وَمن الأبْيَات الَّتِي زَادَتْ قريحةُ قائليها على عُقُولهم قَوْلُ كُثِّير:
(فإنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنينَ بِرِفْقهِ غَزَا كامِنَاتِ الوُدِّ مِنِّي فَنَالَهَا)
وقَولُهُ أَيْضا يُخَاطِبُ عبد المَلكِ:
(ومازالتْ رُقَاكَ تَسُلُّ ضِغْني وتُخْرِجُ مِنْ مَكَامِنِهَا ضِبَابي)
(وَيَرْقِيني لَكَ الحَاوونَ حَتَّى أجَابَتْ حَيَّةٌ تَحت الحِجَابِ)
وَقَوْلُهُ أَيْضا:
[ ١٥١ ]
(أَلا ليتنا - يَا عَزٌّ - من غَير رِيبَةٍ بَعِيرانِ نَرْعَى فِي الخَلاَءِ ونعْزُبُ)
(كِلانَا بِهِ عُرٌّ فَمَنْ يَرَنَا يَقُلْ على حُسْنِهَا جَرْبَاءُ تُعْدي وأجْرَبُ)
(نكُونُ لِذِي مَالٍ كَثيرٍ مُغَفَّلٍ فَلَا هُوَ يَرْعَانَا وَلَا نَحْنُ نُطْلَبُ)
(إذَا مَا وَرَدْنَا مَنْهَلًا صَاحَ أهْلُهُ إلَيْنَا فَلاَ نَنْفَكُّ نُرْمَى ونُضْرَبُ)
(وَدِدْتُ - وبَيْتِ اللهِ - أنَّكِ بَكْرَةٌ هِجَانٌ وأنِّي مُصْعَبٌ ثمَّ نَهْرَبُ)
فقالتْ لَهُ عَزَّةُ: لقد أرَدْتَ بِي الشَّقَاءَ الطَّوِيلَ، وَمن المَنِيَّةِ مَا هُوَ أوطَأُ من هَذِه الْحَالة! .
وكَقوْلِ الآخر فِي زُبَيْدةَ أمِّ مُحَمَّدٍ الأَمِين:
(أَزُبَيْدَة ابَنةً جَعْفَرٍ طُوبَى لِسَائِلِكِ المُثَابْ)
(تُعْطِينَ من رِجْلَيْكِ مَا تُعْطِي الأكُفُّ من الرِّغَابْ)
وكقَوْلِ جَرير بن عَطِيَّة:
(هَذَا ابنُ عَمِّي فِي دِمَشْقَ خَلِيفةً لَو شِئْتُ سَاقَكُمُ إلىَّ قِطِينًا)
[ ١٥٢ ]
فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا حَزْرَة؛ لم تَصْنَعْ شَيْئا، أعَجِزْتَ أنْ تَفْخَرَ بقَوْمِكَ حَتَّى تَعَدَّيتَ إِلَى ذِكْرِ الْخُلَفَاء؟ ﴿. وقالَ لَهُ عُمَر بن عبد العَزيز: جَعَلْتَني شُرطِيًّا لَك﴾ أمَا لَو قُلْتَ:
( لَو شَاءَ سَاقَكُمُ إلىَّ قِطِينًا)
لَسُقْتهم إِلَيْك عَن آخرِهِمْ ﴿
وكَقَولِهِ
(يَا بِشْرُ حُقِّ لوَجْهِكَ التَّبشِيرُ هَلاَّ غَضِبْتَ لنَا وأنْتَ أمِيرُ)
(قَدْ كانَ حَقُكَ أنْ تقولَ لبَارِقٍ يَا آل بَارِقَ فِيمَ سُبَّ جَرِيرُ؟﴾)
فقالَ بِشْرٌ: أما وَجَد ابنُ اللَّخْنَاءِ رَسُولًا غَيْرِي؟ !
قَالَ: وكَقَولِ الأخْطَلِ:
(ألاَ سَائِلِ الجَحَّافَ هَلْ هُوَ ثَائِرٌ بقَتْلَى أُصِيْبَتْ من سُلَيْمُ وعامِرِ)
فقدَّرَ أنَّهُ يُعَيرِّ الجَحِّافَ بهَذَا القَوْلِ ويُقَصِّر بهِ فيهِ، فأجْرَاهُ
[ ١٥٣ ]
الجَحَّافُ مُجْرَى التَّحريض فَفَعَل بقومِهِ مَا دَعَا الأخْطَلَ إِلَى أنْ قَالَ:
(لَقَدْ أَوْقَعَ الجَحَّافُ بالبِشْرِ وَقْعَةً إِلَى اللهِ مِنْهَا المُشْتَكَى والمُعَوَّلُ)
فَلَو سَكَتَ عنْ هَذَا بعد ذَلِك القَوْل الأوَّل كانَ أجْمَلَ بِهِ، ثمَّ لم يَرْضَ حَتَّى أوْعَدَ وتَهَدَّدَ عِنْد ذَلِك الخَلِيفَةَ فَقَالَ:
(فإنْ لم تُغَيِّرْهَا قُرَيشٌ بِمُلكِهَا يكُنْ عَن قُريشٍ مُسْتَمَازٌ ومَزْحَلُ)
وكَقَوْلهِ أَيْضا:
(فَلَا هَدَى الله قَيْسًَا من ضَلالتها وَلَا لعًَا لبني ذَكْوانَ إذْ عَثَروا)
(ضَجُّوا من الحَرْبِ إذْ عَضَّتْ غَوَارِبَهُمْ وقَيْسُ عَيْلانَ مِنْ أخلاقِهَا الضَّجَرُ)
[ ١٥٤ ]
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْملك: لَو كانَ كَمَا زَعَمْتَ لما قُلْتَ:
(لْقَدْ أوْقَعَ الجَحَّافُ بالبِشْرِ وَقْعَةً إِلَى اللهِ مِنْهَا المُشْتَكى والمُعَوَّلُ ﴿)
وكَقوْلِ الفَرَزْدَق:
(أوَ جَدْتَ فينَا غَيْرَ غَدْرِ مُجَاشع ومَجَرَّ جَعْثِنَ والزُّبيرِ مَقَالًا﴾
فأقَرَّ بأَشْيَاء لَو سكَتَ عَنْهَا كَانَ أسْتَر.
قَالَ: وكَقَوْلِه أَيْضا:
(وإنَّ تَمِيمًا كُلّها غَيْرَ سَعْدِها زَعَانِفُ لَوْلاَ عِزُّ سَعْدٍ لَذَلتِ)
وَقد وَضَع مَنْ قَوْمِهِ وهَجَاهُمْ بِهَذَا القَوْل.
[ ١٥٥ ]
قَالَ: وكَقَوْلِ بِشْر:
(يَكُنْ لَك فِي قَوْمي يَدٌ يَشْكُرونَهَا وأيْدِي النَّدَى فِي الصَّالحين قُروضُ)
يُخَاطِبُ بهَا أوسَ بنَ حَارِثَة:
وقَوْلِ النَّابِغَةِ الجَعْدِيِّ:
(وَمَا رَابهَا من رِيَبَةٍ غَيْرَ أنَّهَا رَأتْ لِمَّتي شَابَتْ وشابَتْ لِدَاتيَا)
وأيُّ رِيَبةٍ أعْظَمُ من أنْ رَأتْه قد شابَ؟ !
وقَوْلِ الأعْشَى:
(رَأتْ رَجُلًا غَائِرَ الوَافِدَينِ منتَشَلَ النَّحْضِ أعْمَى ضَرِيرًا)
وَقَوله:
(وأنْكَرَتْني وَمَا كانَ الَّذِي نَكِرَتْ من الحَوَادِثِ إلاَّ الشَّيْبَ والصَّلعَا)
[ ١٥٦ ]
وقَوْلِهِ:
(صَدَّتْ هُرَيْرَةُ عنَّا مَا تُكَلِّمُنَا جَهْلًا بأمِّ خُلَيْدٍ حَبْلَ مَنْ تَصِلُ)
(أأن رَأتْ رَجُلًا أعْشَى أضَرَّ بهِ رَيْبُ المَنُونِ وَدَهْرٌ نابلٌ خَبِلُ)
وكقَولِ الكُمَيتِ:
(إِلَيْك يَا خَيْرَ مَنْ تَضَمَّنتِ الأرضُ، وإنْ عَابَ قَولَي العَيَبُ)
يَعْني رسولَ الله - صلى الله عَلَيْهِ وَآله. وَلَا يَعِيبُ قَولَهُ فِي وَصْفِ رَسُولِ الله - صلى الله عَلَيْهِ وَآله - عائِبٌ إلاَّ كافٌ رِ باللهِ مشْرِكٌ.
وقَوْل حَسَّان:
(أكْرِمْ بِقْومٍ رَسُولَ اللهِ شِيعَتُهُمْ إذَا تَفَرَّقَتِ الأهْوَاءُ والشَّيعُ)
[ ١٥٧ ]
كانَ يَجِبُ أنْ يَقُول: هُمْ شيعةُ رَسُول الله، لأنَّ فِي هَذَا الكلامِ جَفَاءً.
وقَوْلِ جُنَادة بن نَجِبَة:
(مِنْ حُبِّهَا أتَمنَّى أنْ يلاقِينَي مِنْ نَحْوِ بَلْدَتِهَا نَاعٍ فَيَنْعَاهَا)
(لكَي أقُولَ: فِراقٌ لَا لِقَاءَ لَهُ أَو تَضْمَنَ النَّفْسُ يَأسًا ثمَّ تَسْلاَهَا)