وَيَنْبَغِي للشَّاعر أنْ يَجْتَنِبَ الإشَارَاتِ البَعيدةَ، والحكاياتِ
[ ١٩٩ ]
الغَلِقَة، والإِيَماءَ المُشْكِلَ، ويتعَمَّدَ مَا خاَلَف ذَلِك، وَيَسْتَعْمِل من المَجَازِ مَا يُقَارب الحَقيقَة وَلَا يُبْعُدُ عَنْهَا، وَمن الاستعَاراتِ مَا يليقُ بالمعاني الَّتِي يَأْتِي بِهَا.
فمُن الحِكَاياتِ الغَلِقَةِ قَوْلُ المُثَقِّبِ فِي وَصْفِ ناقَتِه:
(تَقُولُ وَقَدَ دَرَأتُ لَهَا وَضِينى أهَذَا دينُهُ أبَدًا وَدِيني)
(أكُلَّ الدَّهْرِ حِلُّ وارتِحَالٌ أمَا يُبْقي عَلَيْهِ وَلَا يَقِيني؟ !)
فَهَذِهِ الحِكايَةُ كلهَا عَن ناقَتِهِ من المَجَاز المُبَاعِد للْحَقِيقَة. وإنَّما أرَادَ الشَّاعِرُ أنّ النَّاقَةَ لَو تَكَلَّمَتْ لأعْرَبَتْ عَن شَكْوَاهَا بمِثْل هَذَا القَوْل.
[ ٢٠٠ ]
وَالَّذِي يُقارِب الحَقيقةَ قَوْلُ عَنْتَرة فِي وَصْفِ فَرَسِه:
(فازورَّ عَن وَقْعِ القَنا بلبَانِهِ وشَكَا إليَّ بِعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ)
وقَوْلُ بَشَّار:
(غَدَتْ عَانَةٌ تَشكو بأبصارها الصَّدى إِلَى الجَأبِ إِلَّا أنَّها لَا تُخَاطِبه
ومَن الإِيماء المُشْكِل الَّذِي لَا يُفْهَمُ وَقد أفْرَطَ قائِلُهُ فِي حِكَايَتِهِ قَوْلُ الآخَر:
(أوْمَتْ بَكَفَّيْهَا من الهَوْدَجِ لولاكَ هَذا العَام لم أحْجُجِ)
(أنْتَ إِلَى مَكَّةَ أخْرَجْتَني حُبًّا، وَلَوْلَا أنْتَ لم أخْرُجِ)
فَهَذَا الكَلامُ كُلُّهُ ليْس مِمَّا يَدُلَّ عَلَيْهِ إِيماءٌ، وَلَا يُعَبِّر عَنهُ إشَارةٌ.
[ ٢٠١ ]
وَلَيْسَت تَخْلُو الأشْعَارُ من أنْ يُقْتَصَّ فِيهَا أشْيَاءُ هِيَ قَائمةٌ فِي النُّفوسِ والعُقول فَتَحْسُنُ العِبَارةُ عَنْهَا، وإظهَارُ مَا يكمُنُ فِي الضَّمَائر مِنْهَا، فَيَبْتَهِجُ السَّامِعُ لما يَرِدُ عليهِ مِمَّا قد عَرَفَهُ طَبْعُهُ، وقَبِلَهُ فَهْمُهُ، فَيُثَارُ بذلك مَا كانَ دَفِينًا ويُبْرَزُ بِهِ مَا كانَ مَكْنُونًا فَيَنْكَشِفُ للفَهْمِ غِطاؤه فَيَتَمكَّنُ من وُجْدانِهِ بعد العَنَاءِ فِي نشْدانه.
أَو تُودَعَ حِكْمَةً تألَفُها النُّفوسُ وتَرْتَاحُ لصِدْق القَوْلِ فِيهَا، وَمَا أتَتْ بِهِ التَّجاربُ مِنْهَا.
أَو تُضَمَّنَ صِفَاتٍ صَادِقَةً، وتَشْبيهاتٍ مُوَافِقَةً، وأمثالًا مُطَابِقَةً يُصَابُ حقائِقُهَا، وَيُلْطَفُ فِي تَقْريبِ البَعِيد مِنْهَا، فَيُونِسُ النَّافِرَ الوَحْشِىَّ حَتَّى يَعُودَ مألوفًا محبوبًا، ويُبْعدُ المَألوفَ المَأنُوسَ بِهِ حَتَّى يَصِيرَ وحْشِيًّا غَرِيبًا، فإنَّ السَّمْعَ إِذا وَرَدَ عَلَيْهِ مَا قَدْ مَلَّهُ من المَعَاني المُكَرَّرَةِ والصِّفاتِ المَشْهَورةِ الَّتِي قد كَثُرَ وُرُودُها عَلَيْهِ مَجَّهُ، وثَقُلَ عَلَيْهِ وَعْيُهُ، فَإِذا لَطُفَ الشاعِرُ لشَوْبِ ذَلِك بِمَا يُلْبِسُهُ عَلَيْهِ فَقَرَّبَ مِنْهُ بَعيدا، أَو بَعَّد مِنْهُ قَرِيبًا، أَو جَلَّلَ لَطِيفًا أَو لَطَّفَ جَلِيلًا، أصْغَى إِلَيْهِ وَوَعَاهُ واستحسنَهُ السَّامِعُ واجْتَبَاهُ. وَهَذَا تَطرِيقٌ إِلَى تَناوُلِ الْمعَانِي واسْتعارَتِها، والتَّلَطُّفِ فِي اسْتِعْمَالهَا على خلاف جهَاتِهَا الَّتِي تُتَنَاوَلُ مِنْهَا كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ من قَبْل.
[ ٢٠٢ ]
أَو تُضَمَّنَ أَشْياءَ تُوجِبُهَا أحْوالُ الزَّمَانِ على اختلافِهِ، وحَوادِثِهِ على تَصَرُّفِهَا، فيكونُ فِيهَا غَرَائبُ مُسْتَحْسَنَةٌ، وعَجَائبُ بَديعَةٌ مُسْتَطْرَفَةٌ من صِفَاتٍ وحِكَاياتٍ ومُخَاطَباتٍ فِي كُلٍّ فَنٍّ توجِبُهُ الحَالُ الَّتِي يُنْشَأ قَوْلُ الشِّعر من أجْلِهَا؛ فَتُدْفَعُ بِهِ العَظَائمُ، وَتُسَلُّ بِهِ السَّخَائمُ، وتُخْلَبُ بِهِ العُقُولُ، وتُسْحَرُ بِهِ الألْبَابُ لما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ من دَقِيقِ اللَّفظ ولَطِيفِ المَعْنَى.
وإذْ قَدَ قَالَتِ الحُكَمَاءُ أنَّ للكَلاَمِ جَسَدًا ورُوحًا؛ فَجسَدُهُ النُّطْقُ ورُوحُهُ مَعْنَاه، فَوَاجِبٌ على صَانِعِ الشِّعرِ أنْ يَصنْعَهُ صَنْعَةً مُتْقَنَةً لَطِيفَةً مَقْبُولَةً مُسْتَحْسَنةً مُجْتَلِبَةً لمحبَّةِ السَّامِع لَهُ والنَّاظِر بِعَقْلِهِ إِلَيْهِ، مُسْتَدْعِيَة لعِشْقِ المُتَأمِّل فِي محاسِنِه والمُتَفَرِّسِ فِي بدائعه، فَيُحْسِنُهُ جِسْمًا ويُحَقِّقُهُ رُوحًا؛ أَي: يُتْقِنُهُ لَفْظًا ويُبْدِعُهُ مَعْنَى، ويَجْتَنِبُ إخراجَهُ على ضِدِّ هَذِه الصِّفة فَيَكْسوهَا قُبْحًا ويُبْرِزُهُ مَسْخًا؛ بل يُسَوِّي أعْضَاءهُ وزْنًا، ويُعَدِّلُ أجزَاءه تأليفًا، ويُحَسِّنُ صُورَتَهُ إصَابةً، ويُكَثِّرُ رَوْنَقَهُ اختصارًا، ويُكَرِّمُ عُنْصُرَهُ صِدقًا، ويُفيدهُ القَبُول رقَّةً، ويُحَصِّنُهُ جَزالةً، ويُدْنيه سَلاسَةً، وينأى بِهِ إعجازًا،
[ ٢٠٣ ]
ويعْلَمُ أَنه نَتِيِجةُ عَقْلِه، وثَمَرةُ لُبَّهِ، وصُورةُ علمِهِ، والحاكِمُ عَليهِ أَو لَهُ.
ويَنْبْغي للشَّاعِرِ أَن يَحْتَرِزُ أَن أشعارِه ومُفْتَتَحِ أقوالهِ مِمَّا يُتَطَيُّرُ بِهِ أَو يُسْتَجْفَى من الكلامِ والمُخَاطباتِ كذِكْرِ البُكاءِ، ووَصفَ إقُفَارِ الَّديار وتَشَتُّتِ الأُلاَّف، ونَعْي الشَّبابِ، وذم الزَمان، لَا سيَّما فِي القَصَائد الَّتِي تُضَمَّنُ المَدائحَ أَو التَّهاني، ويَسْتْعملْ هَذِه المَعاني فِي المَرَائي، ووَصِفِ الخُطوب الحَادِثة، فَإِن الكَلام إِذا كانَ مؤسِّسًا على هَذَا المِثَال تَطَيَّر مِنْهُ سامِعُهُ، وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنّ الشَّاعِرَ إنَّما يُخَاطِبُ نَفْسَهُ دونَ المَمْدوحِ، فيَتَجنَّبُ مثل ابتداءِ قَولِ الأعْشَى:
(مَا بُكاءُ الكَبيرِ بالأطْلاَلِ وسُؤالي، وَهل تَرُدُّ سُؤَالِي)
(دِمَنَهُّ قَفْرةُ تعاوَرَهَا الَّصيْفُ بِرِيحَيْن من صَبًَا وشَمَالِ)
[ ٢٠٤ ]
ومِثْلَ قَولِ ذِي الرُّمَّةِ:
(مَا بَالُ عَيْنِكَ مِنْهَا الماءُ يَنْسَكبُ كأنَهُ من كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ)
وَقد أنكرَ الفَضْلُ بن يَحيى البَرْمَكِيُّ على أبي نواسٍ قولَهُ:
(أربْعْ البِلَى ﴿إنَّ الخُشُوعَ لَبَادِى عليكَ، وإنيَّ لم أخُنَكَ وِدَادي)
وتَطَيَر مِنْهُ. فلمَّا انْتهى إِلَى قَوْله:
(سَلامُ على الدُّنَيا إِذا مَا فُقِدْ تُمُ بني برْمَكٍ من رَائحينَ وغَادي)
[استَحْكَمَ تَطيُّرُهُ فَيُقَال إنَّه لم يَنْقَضِ الأسبوعُ حَتَّى نزلتَ بِهِ النَازِلةِ﴾]
[ ٢٠٥ ]
وأنْشَدَ البُحْتُريُّ أَبَا سَعيدٍ محمدَ بنَ يُوسف الثَغَري قَصِدَتَهُ الَّتِي أوَّلَها:
(لكَ الوَيْلٍ من لِيل تَطَاوَلَ آخرُهْ ووَشْكِ نَوىَ حَيًّ تُزَمُّ أَبَا عِرُهْ)
فَقَالَ أَبُو سَعيد: الوَيلُ لكَ والحَرْب!
ولْيَجتَنِب التشَّبِيبَ بِامْرَأَة يُوافقُ اسمُها [اسمَ] بعض نِساءِ المَمدُوح من أمَهِ، أَو قرابتهِ أَو غَيْرِهِما. وَكَذَلِكَ مَا يَتَّصِلُ بِهِ سَبَبُهُ، أَو يَتَعلَّقُ بِهِ وَهْمُهُ؛ فإنَّ أرْطأةَ بنَ سُهَيَّة الشَّاعِرَ دخَلَ على عَبْد الملِكَ ابْن مرواَن فقَالَ لَهُ: مَا بقَيَ من شِعْرك؟ فَقَالَ: مَا أطْرَبُ وَلَا أحْزَنُ يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ وإنَّما يُقالُ الشَّعْرُ لأحَدِهما، ولكنَّي قد قلت:
[ ٢٠٦ ]
(رأيتُ الدَّهْر يأكلُ كل حَيًّ كأكلِ الأرضِ ساقِطَة الحَديد)
(وَمَا تَبْغي المَنِيَّةُ - حِينَ تَعْدو - سوى نَفْسِ ابنِ آدمَ من مَزيدِ)
(وأحسِبُ أنَّها سَتكِرُّ حتَّى تُوفيَّ نَذْرَهَا بِأبي الوَليدِ)
فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: مَا تَقول ثَكِلَتْكَ أمُّك؟ ﴿فَقَالَ: أَنا أَبُو الْوَلِيد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ﴾ وَكَانَ عبد الْملك يُكَنَّى أَبَا الْوَلِيد أَيْضا، فَلم يَزَل يَعْرفُ كراهَةَ شِعرهِ فِي وَجْهِ عَبْد الْملك إِلَى أنْ مَاتَ!
فَلْيَجتَنِبِ الشَّاعِرُ هَذَا وَمَا شاكَلُهُ مِمَّا سَبِيلُه كسبيلهِ، وَإِذا مَرَّ لَهُ مَعْنى يُستَبشعُ اللَّفْظ بِهِ لَطُفَ فيا لكناية عَنهُ، وأَجَلَّ المخاطَبَ عَن اسْتِقْبالهِ بِمَا يتكرَّههَ مِنْهُ، وعَدَلَ اللّفظ عَن كَاف المخالطبةِ إِلَى يَاء الإضافةِ إِلَى نَفُسِهِ إِن لم ينكسر الشّعْر، أَو احتال فِي ذَلِك بِمَا يحترِزُ بِهِ مِمَّا ذَمَمْنَاهُ، ويُوقفُ بِهِ على أدَبِ نفسِهِ، ولطف فهمِهِ كَقَوْل الْقَائِل:
[ ٢٠٧ ]
(وَلَا تَحَسَبنَ الْحزن يَبْقَى فإنهُ شِهابُ حَريقٍ واقِدُ ثمَّ خَامِدُ)
(سآلفُ فُقدانَ الَّذِي قَد فَقَدْتُهُ كإلْفكَ وِجدانَ الَّذِي أنتَ واجِدُ)
وإنَّما أَرَادَ الشَّاعرُ: ستألَفُ فُقدانَ الَّذِي قَد فَقَدْتَهُ كإلفِكَ وِجدانَ الَّذِي قد وَجَدْتهُ؛ أَي: تَتعزَّى عَن مُصِيبَتكَ بالسُّلُوَّ. فانظُرْ كَيفَ لَطُفَ فِي إضافَةِ ذكر المَفقودِ الَّذِي يُتَطَيَّرُ مِنْهُ إِلَى نَفَسِهِ، وَمَا يُتفاءَلُ إِلَيْهِ من الوِجدانِ إِلَى المُخَاطَبِ، فَجَعَل المَوْجودَ المألوفَ للمُعَزَّى، والمَفقْودَ لِنَفْسهِ.
ويُحكى أنَّ أَبَا دُلَفٍ استنشَدَ أَبَا حكيمَةَ راشِدًا الْكَاتِب بَعْضَ مارَثَى بِهِ أيْرَهُ، وأعْجِبَ بِمَا سَمِعَهُ من مَعَانيِ قولِهِ فِي ذَلِك الفَنَّ، فأنشَدَهُ:
(أَلا ذَهَبَ الأيْرُ الَّذِي كُنْتَ تَعْرِفُ )
فَقَالَ لَهُ أَبُو دُلَفٍ: أمُّكَ كانَت تَعْرِف ﴿﴾
[ ٢٠٨ ]
ويَنْبَغِي للشَّاعر أنْ يتأمَّلَ تأليفَ شِعْرِهِ، وتَنْسِيقَ أبياتِهِ، وَيَقِفَ على حُسْنِ تجاوُرِهاَ أَو قُبْحِهِ فيُلائمُ بَينهَا لتَنتْظمِ لَهُ مَعَانِيهَا ويَتَّصِلَ كَلاَمُه فِيهَا، وَلَا يَجْعَل بَين مَا قَدِ ابتَدَأ وَصْفَهُ وَبَين تَمامهِ فضلا من حَشْوٍ لَيْسَ من جِنسِ ماهو فِيهِ فَيُنسِيَ السَّامِعَ المَعْنَى الَّذِي يَسوقُ القَولَ إِلَيْهِ. كَمَا أَنه يَحْتَرِزُ مِنْ ذَلِك فِي كُلَّ بَيْتٍ فَلَا يُبَاعِدُ كَلِمَةً عَن أخْتها، وَلَا يَحُجِزُ بَينهَا وَبَين تَمامِها بِحَشْوٍ يَشِينهَا. ويَتفَقَّدُ كلَّ مِصْرَاعٍ هَلْ يُشَاكِلُ مَا قَبْلَهُ فَرُبَّما اتَّفَقَ للشَّاعرِبيتانِ يَضَعُ مِصَراع كلَّ وَاحدٍ مِنْهُمَا فِي مَوضع الآخر، فلاَيَتَنبَّهُ على ذَلِك إلاَّ مَنْ دَقَّ نَظَرُه ولطفَ فَهْمُهُ.
ورُبَّما وَقَعَ الخَللُ فِي الشَّعر من جِهَةِ الرُّواةِ والنَّاقلينَ لَهُ فَيَسمَعونَ الشَّعرَ على جِهَتِهِ ويؤُدُّونَهُ على غَيرِهَا سَهْوًا، وَلَا يَتَذَكّرون حَقيِقةَ مَا سَمِعُوهُ مِنْهُ كقولِ امريء القَيسِ:
(كأنَّي لم أركَبْ جَوَدًا للَذَةٍ وَلم أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخَالِ)
(وَلم أسْبَأ الزَّقَّ الرَّوِيَّ وَلمْ أقلْ لخَيلْي: كُرَّي كَرَّةً بعد إجفَالِ)
[ ٢٠٩ ]
هَكَذَا الرَّواية.
وهَما بَيْتَانِ حَسَنانِ، وَلَو وُضِعَ مِصْرَاعُ كُلَ واحِدً مِنْهَا فِي مَوضِع الآخر كانَ أشكَلَ وأدْخَلَ فِي استواءِ النَّسج، فكانَ يُرْوَى:
(كأنيَ لم أركَبْ جَوادًا وَلم أقلْ لخَيْلي: كُرَّي كَرَّةً بعد إجفالي)
(وَلم أسبَأ الزَّقَّ الرَّوِيَّ لِلَذَّةٍ وَلم أتَبَطَّنْ كاعِباَ ذاتَ خَلْخالِ)
وكَذلك قَول ابنِ هَرْمة:
(وَإِنِّي وتَرُكي نَدَى الأكرَمينَ وقَدْ حِي بكَفَّي زِنادًا شَحَاحَا)
(كتارِكَةٍ بَيْضهَاَ بالعَراءِ ومُلبِسَةٍ بَيْضَ أُخْرَى جَنَاحَا)
وكَقْولِ الفَرزدق:
(وإنَّك إذْ تَهَجو تَمِيماَ وتَرْتَشِي سَرَابيلَ قَيسٍ أَو سُحوقَ العَمَائِمِ)
(كمُهْرِيقِ ماءٍ بالفَلاةِ وغَرَّهُ سَرابُ أذَاَعَتْهُ رياحُ السَّمائم)
[ ٢١٠ ]
كَأَن يَجِبَ أنْ بَيتُ لِابْنِ هَرْمَة مَعَ بَيت للفَرَزْدق، وبيتُ للفَرَزْدِق مَعَ بَيْتٍ لِابْنِ هَرْمَة فُيقال:
(وإنَّي وتَركي نَدَى الأكْرَمينَ وقَدْحِي بِكَفَّي زِنَادًا شَحَاحَا)
(كَمُهرِيقِ مَاءٍ بالفَلاةِ وغَرَّهُ سَرابُ أذَاعتهُ رياحُ السَّمائمِ)
ويُقَال:
(وإنكَ إذْ تَهْجُو تَميمًا وتَرتَشي سرابيلَ قَيسٍ أَو سُحُوقَ العَمَائمِ)
(كتارِكَةٍ بَيضَهاَ بالعَرَاءِ ومُلبسَةٍ بَيضَ أخرىَ جَناحَا)
حتَّى يَصِحَّ التَّشْبِيهُ للشَّاعِرَينِ جَميعًا وإلاَّ كانَ تَشْبِيهَاُ بَعيدًا غَيْرَ واقِعٍ مَوقعهُ الَّذِي أُريدَ لَهُ.
وَإِذا تأمَّلْتَ أشْعارَ القُدماءِ لم تَعْدَمْ فِيهَا أبْيَاتًا مُخْتَلِفَةَ المَصَارِيعِ كقَوْلِ طَرَفَةَ:
(ولَسْتُ بِحَلاَّلِ التَّلاعِ مَخَافَةً ولكنْ مَتى يَسْتَرْفِدِ القَومُ أرْفِدِ)
[ ٢١١ ]
فالمِصرْاَعُ الثَّانِي غَيْرُ مُشَاكِلٍ للأوَّل.
وكقَوْلِ الأعْشَى:
(وإنَّ امْرَءًا أهْدَاكِ بَيْني وبَيْنهُ فَيَافٍ تَنُوفاتُ ويَهمَاءُ خَيْفَقُ)
(لمحقوقَهُ أنْ تَسْتَجِيبيِ لصَوْتِهِ وَأَن تَعْلمي أنَّ المُعَانَ مُوَفَّقُ)
فَقَوله:
( . وَأَن تَعْلمي أنَّ المُعَان مَوُفَّقُ)
غير مُشاكِلٍ لما قَبْلَهُ.
وكَقولِهِ:
(أغَرُّ أبْيَضُ يُسْتسَقَى الغَمَامُ بهِ لَو قارَعَ النَّاسَ عَن أحْسَابِهم قَرَعَا)
[ ٢١٢ ]
فالمِصْرَاعُ الثَّانِي غيرُ مُشاَكِلٍ للأوَّل وإنْ كاَن كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا قَائماُ بنَفْسِه.
وأحسَنُ الشَّعْرِ مَا يَنتَظِمُ فِيهِ القَوْل انتظاماُ يَتَّسِقُ بِهِ أوَّلُهُ مَعَ آخِرِهِ على مَا يُنَسَّقُهُ، قائِلَهُ، فإنْ قُدَّم بَيْتُ على بَيْتِ دَخَلَهُ الخَلَلُ كَمَا يدخُلُ الرَّسَائِلَ والخطَبَ إِذا نُقِضَ تأليِفُهَا. فإنَّ الشَّعْرَ إِذا أُسَّسَ تأسيسَفُصُولِ الرسائل الْقَائِمَة بأنْفُسِهَا، وكَلِماتِ الحِكْمَةِ المُستَقِلَّةِ بذاتِهَا، والأمْثَالِ السَّائرةِ المَوسُومَةِ باختِصَارها، لم يَحْسُنْ نَظمُهُ بل يَجِبُ أنْ تكونَ القَصِيدةُ كُلُّها كَلِمَةً وَاحِدَة فِي اشتباهِ أوَّلهَا بآخِرِهَا نَسْجًا وحُسْنًا وفَصَاحَةً وجَزَالةَ ألفَاظِ ودِقَّةَ مَعَانٍ وصَوَابَ تأليفٍ. وَيكون خُرُوجُ الشَّاعرِ من كُلَّ مَعْنىً يضيفهُ إِلَى غَيرهِ من الْمعَانِي خُروجًا لطِيفًا، على مَا شَرَطناهُ فِي أوَّلِ الْكتاب، حَتَّى تَخْرُجَ القَصِيدةُ كأنَّها مُفْرغةُ إفْراغًا، كالأشعار الَّتِي اسْتَشْهَدْنَا بهَا فِي الجَودةِ والحُسْنِ واسْتِواءِ النَّظْمِ، لَا تناقُضَ فِي مَعَانِيهَا، وَلَا وَهْيَ فِي مَبَانِيها، وَلَا تَكَلُّفَ فِي نَسْجِهَا، تَقْضِي كُلَّ كَلِمَةٍ مَا بَعْدَها، ويكونُ مَا بَعْدَهَا مُتَعلقًا بهَا مُفْتَقرًا إِلَيْهَا.
فَإِذا كانَ الشَّعْرُ على هَذَا التَّمثيلِ سَبَقَ السَّامعُ إِلَى قَوَافيهِ قَبلَ أنْ يَنْتَهِىَ إليْها رَاويةِ، وَرُبَّمَا سَبَقَ إِلَى إتْمَامِ مِصْرَاعٍ مِنْهُ
[ ٢١٣ ]
اضْطِرارًا يُوجُبهُ تأسِيسُ الشَّعْرِ كقولِ البُحْتُريَّ:
(سَلَبُوا البِيضَ بَزَّها فأقَامْوا بظباها التأويلَ والتَّنزِيلاَ)
(فَإِذا حارَبُوا أذَلَّوا عَزِيزًا .)
يَقْتَضِي هذَا المِصْراع أنْ يَكُونَ تمامُهُ:
( وَإِذا سالَمُوا أعَزُّوا ذَلِيلاَ)
وكقَولِهِ:
(أحلتْ دَمي من غَيْرِ جُرْمٍ وَحَرَّمَتْ بِلَا سَبَبٍ يَوْمَ اللَّقاءِ كَلامي)
(فداؤْكِ مَا أبْقَيْتِ مِنَّى فإنَّه حُشَاشَةُ حُبً فِي نُحولِ عِظَامِ)
[ ٢١٤ ]
(صِلِي مُغْرَمًا قد واتَر الشَّوقُ دمعهُ سِجَامًا على الخَدَّينِ بعد سِجَامِ)
(فَليسَ الَّذِي حَلَّلتِهِ بِمُحَلَّلٍ .)
يَقْتَضِي أَن يكونَ تَمامُهُ:
( ولَيسَ الَّذِي حَرَّمْتِهِ بحَرامِ)
وأحسَنُ الشَّعْر مَا يُوضَعُ فِيهِ كلَّ كَلِمَةٍ مَوْضِعَهَا حَتَّى تُطابِقَ المَعْنَىَ الَّذِي أرِيدَتْ لَهُ، ويكونُ شَاهِدُهَا مَعَهَا لَا يحتاجُ إِلَى تَفْسِير من غَيرِ ذاتِها كَقَولِ جَنُوبَ أَخْتِ عَمْرو ذِي الكَلْب:
(فأقسَمْتُ - يَا عَمْروُ - لَو نَبَّهَاكَ إِذا نَبَّهَا مِنْكَ دَاءً عُضَالاَ)
[ ٢١٥ ]
(إِذا نَبَّهَا ليْثَ عِرّيسَةٍ مُفِيتًا مُفِيدًا نُفُوسًا ومَالاَ)
(وخَرقٍ تَجَاوَزْتَ مَجْهولَهُ بوَجَنَاءَ حَرْفٍ تَشَكَّى الكَلاَلاَ)
(فكُنْتَ النَّهَارَ بهِ شَمْسهُ وكنْتَ دُجَى الَّليْلِ فِيهِ الهِلاَلاَ)
فتأمَّلْ تَنْسيقَ هَذَا الْكَلَام وحُسْنَةُ، وقَولَهَا: مُفِيتًا مُفِيدا، ثمَّ فَسَّرَتْ ذَلِك فقَالتْ: نُفُوسًا ومالًا، ووَصَفَتُهُ نَهَارا بالشَّمسِ ولَيْلًا بالِهَلالِ. فَعَلى هَذَا المثَالِ يجب أَن ينَسَّقَ الكَلاَمُ صدقا لَا كَذِبَ فيهِ وحَقيقةً لَا مَجَازَ مَعَها فَلْسَفيَّا كقولِ القَائِلِ:
(وَفِي أربعٍ منيّ حَلَتْ مِنْكَ أرْبَعُ فَمَا أَنا دَار أيُّهَا هَاجَ لي كَرْبي)
[ ٢١٦ ]
(أوَجْهُكِ فِي عَيْني أم الرَّيقُ فِي فَمي أمِ النُّطْقُ فِي سَمْعي أم الحُبُّ فِي قلبِي)