اجتمع عبد الله بن عمر وعروة بن الزّبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان بفناء الكعبة، فقال لهم مصعب: تمنّوا فقالوا: إبدأ أنت.
فقال: ولاية العراق وتزوّج سكينة ابنة الحسين وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فنال ذلك وأصدق كلّ واحدة خمسمائة ألف درهم وجهّزها بمثلها.
وتمنى عروة بن الزّبير الفقه وأن يحمل عنه الحديث فنال ذلك. وتمنّى عبد الملك الخلافة فنالها. وتمنى عبد الله بن عمر الجنة.
قال قتيبة بن مسلم لحصين بن المنذر: ما السّرور؟ قال: امرأة حسناء،
[ ١ / ٣٦٧ ]
ودار قوراء «١»، وفرس مرتبط بالفناء. وقيل لضرار بن الحسين: ما السّرور؟
قال: لواء منشور، وجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير. وقيل لعبد الملك «٢» بن صالح: ما السّرور؟ فقال: [مجزوء الكامل]
كلّ الكرامة نلتها إلّا التحية بالسلام
يريد أنه لم يسلّم عليه بالخلافة. وأخذه من قول الآخر:
[مجزوء الكامل]
من كلّ ما نال الفتى قد نلته إلّا التحيّه
يريد الملك. قيل لعبد الملك بن الأهتم: ما السّرور؟ فقال: رفع الأولياء، وحطّ الأعداء، وطول البقاء، مع القدرة والنماء. وقال آخر:
[خفيف]
أطيب الطيّبات قتل الأعادي واختيال على متون الجياد
وأياد حبوتهنّ كريما إنّ عند الكريم تزكو الأيادي
قيل للفضل بن سهل: ما السّرور؟ فقال: توقيع جائز وأمر نافذ. وقال يزيد بن أسد يوما: أيّ شيء أسرّ للقلوب؟ فقالوا: رجل هوي زمانا ثم قدر، فقال: إن هذا السّرور. وقال آخر: رجل طلب الولد زمانا فلم يولد له ثم بشّر بغلام، فقال يزيد: أسرّ من هذا كلّه قفلة على غفلة. قيل لبعض الحكماء:
تمنّ، فقال: محادثة الإخوان، وكفاف من عيش يسدّ خلّتي ويستر عورتي، والانتقال من ظلّ إلى ظل. قيل لآخر: ما بقي من ملاذّك؛ قال: مناقلة الإخوان الحديث على التّلاع العفر في الليالي القمر. قيل لامرىء القيس: ما
[ ١ / ٣٦٨ ]
أطيب عيش الدنيا؟ فقال: بيضاء رعبوبة «١»، بالطّيب مشبوبة، بالشحم مكروبة. وقيل لطرفة مثل ذلك فقال: مطعم شهيّ وملبس دفيّ، ومركب وطيّ. وقيل للأعشى مثل ذلك، فقال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية «٢» . وقال طرفة «٣»: [طويل]
ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهنّ سبقي العاذلات بشربة كميت «٤» متى ما تعل بالماء تزبد
وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب ببهكنة تحت الطّراف المعمّد
وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا كسيد الغضا نبّهته المتورّد
وقال أبو نواس: [مجزوء الكامل]
قلت بالقفص ليحيى ونداماي نيام
يا رضيعي ثدي أمّ ليس لي عنه فطام
إنّما العيش سماع ومدام وندام
فإذا فاتك هذا فعلى العيش السلام
وقال سحيم «٥»: [منسرح]
تقول حدراء: ليس فيك سوى ال خمر معاب يعيبه أحد
فقلت: أخطأت، بل معاقرتي ال خمر وبذلي فيها الذي أجد
[ ١ / ٣٦٩ ]
هو السّناء الذي سمعت به لا سبد محتدي ولا لبد «١»
ويحك لولا الخمور لم أحفل ال عيش ولا أن يضمّني لحد
هي الحيا والحياة واللهو لا أنت ولا ثروة ولا ولد
وقال أبو الهنديّ «٢»: [متقارب]
تركت الخمور لأربابها وأصبحت أشرب ماء قراحا
وقد كنت حينا بها معجبا كحبّ الغلام الفتاة الرّداحا
وما كان تركي لها أنّني يخاف نديمي عليّ افتضاحا
ولكنّ قولي له مرحبا وأهلا مع السّهل وانعم صباحا
وقال آخر: [خفيف]
اسقني بالكبير إنّي كبير إنّما يشرب الصغير الصغير
لا يغرّنك يا عبيد خشوعي تحت هذا الخشوع فسق كثير
كان ابن عائشة ينشد: [رجز]
لمّا رأيت الحظّ حظّ الجاهل ولم أر المغبون غير العاقل
رحّلت عنسا من كروم بابل فبتّ من عقلي على مراحل
وقال آخر: [طويل]
شربنا من الدّاذيّ «٣» حتى كأننا ملوك لهم برّ العراقين والبحر
فلمّا انجلت شمس النهار رأيتنا تولّى الغنى عنّا وعاودنا الفقر
[ ١ / ٣٧٠ ]
قال بعضهم: العيش كله في كثرة المال وصحة البدن وخمول الذكر.
وكان يقال: ليس السّرور للنفس بالجدة، «١» إنما سرور النفس بالأمل. قال يزيد بن معاوية: ثلاث تخلق العقل وفيها دليل على الضّعف: سرعة الجواب؛ وطول التمنّي، والاستغراب في الضحك. وكان يقال: المنى والحلم أخوان. وسئل ابن أبي بكرة: أيّ شيء أدوم إمتاعا؟ فقال: المنى.
وقال الشاعر: [بسيط]
إذا تمنّيت بتّ الليل مغتبطا إنّ المنى رأس أموال المفاليس
وقال آخر: [سريع]
ما فاتني منك فإنّ المنى تدنيه منّي فكأنّا معا
وقال آخر: [سريع]
وإنّ لوّا ليس شيئا سوى تسلية اللّوماء بالباطل
وقال بعض الأعراب: [طويل]
منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى وإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أمانيّ من سعدى عذابا كأنما سقتك بها سعدى على ظمأ بردا
وقال بشّار: [طويل]
كررنا أحاديث الزمان الذي مضى فلذّ لنا محمودها وذميمها
وقال المجنون «٢»: [طويل]
أيا حرجات الحيّ حيث تحمّلوا بذي سلم، لا جادكنّ ربيع «٣»
[ ١ / ٣٧١ ]
وخيماتك اللّاتي بمنعرج اللّوى بلين بلى لم تبلهنّ ربوع
فقدتك من نفس شعاع فطالما نهيتك عن هذا وأنت جميع
فقرّبت لي غير القريب وأشرفت إليك ثنايا ما لهنّ طلوع
وقال ابن الدّمينة «١»: [بسيط]
يا ليتنا فردا وحش ندور معا نرعى المتان ونخفى في نواحيها «٢»
أو ليت كدر القطا حلّقن بي وبها دون السماء فعشنا في خوافيها
أكثرت من ليتنا لو كان ينفعني ومن منى النفس لو تعطى أمانيها
وقال كثيّر «٣»: [طويل]
فيا ليتنا، يا عزّ «٤»، من غير ريبة بعيران نرعى في الفلاة ونعزب
نكون لذي مال كثير يضيعنا فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
وقال جران «٥» العود: [طويل]
ألا ليتنا طارت عقاب لنا معا لها سبب عند المجرّة أو وكر
وقال مالك «٦» بن أسماء: [طويل]
ولما نزلنا منزلا طلّه النّدى أنيقا وبستانا من النّور حاليا
أجدّ لنا طيب المكان وحسنه منى فتمنينا فكنت الأمانيا
[ ١ / ٣٧٢ ]
وأنشدنا الرّياشيّ: [طويل]
نهاري نهار الناس حتّى إذا دجا لي الليل ملّتني هناك المضاجع
أقضّي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني والهمّ بالليل جامع «١»
وأنشد أبو زيد: [طويل]
كأنّي، إذ أسعى لأظفر، طائر مع النجم في جوّ السماء يطير
فتى متلهّى بالمنى في خلائه وهنّ وإن حسّنتهنّ غرورا
أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: زعم شيخ من بني القحيف قال: تمنّيت دارا فمكثت أربعة أشهر مغتما للدّرجة أين أضعها. قال الوليد بن عبد الملك لبديح «٢» المغني: خذ بنا في التمنّي فوالله لأغلبنّك. قال: والله لا تغلبني أبدا.
قال: بلى. قال بديح: فإني أتمنّى كفلين من العذاب، وأن يلعنني الله لعنا كثيرا فخذ ضعفي ذلك. قال: غلبتني، لعنك الله. قيل لمزبد: أيسرّك أنّ هذه الجنة لك؟ قال: وأضرب عشرين سوطا. قالوا: ولم تقول هذا؟ قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء.
الأصمعيّ عن مبشّر بن بشير أن رجلا كان يطلبه الحجّاج فمرّ بساباط «٣» فيه كلب بين حبّين «٤» يقطر عليه ماؤهما. فقال: يا ليتني مثل هذا الكلب، فما لبث ساعة أن مرّ بالكلب في عنقه حبل، فسأل عنه، فقالوا: جاء كتاب
[ ١ / ٣٧٣ ]
الحجّاج يأمر فيه بقتل الكلاب. قال مدينيّ لكوفيّ: ما بلغ من حبك لرسول الله ﷺ؟ فقال: وددت أنّى وقيته ولم يكن وصل إليه يوم أحد ولا غيره شيء من المكروه إلّا كان بي دونه. قال المدينيّ: وددت أن أبا طالب كان أسلم فسرّ به رسول الله ﷺ وأنّي كافر.
تمنّى ابن أبي عتيق أن يهدى له مسلوخ يتخذ منه طعاما، فسمعته جارة له فظنّت أنه قد أمر أن يشترى له، فانتظرت إلى وقت الطعام ثم جاءت تدقّ الباب، وقالت: شممت ريح قدوركم فجئت لتطعموني، فقال ابن أبي عتيق:
جيراني يشمّون ريح الأماني.
وفي كتاب للهند أن ناسكا كان له عسل وسمن في جرّة، ففكّر يوما فقال: أبيع الجرّة بعشرة دراهم، وأشتري خمسة أعنز فأولدهنّ في كلّ سنة مرتين؛ ويبلغ النتّاج في سنين مائتين، وأبتاع بكل أربع بقرة، وأصيب بذرا فأزرع، وينمى المال في يدي؛ فأتّخذ المساكن والعبيد والإماء والأهل ويولد لي ابن فأسميه كذا وآخذه بالأدب، فإن هو عصاني ضربت بعصاي رأسه وكانت في يده عصا فرفعها حاكيا للضرب، فأصابت الجرّة فانكسرت، وانصبّ العسل والسمن على رأسه.
ابن الكلبيّ قال: كان رجل من ولد عمر بن الخطاب إذا كان مسرورا قال: [خفيف]
ليت أيّامنا ببرقة «١» خاخ ولياليك، يا طويل، تعود
[ ١ / ٣٧٤ ]
وإذا كان مغتمّا قال: [طويل]
ترى الشيء مما تتّقي فتخافه وما لا ترى مما يقي الله أكثر
الأصمعيّ عن أبيه قال: قال زياد: أيّ الناس أنعم؟ قالوا: معاوية.
قال: فأين ما يلقى من الناس! قالوا: فأنت. قال: فأين ما ألقى من الثغور والخراج! قالوا: فمن؟ قال: شابّ له سداد من عيش، وامرأة قد رضيها ورضيته، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإن عرفناه أفسدنا عليه دينه ودنياه.