ومنَ القَوافي الوَاقِعَة فِي مَواضِعِهَا، المُتَمَكِّنَةِ فِي مواقعها، قَوْلُ امريء القَيْس فِي قَصيدتِه الَّتِي يقولُ فِيهَا:
(وَقَدْ أغْتَدي قَبْلَ العُطَاسِ بهَيْكلِ شَديدِ مَشَكِّ الجَنْبِ فَعْمِ المُنْطِّق)
قَوْلُهُ:
(بَعَثْنَا رَبِيئًا قَبْلَ ذلكَ مُخْمِلًا كَذِئبِ الفَضَا يَمْشِي الضَّراءَ ويَتَّقي)
[ ١٧٤ ]
فَوقَعَتْ: " يَتَّقي " مَوْقِعًا حسنا.
وكذلكَ قَوْلُ النَّابِغَة:
(تَجْلُو بِقَادِمَتَيْ حَمَامَةِ أيْكَةٍ بردا أُسِفٌ لِثَاتُهُ بالإثْمِدِ)
(كالأُقْحَوانِ غَدَاةَ غِبِّ سَمَائِهِ جَفَّتْ أعَاليهِ وأسْفَلُهُ نَدِي)
(زَعَمَ الهُمَامُ بأنَّ فاهَا بارِدٌ عَذْبٌ إذَا مَا ذُقْتَهُ قُلْتَ: أزْدَدِ)
(زَعَمَ الهُمَامُ وَلم أذُقْهُ، أنَّهُ يُرْوَى بِرِيِقَتِهَا، من العَطَشِ، الصَّدي)
فقولُهُ: " وأسْفَلُهُ نَدِي " و" من العَطَشِ الصَّدي " وقَعَا مَوْقعَيْن عَجِيبَيْنِ.
وقَوْلُ زُهَيْر:
(وأَعْلَمُ مَا فِي اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولكنَّني عَنْ عِلمِ مَا فِي غَدٍ عَمِي)
[ ١٧٥ ]
فقَولُهُ: " عَمِي " واقِعَةٌ مَوْقِعًا حَسَنًا.
وكَقَوْلِهِ:
(صَحَا القَلْبُ عَنْ سَلْمى وَقد كانَ لَا يَسْلُو وأقْفَرَ من سَلْمَى التَّعَانيقُ فالثِّقْلُ)
وَقد كُنْتُ من سَلْمى سِنينَ ثَمَانِيًا)
على صِيرِ أَمْرٍ مَا يَمُرُّ ومَا يَحْلُو)
فقَوْلُهُ: " يَحْلُو " حَسَنَةُ المَوْقَع. كَقَوْلِه فِي قَصِيدتِهِ الَّتِي يَقُول فِيها:
(لِذي الحِلْم من ذُبْيَانَ منِّى مَوَدَّةٌ وحِفْظٌ، وَمَنْ يُلْحِمْ إِلَى الشَّرِّ أنْسُجِ)
قَوْله: ( مَخُوفٍ كأنَّ الطّيْرَ فِي مَنْزِلاتِهِ عَلى جِيَفِ الحَسْرَى مَجَالسُ تَنْتَجي)
فَقَوْلُهُ: " تَنْتَجي " حَسَنَةُ المَوْقِع جدا.
وكَقَوْلِهِ:
[ ١٧٦ ]
(ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذَا دُعِيتْ: نَزَالِ، وَلُجَّ فِي الذَّعْرِ)
(وأراكَ تَفْري مَا خَلْقتَ وَبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثمَّ لَا يَفْرِي)
(ولأنْتَ أشْجَعُ حينَ تَتَّجِهُ الأبْطَالُ، من لَيْثٍ أبي أجْري)
فقولُه: " ثمَّ لَا يَفْري " و" أبي أجْري " حَسَنانِ فِي مَوْقِعِهمَا.
وكَقَوْلِ بِشْر:
(فَمَا صَدَعٌ بِخُبَّة أَو بَشْرجٍ عَلَى زَلَقَ زَوَالِقَ ذِي كِهَافِ)
(تَزِلُّ اللِّقَوةُ الشَّغْواءُ عَنْهَا مَخَالِبُها كأطْرافِ الأشَافي)
[ ١٧٧ ]
(بأحْرَز مَوْئلًا من جَارِ أوْسٍ إِذَا مَا ضِيمَ جِيرانُ الضِّعافِ)
فَقَوله: " كأطْرافِ الأشَافي " حَسَنةُ المَوْقع.
قَالَ: وكقَوْلِ الأعْشَى:
(وَإِذا تكونُ كَتِيبةٌ مَلْموُمَةُ خَرْسَاءُ يَخْشَى الذّائدونَ نِهَالَها)
(كُنْتَ المُقَدَّمَ غَيْرَ لاَبِسٍ جُنَّةٍ بالسَّيفِ تَضْرِبُ مُعْلمًا أبطالها)
(وعَلِمْتَ أنّ النَّفْسَ تَلْقَى حَتْفَها مَا كانَ خَالِقُها المَلِيكُ قَضَى لَهَا)
فَقَوْلُهُ: " قَضَى لَهَا " عَجِيبةُ المَوْقع.
وكَقْولِهِ:
(ومثُل الَّذِي تُولونَنَي فِي بُيُوتكم يُرَوِّي سِنَانًا كالقُدَامَى وثَعْلَبَا)
(ومَا عندَهُ رِزْقي علمتُ وَلاَ لَهُ عليَّ من الرِّيح الجَنُوبِ وَلَا الصَّبَا)
[ ١٧٨ ]
فقولُهُ: " الصَّبَا "، حَسَنَةُ الْموقع.
وكذلكَ قَوْلُهُ:
(وكَأسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ وأُخْرَى تَداوَيتُ مِنْهَا بهَا)
(لكَيْ يَعْلَمَ الناسُ أنَّي امرؤٌ أتيتُ الفُتُوَّةَ من بابِهَا)
وكَقَوْل أبي كَبيرٍ الهُذَلِّي:
(وَلَقَد رَبَأُتُ إذَا الصِّحابُ تَوَاكَلُوا جَمْرَ الظَّهيرةِ فِي اليَفَاعِ الأَطْوَلِ)
[ ١٧٩ ]
(فِي رَأسِ مُشْرِفَةِ القذالِ [كأنَّما أَطُرُ السَّحَاب بَها بَياضُ المِجْدَلِ)
(ومَعَابلًا صُلْعَ الظُّباتِ] كَأَنَّهَا جَمْرٌ بِمَسْهَكَةٍ تُشَبُّ لِمُصْطَلي)
فقَوْلُهُ: " لِمُصْطَلي " مُتَمكِّنَةٌ فِي موضعهَا.
وكَقوْل أبي خِرَاشٍ خُوَيلد بن مُرَّة:
(وَلم أدْرِ مَنْ أَلْقَى عَلَيْهِ رِدَاءهُ سَوى أنَّهُ قد سُلَّ عَن ماجدٍ مَحْضِ)
(بَلَى: إنَّها تَعْفُو الكُلُومْ وإِنَّمَا نُوَكَّلُ بالأدْني وإنْ جَلَّ مَا يَمْضي)
فَقَوله: " يَمضِي " حَسَنَةٌ جِدًّا
[ ١٨٠ ]
وكَقَولِ عُرْوَة بن أُذَيْنَة:
(وكلُّ هَوىً وإنْ عَنَّى زَمَانًا لَهُ من بَعْدِ مَيْعِتِهِ تَجَلّي)
(كأنِّي لم أكُنْ مِنْ بَعْدِ إلْفٍ عَذَلْتُ النَّفْسَ قَبْلُ على هَوًى لي)
(فإنْ أُقْصِرْ فقد أجْرَيْتُ عَصْرًا وبَلاَّني الهَوًىَ فِيمَن يُبَلِّي)
فَقَولُهُ: " هَوًى لي " لَطِيفَة المَوْقِع.
وكقَوْلِ ذِي الرُّمَّة فِي قَصيدَتِه:
(أرَاحَ فَرِيقُ جِيرَتِكِ الجِمالاَ كأنَّهُمُ يُرِيدونَ احْتمَالا)
(فَكِدْتُ أَمُوتُ من حَزَنٍ عَلَيْهِم وَلم أرَ نَاوِيَ الإظعان بَالَى)
[ ١٨١ ]
فقولُهُ: " بَالَى " عَجِيبَةُ المَوْقِع.
وكَقَوْلِ الفَرَزْدَق:
(فإنْ تَهْجُ آل الزِّبْرِقَانَ فإنَّما هَجْوت الطِّوالَ الشُّمَّ من هَضْبِ يَذْبُلِ)
(وَقد يَنْبَحُ الكَلّبُ النُّجُومَ وَدُونهُ فَرَاسِخُ تُنْضِي الطَّرفَ للمتأمِّلِ)
(أرَى اللَّيْل يَجْلوهُ النَّهارُ وَلَا أرَى عِظَامَ المَخَازِي عَن عَطِيَّةَ تَنْجلي)
فَقَولُهُ: " تَنْجلى " مُتَمكِّنَةٌ فِي مَوْضِعِها.
وكقَوْلِ الحُطَيئَة:
(مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ لَا يَعْدَمْ جَوَازِيَهُ لَا يَذْهَبُ العُرْفُ بَين اللهِ والنَّاسِ)
(دَعِ المكارِمَ، لَا تَرْحَلُ لُبُغْيَتِها واقعُدْ، فإنَّك أَنْت الطّاعِمُ الكاسي)
فَقَوْلَهُ: " الكَاسِي " عَجِيبَةُ المَوْقع.
وكقَوْلِه:
[ ١٨٢ ]
(إِذا نَزَل الشِّتَاءُ بِدَارِ قَوْمٍ تَجَنَّبَ دارَ قَوْمِهمُ الشِّتَاءُ)
(هُمُ القَوْمُ الَّذين إذَا أَلمَّتْ من الأيَّامِ مُظْلِمَةٌ أضَاؤوا)
فَقَوُلهُ: " أضَاؤا " حَسَنَةٌ المَوْقع.
فَهِذهِ أمْثلةٌ قد احْتَذَى عَلَيْهَا المُحْدَثون من الشُّعراءِ، وسَلَكوا مِنْهَاجَ مَنْ تَقدَّمَهُمْ فِيهَا وأبْدَعُوا فِي أشْيَاءَ مِنْهَا سَتَعْثُر بهَا فِي أشْعَارِهِمْ كقَوْلِ أبي عُيَيْنَة المُهَلَّبي:
(دُنْيَا دَعَوْتُكِ مُسْمِعًا فأجِيبي وَبِمَا اصْطَفَيْتُكِ للهَوَى فأثيبي)
(دُومي أدُمْ لكِ بالوَفَاءِ على الصَّفَا إِنِّي بِعَهْدِكِ واثقٌ فَثقِي بِي)
فقولُهُ: " فَثقِي بِي " لطيفَةٌ جِدًّا، فَيُسْتَدَلُّ بهَا على حِذْقِ قَائِلهَا بنَسْجِ الشِّعْر.
[ ١٨٣ ]