وَمن الأبْيات الَّتِي قَصَّر فِيهَا أَصْحَابُها عَن الغَايَات الَّتِي أُجْرُوا إِلَيْهَا، وَلم يَسُدُّوا الخَلَلَ الوَاقِعَ فِيهَا مَعْنَى ولَفْظًا قَوْلُ امْريء القَيْس:
[ ١٥٨ ]
(فللسَّاق أُلْهُوبٌ وللسَّوط دِرَّةٌ وللزَّجْرِ مِنْهُ وَقْعُ أخْرَجَ مُهْذِبِ)
فقيلَ لَهُ: إنَّ فَرَسًا يُحْتَاج إِلَى أنْ يُسْتَعَانَ عليهِ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَغَيْرُ جَوَادٍ ﴿
وقَوْلُ المُسَيَّب بن عَلَس:
(وقَدْ أتَنَاسَى الهَمَّ عِنْد احْتِضَارِهِ بِنَاجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَرِيَّةُ مُكْدَمِ)
فَسَمِعُهُ طَرَفَةُ فَقَالَ: استَنْوقَ الجَمَلُ﴾
والصَّيْعَرِيَّةُ: من سِمَاتِ النُّوق.
وقَوْلُ الشَّمَّاخ:
(فنِعْمَ المُعْتَرى رَحَلَتْ إِلَيْهِ رَحَى حَيْزُومِهَا كَرَحَى الطَّحِينِ)
وإنَّما تُوصَفُ النَّجَائِبُ بصِغَر الكَركَرةِ ولُطْفِ الخُفِّ.
[ ١٥٩ ]
وقَوْلُهُ:
(وأعْدَتُ للسَّاقَيْنِ والرِّجْلِ والنَّسَا لِجَامًا وَسَرْجًا فَوْقَ أعْوَجَ مُخْتَالِ)
وإنَّما يُلْجَمُ الشِّدقان لَا السَّاقان.
وقَوْلُ الأعْشَى:
(وَمَا مُزْبِدٌ مِن خَلِيجِ الفُراتِ، جَوْنٌ، غَوارِبُهُ تَلْتَطِمْ)
(بأجْوَدَ مِنْهُ بِمَا عُونِهِ إِذا مَا سَمَاؤهُمُ لم تُغِمْ)
يَمْدَحُ مَلِكًا ويذكُرُ أنَّهُ إنَّمَا يَجُودُ بالمَاعُون!
وقَوْلُهُ:
(شَتَّان مَا يَوْمي على كُورِهَا ويَوْمُ حَيَّانَ أخي جَابِرِ)
[ ١٦٠ ]
وكانَ حَيَّانُ أشْهَرَ وأعْلَى ذِكْرًا من جَابر، فأضَافَهُ إِلَيْهِ اضْطِرارًا.
وَقَوْلُ عَدِيِّ بن زَيْد:
(وَلَقَد عُدِّيتُ دَوْسَرَةً كعُلاَةِ القَيْنِ مِذْكَارَا)
والمذْكارُ: الَّتِي تَلِدُ الذُّكْرَانَ، والمِئْنَاثُ عِنْدهم أحْمَدُ، وأرَادَ مُذَكَّرَةً فَلم يَتَّفِقْ لَهُ.
وقوْلُ الشَّمَّاخ:
[ ١٦١ ]
(بانَتْ سُعَادُ فَفِي العَينَيْنِ مَمْلُولُ وكانَ فِي قِصَرٍ من عَهْدِهَا طُولُ)
كانَ ينْبغي أنْ يَقُولَ: وكانَ فِي طُولٍ من عَهْدِهَا قِصَرٌ.
أَو يقولَ: وَصَارَ فِي قِصَرٍ من عَهْدِهَا طول.
وقَوْلُ أبي دُؤَاد الإياديِّ:
(لَو أنَّها بَذَلَتْ لذِي سَقَمٍ مَرِه الفُؤاد مُشَارفِ القَبْضِ)
(أُنْسَ الحَدِيثِ لظَلَّ مُكْتَئِبًا حَرَّانَ من وَجْدٍ بِهَا مَضِّ
وَلَو قَالَ: إنَّه كانَ يُذْهِبُ سُقْمَهُ لكانَ أبْلَغَ لِنَعْتِها.
وقَوْلُ أبي ذُؤَيب:
(وَلَا يَهْنَأ الوَاشِينَ أنْ قَدْ هَجَرتُهَا وأظْلَمَ دوني لَيْلُهَا ونَهَارُهَا)
[ ١٦٢ ]
كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُول: وأظْلَمَ دونهَا ليلِي ونَهَاري.
وقَوْلُهُ:
(عَصَاني إِلَيْهَا القَلْبُ؛ إنِّي لأَمْرِهِ سَمِيعٌ فَمَا أَدْرِي أرُشْدٌ طِلاَبُهَا)
كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُول: أمْ غَيٌّ، فنقَصَ العِبَارة. وقَوْلُ سَاعِدَةَ بن جُؤَيَّة:
(فَلَوْ نبأتْكَ الأرضُ أَو لَو سَمِعْتَهُ لأيْقَنْتَ أَنِّي كِدْتُ بعدَكَ أكْمدُ)
وَلَو قَالَ: إِنِّي بَعْدَك كَمِدٌ، لَكَانَ أبْلَغَ من قَوْلِهِ: كدتُ أَن أكمَد وقَوْلُ ابْن أحْمَر:
[ ١٦٣ ]
(غَادَرَني سَهْمُهُ أعْشَى وغادَرَهُ سَيْفُ ابنِ أحْمَرَ يَشْكُو الرأسَ والكَبِدَا)
أَرَادَ: غَادَرَني سَهْمُهُ أعْوَرَ، فَلَمَ يُمْكِنْهُ فَقَالَ: أعْشَى. وقَوْلُ طَرَفَةَ:
(كأنَّ جَنَاحَيْ مِضْرَحِيٍّ تَكَنَّفَا خِفَافَيْهِ شُكًا فِي العَسِيب بِمِسْرَدِ)
وإِنَّما تُوصَفُ النَّجائبُ بِدِقَّةِ شَعْرِ الذَّنَب وخَفَّتِهِ، وجَعَلَهُ هَذَا كَثِيفًا طَوِيلًا عَريضًا.
وقَوْلُ امريء القَيْس:
(وأرْكَبُ فِي الرَّوْع خَيْفَانَةً كَسَا وجْهَهَا سَعَفٌ مُنْتَشِرْ)
شَبَّهَ ناصِيتَها بسَعَفِ النَّخْلة، وَإِذا غَطَّى الشَّعْرُ العَيْنَ لم يَكْنِ الفَرَسُ كَرِيمًا.
وقَوْلُ الحُطَيئة:
(ومَنْ يَطْلُبْ مَسَاعِي آلِ لأيِ تُصَعِّدُهُ الأمُورُ إِلَى عُلاَهَا)
[ ١٦٤ ]
كانَ يَنْبَغي أنْ يَقُول من طَلَبَ مَسَاعِيهُمْ عَجِزَ عَنْهَا وقَصَّرَ عَن بُلوغِهَا، فأمَّا إِذا سَاوَى بهم غَيْرهم فأيُّ فَضْلٍ لَهُم؟
وقَوْلُهُ:
(صُفوفٌ ومَا ذِيُّ الحَدِيدِ عَلَيْهِمُ وبَيْضٌ كَأوْلادِ النَّعَام كَثِيفُ)
شَبَّهَ البَيْضَ بأوْلادِ النَّعام؛ أَرَادَ: بَيْضَ النَّعَام.
وقَوْلُ لَبيدٍ العَامريِّ:
(ولَقَدْ أُعْوِصُ بالخَصْمِ وَقد أمْلاُّ الجَفْنَة من شَحْمِ القُلَلْ)
أرَادَ: السَّنَامَ، وَلَا يُسَمَّى السَّنامُ شَحْمًا.
وقَوْلُهُ:
(لَو يَقُومُ الفِيلُ أَو فَيَّالُهُ زَلَّ عَن مِثْلِ مَقامي وزَحَلْ)
وليسَ للفَيَّالِ مِثْلُ أيْدِ الفِيل فيذكُرَه.
[ ١٦٥ ]
وكَقَوْلِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَاني:
(ماضي الجَنَانِ أخِي صَبْرٍ إِذا نَزَلتْ حرْبٌ يُوَائِلُ مِنْهَا كُل تَنْبَالِ)
التِّنْبَالُ: القَصِير، فإنْ كانَ كَذَلِك فَكْيفَ صَارَ القَصِيرُ أوْلَى بطَلَب الموئِلِ من الطّويل؟
وإنْ جَعَلَ التِّنْبَال الجَبَانَ فَهُوَ أعْيَبُ لأنَّ الجَبَانَ خائِفٌ وَجِلٌ؛ اشْتَدَّتِ الحَرْبُ أم سَكَنَتْ. وأيْنَ كانَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِ الْهَمدَانِي:
(يَكرُّ على المُصَافِ إذَا تَعَادى من الأهْوَالِ شُجْعَانُ الرِّجَالِ)
وقَوْلِ طَرَفَةَ بن العَبْد:
(مِنَ الزَّمِرَاتِ أسْبَل قادِمَاهَا وضَرَّتُهَا مُرَكَّنَةٌ دَرُورُ)
[ ١٦٦ ]
لَا يكُونُ القَادِمَانَ إلاَّ لما لَهُ آخِران، وَتلك: النَّاقةُ الَّتِي لَهَا أرْبَعَةُ أخلاف.
ومثلُهُ قَوْلُ امريء القَيْس:
(إِذا مُسَّتْ قَوَادِمُهَا أرَنَّتْ كأنَّ الحَيَّ بَينهُمُ نَعِيُّ)
وقوْل المُسَيَّب بن عَلَسٍ:
(فَتَسُلٌّ حَاجَتَها إذَا هِيَ أعْرَضتْ بخميصَةٍ سُرُحِ اليَدَيْن وسَاعِ)
(وكأنَّ قَنْطَرةً بمَوْضِعِ كُورِهَا مَلْسَاءَ بَين غَوامِضِ الأنْسَاعِ)
(وَإِذا أطَفْتَ بهَا أطَفْتَ بِكلَكلٍ بَيْنَ الفَرَائِض مَجْفَر الأضْلاَعِ)
فكيفَ تكونُ خميصَةً وَقد شَبَههَا بالقنْطَرِة، والقَنْطَرةُ لَا تكونُ إِلَّا عَظِيمَة؟ وَقَالَ: هِيَ مَجْفَرُ الأضْلاع، وكلُّ هَذَا يَنْقُضُ مَا ذَكَره من الخُمْص.
[ ١٦٧ ]
قَالَ: وقَوْلُ الحُطَيئة:
(حَرِجٌ يُلاوِذُ بالكُنَاسِ كأنَّهُ مُتَطَرِّفٌ حَتَّى الصَّبَاح يَدُورُ)
(حَتَّى إِذا مَا الصُّبْحُ شَقَّ عَمُودَهُ وعَلاهُ أسْطَعُ لَا يُرَدُّ مُنِيرُ)
(وحَصَى الكَثِيبِ بصفْحَتْيهِ كأنَّهُ خُبَثُ الحَديدِ أطارَهُنَّ الكِيرُ)
زَعَم أَنه لم يَزَلْ يَطُوفُ حَتَّى أصبْحَ وأشْرَفَ على الكَثِيب فَمن أينَ صَار الحَصَى بصفَحَتْيه؟