعُولٍ، إذَا مَا جَدَّ بالأمْرِ فاعِلُهُ)
وقوْلُ طُفَيلٍ الغَنَويِّ:
[ ١٣٩ ]
(جَزَى اللهُ عَنَّا جَعْفرًا حِين أزلَقَتْ بِنَا نَعْلُنَا فِي الوَاطِئينَ فَزَلَّتِ)
(أبَوْا أنْ يَمَلُّونا وَلَو أنّ أُمَّنَا تُلاَقي الَّذِي لَا قَوْهُ مِنَّا لمَلَّتِ)
([هُمُ أنْزَلُونا فِي ظِلاَلِ بُيُوتِهِمْ إِلَى حُجُراتٍ أدْفَأتْ وأظَلِّتِ)
(وقالُوا: هَلُمُّوا الدَّارَ حَتَّى تَبَيَّنوا وتَنْجَلي الغَمَّاءُ عَمَّا تَجَلَّتِ)
(ومِنْ بَعْدِ مَا لنَّا لِسَلْمَى وأهْلِهَا عَبِيدًا، ومَلَّتْنَا البِلادُ ومَلَّتِ])
وكَقَولِ كُثِّير بن عبد الرَّحْمَن الخُزَاعي:
(إِذَا مَا أرادَ الغَزْوَ لم يَثْنِ هَمَّهُ حَصَانٌ عَلَيْهَا نَظْمُ دُرٍّ يَزِينُهَا)
(نَهَتْهُ، فلمَّا لم تَرَ النَّهْيَ عَاقَهُ بكَتْ، فَبَكَى مِمَّا شَجَاهَا قَطِينُهَا)
وقَوْلِ ابْن هَرْمة:
[ ١٤٠ ]
(إنيِّ نَذَرتُ لَئِن لَقِيتُكَ سَالمًا أنْ لَا أعَالجِ بعدَكَ الأسْفَارا)
وقَوْلِ حَمْزَة بن بَيْض:
(تَقُولُ لي، والعُيونُ هاجعةٌ، أقِمْ عَلَيْنَا يَوْمًا فَلَمْ أَقِمِ)
(أيَّ الوُجُوهِ انتَجَعْتَ؟ قُلْتُ لَهَا: لَا أيَّ وَجْهٍ إلاّ إِلَى الحكَمِ)
(مَتَى يَقُلْ صَاحِبَا سُرَادِقِهِ هَذَا ابنُ بَيْضٍ بِالْبَابِ، يَبْتَسِمِ)
(قد كُنْتُ أسْلَمْتُ فيكَ مُقْتَبِلًا فَهَاتِ، إذْ حَلٌ، أعْطِني سَلَمي)
وقَوْلِ الآخرِ:
(نُقَلَّبُهُ لِنَبلُوَ حَالَتْيهِ فَنَخْبُر مِنْهُمَا كَرَمًا ولِينَا)
[ ١٤١ ]
(نَمِيلُ على جَوانبهِ كأنَّا نَمِيلُ إِذَا نَمِيلُ على أبِينَا)
وكَقَوْلِ نُصَيْب:
(فَعَاجُوا، فأثْنَوْا بِالَّذِي أنتَ أهْلُهُ وَلَو سَكَتُوا أثْنَتْ عليكَ الحَقَائِبُ])
وقَوْلِ أبي العَتَاهِية:
(إنَّ المَطَايا تَشْتكِيكَ لأنَّها تَفْري إِلَيْك سَبَاسِبًا ورِمَالاَ)
(فإذَا أتَيْنَ بِنَا أتَيْنَ مُخِفَّةً وَإِذا رَجَعْنَ بِنَا رَجَعْنَ ثِقَالاَ)
وأمَّا المَعْرَضُ الحسَنُ الَّذِي قد ابتُذِل على مَالا يشاكِلُهُ من المَعَاني، فكَقْولِ كُثِّير.
[ ١٤٢ ]
(فَقُلْتُ لَهَا: يَا عَزُّ كُلَّ مُصِيبَةٍ إذَا وُطنَتْ يَوْمًا لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ)
وقَدْ قَالَت العُلَماءُ: لَو أنَّ كُثِّيرًا جَعَل هَذَا البَيْتَ فِي وَصْفِ حَرْبٍ لكانَ أشْعَرَ النَّاس!
وكقَوْلِ القُطَاميِّ فِي وَصْفِ النُّوقِ.
(يَمْشِينَ رَهْوًا فَلَا الأعْجَازُ خَاذِلَةٌ وَلَا الصُّدورُ على الأعْجَازِ تَتَّكِلُ)
[قَالَت العُلمَاءُ] لَو جَعَلَ هَذَا الوَصْفَ للنِّسَاءِ دُونَ النُّوقِ كانَ أحْسَن.
وكقَوْلِ كُثِّير أَيْضا.
[ ١٤٣ ]
(أسِيئِي بِنَا أَو أحْسِني لَا مَلُومَةً إلينَا وَلَا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ)
قَالت العُلَماءُ: لَو قالَ هَذَا البَيْتَ فِي وَصْفِ الدُّنيا لكانَ أَشْعَرَ النَّاس!