حدّثني الرّياشيّ قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: حدّثنا ابن عمران قاضي المدينة أن طلحة كان يقال له: طلحة الخير، وطلحة الفيّاض، وطلحة الطّلحات وأنه فدى عشرة من أسارى بدر وجاء يمشي بينهم، وأنه سئل برحم فقال: ما سئلت بهذه الرحم قبل اليوم، وقد بعت حائطا لي بتسعمائة ألف درهم وأنا فيه بالخيار، فإن شئت ارتجعته وأعطيتكه، وإن شئت أعطيتك ثمنه.
[ ١ / ٤٥٤ ]
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: أخبرني شيخ من مشيختنا،- وربما قال: هارون الأعور- أن قتيبة بن مسلم قال: أرسلني أبي إلى ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة فقال: قل له قد كان في قومك دماء وجراح، وقد أحبّوا أن تحضر المسجد فيمن يحضر، قال: فأتيته فأبلغته فقال يا جارية: غدّيني، فجاءت بأرغفة خشن فثردتهنّ في مريس «١» ثم برقتهنّ «٢» فأكل. قال قتيبة: فجعل شأنه يصغر في عيني ونفسي، ثم مسح يده وقال:
الحمد لله، حنطة الأهواز وتمر الفرات وزيت الشام، ثم أخذ نعليه وارتدى، ثم انطلق معي وأتى المسجد الجامع فصلّى ركعتين ثم احتبى، فما رأته حلقة إلا تقوّضت إليه، فاجتمع الطالبون والمطلوبون فأكثروا الكلام، فقال: إلى ماذا صار أمرهم؟ قالوا: إلى كذا وكذا من إبل، قال: هي عليّ، ثم قام.
الهيثم عن ابن عباس قال: كان معد يكرب بن أبرهة جالسا مع عبد العزيز بن مرون على سريره فأتي بفتيان قد شربوا الخمر، فقال: يا أعداء الله، أتشربون الخمر! فقال معد يكرب: أنشدك الله أن لا تفضح هؤلاء، فقال:
إنّ الحق في هؤلاء وفي غيرهم واحد، فقال معديكرب: يا غلام صبّ من شرابهم في القدح، فصبّ له فشربه وقال: والله ما شرابنا في منازلنا إلا هذا.
فقال عبد العزيز: خلّوا عنهم، فقيل له حين انصرفوا: شربت الخمر! فقال:
أما والله إن الله ليعلم أنّي لم أشربها قطّ في سرّ ولا علانية، ولكنّي كرهت أن يفضح مثل هؤلاء بمحضري.
وحدّثني شيخ لنا قال: مدح شاعر الحسن بن سهل فقال له: احتكم، وظنّ أنّ همّته قصيرة، فقال: ألف ناقة، فوجز الحسن ولم يمكنه، وكره أن
[ ١ / ٤٥٥ ]
يفتضح وقال: يا هذا إنّ بلادنا ليست بلاد إبل، ولكن ما قال امرؤ القيس:
[وافر]
إذا ما لم يكن إبل فمعزى كأنّ قرون جلّتها العصيّ
قد أمرت لك بألف شاة، فالق يحيى بن خاقان، فأعطاه بكلّ شاة دينارا.
قال: وقدم زائر على أبي دلف فأمر له بألف دينار وكسوة ثم قال: [كامل]
أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا قلّا ولو أمهلتنا لم يقلل
فخذ القليل وكن كأنك لم تقل شيئا، ونحن كأننا لم نفعل
وقال بعض الشعراء: [خفيف]
ليس جود الفتيان من فضل مال إنما الجود للمقلّ المواسي
وقال دعبل «١» في نحوه: [طويل]
لئن كنت لا تولي يدا دون إمرة فلست بمول نائلا آخر الدّهر
فأيّ إناء لم يفض عند ملئه! * وأيّ بخيل لم ينل ساعة الوفر!
وليس الفتى المعطي على اليسر وحده ولكنه المعطي على العسر واليسر
ابن الكلبيّ قال: أخبرني غير واحد من قريش قالوا: أراد عبد الله وعبيد الله ابنا العباس أن يقتسما ميراثهما من أبيهما بمكة، فدعي القاسم ليقسم، فلما مدّ الحبل قال له عبد الله: أقم المطمر «٢» . فقال له عبيد الله: يا أخي، الدار دراك لا يمدّ والله فيها اليوم مطمر. وكان يقال: من أراد العلم
[ ١ / ٤٥٦ ]
والسخاء والجمال فليأت دار العباس، كان عبد الله أعلم الناس، وعبيد الله أسخى الناس، والفضل أجمل الناس.
باع عبد الله بن عتبة أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا! فقال: أنا أجعل هذا المال ذخرا لي عند الله، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسم المال.
ويقال: إنّ أوّل ما عرف به سؤدد خالد بن عبد الله القسري أنه مرّ في بعض طرق دمشق وهو غلام فأوطأ فرسه صبيّا فوقف عليه، فلما رآه لا يتحرّك أمر غلامه فحمله، ثم انتهى به أوّل مجلس مرّ به فقال: إن حدث بهذا الغلام حدث الموت فأنا صاحبه، أو طأته فرسي ولم أعلم.
قال عديّ بن حاتم لابن له حدث: قم بالباب فامنع من لا تعرف وأذن لمن تعرف، فقال: لا والله، لا يكون أوّل شيء وليته من أمر الدنيا منع قوم من الطعام.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: ضاف بني زياد العبسيّين ضيف، فلم يشعروا إلا وقد احتضن أمّهم من خلفها، فرفع ذلك إلى ربيع بن زياد الكامل فقال: لا يضارّ الليلة عائذ أمّي، أنه عاذ بحقويها «١» .
المدائنيّ قال: أحدث رجل في الصلاة خلف عمر بن الخطاب، فلما سلّم عمر قال: أعزم على صاحب الضرطة إلا قام فتوضأ وصلّى، فلم يقم أحد، فقال جرير بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، إعزم على نفسك وعلينا أن نتوضّأ ثم نعيد الصلاة، فأمّا نحن فتصير لنا نافلة، وأما صاحبنا فيقضي
[ ١ / ٤٥٧ ]
صلاته، فقال عمر: رحمك الله، إن كنت لشريفا في الجاهلية فقيها في الإسلام.
كان عبد الله بن جدعان التيميّ حين كبر أخذ بنو تيم عليه ومنعوه أن يعطي شيئا من ماله، فكان الرجل إذا أتاه يطلب منه قال: أدن منّي، فإذا دنا منه لطمه ثم قال: إذهب فاطلب بلطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تيم من ماله.
وفيه يقول ابن قيس «١» الرّقيّات: [خفيف]
والذي إن أشار نحوك لطما تبع اللّطم نائل وعطاء
وابن جدعان «٢» هو القائل: [بسيط]
إنّي وإن لم ينل مالي مدى خلقي وهّاب ما ملكت كفّي من المال
لا أحبس المال إلّا ريث أتلفه ولا تغيّرني حال عن الحال
الهيثم عن حمّاد الراوية عن مشايخ طيء قالوا: كانت عتبه «٣» بنت عفيف أمّ حاتم لا تليق «٤» شيئا سخاء وجودا، فمنعها إخوتها من ذلك فأبت، وكانت موسرة فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها رجاء أن تكفّ، ثم أخرجوها بعد سنة وظنّوا أنها قد أقصرت ودفعوا إليها صرمة «٥»، فأتتها امرأة من هوازن فسألتها فأعطتها الصّرمة وقالت: والله لقد مسّني من الجوع ما آليت معه ألّا أمنع سائلا شيئا. وقالت:
[ ١ / ٤٥٨ ]
[طويل]
لعمري لقدما عضّني الجوع عضّة فآليت ألّا أمنع الدّهر جائعا
فقولا لهذا اللّائمي الآن أعفني فإن أنت لم تفعل فعضّ الأصابعا
فماذا عساكم أن تقولوا لأختكم سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
ولا ما ترون الدّهر إلا طبيعة فكيف بتركي يا ابن أمّ الطبائعا «١»
ابن الكلبيّ عن أبيه عن رجالات طيء قالوا: كان حاتم جوادا شاعرا، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان ظفرا إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق، وإذا أسر أطلق، وكان أقسم بالله: لا يقتل واحد أمّه.
أبو اليقظان قال: أخذ عبيد الله بن زياد عروة «٢» بن أديّة أخا أبي بلال فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب داره، فقال لأهله: أنظروا هؤلاء الموكّلين بي فأحسنوا إليهم فإنهم أضيافكم.
سفيان بن عيينة قال: كان سعيد بن العاص إذا أتاه سائل فلم يك عنده ما سأل قال: أكتب عليّ بمسألتك سجلّا إلى أيام يسري.
باع أعرابيّ ناقة له من مالك بن أسماء، فلما صار الثمن في يده نظر إليها فذرفت عيناه، ثم قال: [طويل]
وقد تنزع الحاجات يا أمّ معمر كرائم من ربّ بهنّ ضنين
فقال له مالك: خذ ناقتك وقد سوّغتك الثمن. اشترى عبيد الله بن أبي
[ ١ / ٤٥٩ ]
بكرة جارية نفيسة فطلبت دابة تحمل عليها فلم توجد، فجاء رجل بدابّة فحملها، فقال له عبيد الله: إذهب بالجارية إلى منزلك. باع ثابت بن عبيد الله ابن أبي بكرة دار الصّفاق «١» من مقاتل بن مسمع نسيئة ثم اقتضاه فلزمه في دار أبيه، فرآه عبيد الله فقال: ما لك؟ قال: حبسني ابنك. قال: بم؟ قال: بثمن دار الصّفاق، قال: يا ثابت، أما وجدت لغرمائك محبسا إلّا داري؟ إدفع إليه صكّه وأعوّضك. قيل لرجل: ما لك تنزل في الأطراف؟ فقال: منازل الأشراف في الأطراف يتناولون ما يريدون بالقدرة ويتناولهم من يريدهم بالحاجة. لمّا كبر عديّ بن حاتم آذاه برد الأرض وكان رجلا لحيما «٢» فنهشت الأرض فخذيه فجمع قومه فقال: يا بني ثعل «٣»، إني لست بخيركم إلا أن تروا ذلك فقد كان أبي بمكان لم يكن به أحد من قومه، بنى لكم الشرف ونفى عنك العار فأصبح الطائيّ إذا فعل خيرا قال العرب: من حيّ لا يحمدون على الجود ولا يعذرون على البخل، وقد بلغت من السنّ ما ترون وآذاني برد الأرض فأذنوا لي في وطاء «٤» فوالله ما أريده فخرا عليكم ولا احتقارا لكم، وسأخبركم: ما على من وضع طنفسة «٥» وقعد حوله إلا أنّ الحقّ عليه أن يذلّ في عرضه وينخدع في ماله ولا يحسد شريفا ولا يحقر وضيعا، فقال القوم: دعنا اليوم، ثم غدوا عليه فقالوا: يا أبا طريف ضع الطّنفسة والبس التاج، فبلغ ابن دارة «٦» الشاعر فأتاه
[ ١ / ٤٦٠ ]
وقال: قد مدحتك، فقال: أمسك عليك حتى أنبئك بمالي فتمدحني على حسبه، لي ألف ضائنة «١» وألفا درهم وثلاثة أعبد، وفرسي هذا حبيس في سبيل الله، هات الآن فقال: [طويل]
تحنّ قلوصي «٢» في معدّ وإنما تلاقي الربيع في ديار بني ثعل
وأبقى اللّيالي من عديّ بن حاتم حساما كلون الملح سلّ من الخلل
أبوك جواد ما يشقّ غباره وإن جواد لست تعذر بالعلل
فإن تفعلوا شرّا فمثلكم أتّقّى وإخ تفعلوا خيرا فمثلكمو فعل
فقال: أمسك عليك، لا يبلغ مالي أكثر من هذا، وشاطره ما له.
جاء رجل إلى معن فاستحمله عيرا فقال معن: يا غلام، أعطه عيرا «٣» وبغلا وبرذونا وفرسا وبعيرا وجارية، ولو عرفت مركوبا غير هذا لأعطيتكه.
وكان يقال: حدّث عن البحر ولا حرج وعن بني إسرائيل ولا حرج وعن معن ولا حرج. قال رجل من كلب للحكم بن عوانة وهو على السّند: إنما أنت عبد، فقال الحكم: والله لأعطينّك عطيّة لا يعطيها العبد فأعطاه مائة رأس من السّبي. وقرأت في بعض كتب العجم أن جامات «٤» كسرى التي كان يأكل فيها كانت من ذهب، فسرق رجل من أصحابه جاما وكسرى ينظر إليه، فلما رفعت الموائد افتقد الطبّاخ الجام فرجع يطلبها، فقال له كسرى: لا تتعنّ فقد أخذها من لا يردّها ورآه من لا يفشي عليه، ثم دخل عليه الرجل بعد ذلك وقد حلّى سيفه ومنطقته ذهبا، فقال له كسرى بالفارسية: يا فلان، هذا، يعني السيف، من
[ ١ / ٤٦١ ]
ذاك قال: نعم وهذا، وأشار إلى منطقته. قالوا: لم يكن لخالد بن برمك أخ إلّا بنى له دارا على قدر كفايته ووقف على أولاد الإخوان ما يعيشهم أبدا ولم يكن لإخوانه ولد إلا من جارية هو وهبها له.
بلغ ابن المقفع أن جارا له يبيع دارا له لدين ركبه وكان يجلس في ظلّ داره، فقال: ما قمت إدّا «١» بحرمة ظلّ داره إن باعها معدما وبتّ واجدا، فحمل إليه ثمن الدار وقال: لا تبع. قال أبو اليقظان: باع نهيك بن مالك بن معاوية إبله وانطلق بثمنها إلى منى فجعل ينهبه، والناس يقولون: مجنون، فقال: لست بمجنون ولكنّي سمح أنهبكم مالي إذا عزّ الفتح. قال: وأتى عبد الله بن جعفر قهرمانه بحسابه فكان في أوّله حبل بخمسين درهما، فقال عبد الله: لقد غلت الحبال، فقال القهرمان: إنه أبرق، فقال عبد الله: إن كان أبرق فأنا أجيزه، فهو الآن مثل مضروب بالمدينة. كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له: يا هذا، إنك قد اخترتني جارا فجناية يدك عليّ دونك، وإن جنت عليك يد فاحتكم عليّ حكم الصبيّ على أهله. وقال بعض الشعراء:
[طويل]
همو خلطوني بالنفوس ودافعوا ورائي بركن ذي مناكب مدفع
وقالوا تعلّم أنّ مالك إن يصب يعدك وإن تحبس يردك ويشفع
وروى عبد الله بن بكر السّهمي عن حاتم بن أبي صغيرة عن حبيب بن أبي ثابت أنّ الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعيّاش بن أبي ربيعة خرجوا يوم اليرموك حتى انبتّوا، فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه، فنظر إليه عكرمة فقال: ادفعه إلى عكرمة فنظر إليه عيّاش فقال عكرمة: إدفعه إلى
[ ١ / ٤٦٢ ]
عيّاش، فما وصل إلى عيّاش حتى مات ولا عاد إليه حتى ماتوا، فسمّي هذا حديث الكرام وهذا الحديث عندي موضوع لأن أهل السّيرة يذكرون أنّ عكرمة قتل يوم أجنادين وعيّاش مات بمكة، والحارث مات بالشام في طاعون عمواس.
أعطى رجل امرأة سألته مالا عظيما، فلاموه وقالوا: إنها لا تعرفك وإنما كان يرضيها اليسير، فقال: إن كانت ترضى باليسير فإنّي لا أرضى إلا بالكثير وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
قال بعض الشعراء: [طويل]
وما خير مال لا يقي الذمّ ربّه ونفس امرئ في حقّها لا يهينا
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله «١» بن جعفر: [وافر]
أرى نفسي تتوق إلى أمور ويقصر دون مبلغهنّ حالي
فنفسي لا تطاوعني ببخل ومالي لا يبلّغني فعالي
وقال أيضا: [بسيط]
ولا أقول نعم يوما فأتبعها منعا ولو ذهبت بالمال والولد
ولا اؤتمنت في سرّ فبحت به ولا مددت إلى غير الجميل يدي
وقال كعب «٢» بن سعد الغنويّ: [طويل]
وذي ندب دامي الأظلّ «٣» قسمته محافظة بيني وبين زميلي
[ ١ / ٤٦٣ ]
وزاد رفعت الكفّ عنه تجمّلا لأوثر في زادي عليّ أكيلي
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ويغضب منه صاحبي بقؤول
وقال زهير «١»: [طويل]
وأبيض فيّاض يداه غمامة على معتفيه ما تغبّ «٢» نوافله «٣»
غدوت عليه غدوة فوجدته قعودا لديه بالصّريم عواذله
فأعرضن منه عن كريم مرزّا جموع على الأمر الذي هو فاعله
أخي «٤» ثقة لا تذهب الخمر ماله ولكنه قد يذهب المال نائله
تراه إذا ما جئته متهلّلا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
المدائنيّ قال: أضلّ فيروز بن حصين سوطه يوما، فأعطاه رجل سوطا فأمر له بألف درهم، ثم أتاه بعد حول فقال: من أنت؟ قال: صاحب السوط فأمر له بألف درهم، ثم أتاه بعد حول فقال: من أنت؟ قال: صاحب السوط، قال: أعطوه ألف درهم ومائة سوط فانقطع عنه. قال الشاعر: [بسيط]
إنّي حمدت بني شيبان إذ خمدت نيران قومي فشبّت فيهم النار
ومن تكرّمهم في المحل أنّهم لا يحسب الجار فيهم أنه جار
وقال آخر: [طويل]
نزلت على آل المهلّب شاتيا بعيدا قصيّ الدار في زمن محل
فما زال بي إلطافهم وافتقادهم وإكرامهم حتى حسبتهمو أهلي
[ ١ / ٤٦٤ ]
وقال آخر: [طويل]
إذا كان لي شيئان يا أمّ مالك فإنّ لجاري منهما ما تخيّرا
وقال عمرو «١» بن الأهتم: [طويل]
ذريني فإنّ الشّحّ يا أمّ هيثم لصالح أخلاق الرجال سروق
ذريني وحطّي «٢» في هواي فإنّني على الحسب العالي الرّفيع شفيق
ومستمنح بعد الهدوء دعوته وقد كان من ساري الشتاء طروق
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا فهذا مبيت صالح وصديق
أضفت فلم أفحش عليه ولم أقل لأحرمه إنّ الفناء مضيق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكنّ أخلاق الرجال تضيق «٣»
كان يقال: للعباس بن عبد المطلب ثوب لعاري بني هاشم، وجفنة لجاره ومقطرة «٤» لجاهلهم. قال بكر «٥» بن النّطّاح: [طويل]
لو خذلت أمواله جود كفّه لقاسم من يرجوه بعض حياته
ولو لم يجد في العمر قسما لزائر لجاد له بالشّطر من حسناته
وقال الفرزدق «٦»: [كامل]
إنّ المهالبة الكرام تحمّلوا دفع المكاره عن ذوي المكروه
زانوا قديمهمو بحسن حديثهم وكريم أخلاق بحسن وجوه
[ ١ / ٤٦٥ ]
كان يقال: الشّرف في السّرف. قال عامر «١» بن الطّفيل: [طويل]
إذا نزلت بالناس يوما ملمّة تسوق من الأيام داهية إدّا «٢»
دلفنا لها حتى نقوّم ميلها ولم نهد عنها بالأسنّة أو تهدا
وكم مظهر بغضاءنا ودّ أنه إذا ما التقينا كان أخفى الذي أبدى
مطاعيم في الّلأواء مطاعين في الوغى «٣» شمائلنا تنكي وأيماننا تندى
وقال حاتم طيء: [طويل]
أكفّ يدي من أن تنال أكفّهم إذا ما مددناها وحاجتنا معا
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وقال جابر «٤» بن حيّان: [طويل]
فإن يقتسم مالي بنيّ ونسوتي فلن يقسموا خلقي الكريم ولا فعلي
وما وجد الأضياف فيما ينوبهم لهم عند علّات النفوس أبا مثلي
أهين لهم مالي وأعلم أنّني سأورثه الأحياء سيرة من قبلي
كان سعيد بن عمرو مؤاخيا ليزيد بن المهلب، فلما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد ومنع من الدخول عليه، أتاه سعيد فقال: يا أمير المؤمنين، لي
[ ١ / ٤٦٦ ]
على يزيد خمسون ألف درهم وقد حلت بيني وبينه، فإن رأيت أن تأذن لي فأقتضيه؟ فإذن له فدخل عليه فسرّ به يزيد، وقال: كيف وصلت إليّ، فأخبره، فقال يزيد: والله لا تخرج إلا وهي معك فامتنع سعيد فحلف يزيد ليقبضنّها، فقال عديّ «١» بن الرّقاع: [طويل]
لم أر محبوسا من الناس واحدا حبا «٢» زائرا في السجن غير يزيد
سعيد بن عمرو إذ أتاه أجازه بخمسين ألفا عجّلت لسعيد
وقال بعض الشعراء: [طويل]
وإنّي لحلّال بي الحقّ، أتّقي إذا نزل الأضياف أن أتجهّما
إذا لم تذد ألبانها عن لحومها حلبنا لهم منها بأسيافنا دما
دخل شاعر على المهديّ فامتدحه، فأمر له بمال فلما قبضه فرّقه على من حضر وقال: [طويل]
لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنى وما خلت أنّ الجود من كفّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى أفدت وأعداني فبدّدت ما عندي
أخبرني أبو الحسن علي بن هارون الهاشميّ قال: أخبرني وكيع قال:
حدّثني أبو العيناء قال: كان بالبصرة لنا صديق يهوديّ وكان ذا مال وقد تأدّب وقال الشعر وعرف شيئا من العلوم وكان له ولد ذكور، فلما حضرته الوفاة جمع ماله وفرّقه على أهل العلم والأدب ولم يترك لولده ميراثا فعوتب على ذلك فقال:
[ ١ / ٤٦٧ ]
[منسرح]
رأيت مالي أبرّ من ولدي فاليوم لا نحلة ولا صدقه
من كان منهم لها فأبعده اللّ هـ ومن كان صالحا رزقه
وحدّثني الأخفش بهذا الخبر عن المبرّد عن الرّياشيّ والله أعلم.
أنجز الجزء الأول ويتلوه الجزء الثاني.
[ ١ / ٤٦٨ ]