روي أن أبا بكر الصّدّيق ﵁ لمّا حضرته الوفاة كتب عهدا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله عند آخر عهده بالدنيا وأوّل عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتّقي فيها الفاجر: إني استعملت عمر بن الخطاب فإن برّ وعدل فذلك علمي به وإن جار وبدّل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرىء ما اكتسب وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«١»» .
وفي التاج أن أبرويز كتب إلى ابنه شيرويه من الحبس: «ليكن من تختاره لولايتك امرأ كان في ضعة فرفعته، أو ذا شرف وجدته مهتضما فاصطنعته، ولا تجعله امرأ أصبته بعقوبة فاتّضع عنها ولا امرأ أطاعك بعد ما أذللته ولا أحدا ممن يقع في خلدك أنّ إزالة سلطانك أحبّ له من ثبوته، وإياك
[ ١ / ٦٨ ]
أن تستعمله ضرعا غمرا كثر إعجابه بنفسه وقلّت تجاربه في غيره، ولا كبيرا مدبرا قد أخذ الدهر من عقله كما أخذت السّنّ من جسمه» .
وقال لقيط «١» في هذا المعنى: [بسيط]
فقلّدوا أمركم لله درّكم رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ولا إذا عضّ مكروه به خشعا
ما زال يحلب درّ الدهر أشطره يكون متّبعا يوما ومتّبعا
حتى استمرّت على شزر مريرته مستحكم السّنّ لا قحما ولا ضرعا «٢»
ويقال في مثل: «رأي الشيخ خير من مشهد الغلام» ومن أمثال العرب أيضا في المجرّب «العوان لا تعلّم الخمرة» «٣» .
قال بعض الخلفاء: دلّوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمّني.
قالوا: كيف تريده؟ قال: «إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم» قالوا: لا نعلمه إلا الربيع بن زياد الحارثي. قال صدقتم، هو لها.
وروى الهيثم عن مجالد عن الشّعبي قال: قال الحجّاج: دلّوني على
[ ١ / ٦٩ ]
رجل للشّرط «١» فقيل: أيّ الرجال تريد؟ فقال: «أريده دائم العبوس طويل الجلوس سمين الأمانة أعجف الخيانة لا يحنق في الحق على جرّة «٢» يهون عليه سبال الأشراف في الشفاعة» فقيل له: عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي.
فأرسل إليه يستعمله، فقال له: لست أقبلها إلا أن تكفيني عيالك، وولدك وحاشيتك. قال: يا غلام، ناد في الناس: من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت منه الذمّة. قال الشعبي: فوالله ما رأيت صاحب شرطة قطّ مثله، كان لا يحبس إلا في دين، وكان إذا أتي برجل قد نقب على قوم وضع منقبته «٣» في بطنه حتى تخرج من ظهره، وإذا أتي بنبّاش حفر له قبرا فدفنه فيه، وإذا أتي برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحا قطع يده، وإذا أتي برجل قد أحرق على قوم منزلهم أحرقه، وإذا أتي برجل يشكّ فيه وقد قيل إنه لص ولم يكن منه شيء ضربه ثلاثمائة سوط. قال: فكان ربما أقام أربعين ليلة لا يؤتى بأحد فضم إليه الحجاج شرطة البصرة مع شرطة الكوفة.
وقرأت في كتاب أبرويز إلى ابنه شيرويه: «إنتخب لخراجك أحد ثلاثة: إما رجلا يظهر زهدا في المال ويدّعي ورعا في الدين فإنّ من كان كذلك عدل على الضعيف وأنصف من الشريف ووفّر الخراج واجتهد في العمارة، فإن هو لم يرع ولم يعفّ إبقاء على دينه ونظرا لأمانته كان حريّا أن يخون قليلا ويوفّر كثيرا استسرارا بالرياء واكتتاما بالخيانة، فإن ظهرت «٤» على ذلك منه عاقبته
[ ١ / ٧٠ ]
على ما خان ولم تحمده على ما وفّر، وإن هو جلّح «١» في الخيانة وبارز بالرياء نكّلت به في العذاب واستنظفت ماله مع الحبس. أو رجلا عالما بالخراج غنيّا في المال مأمونا في العقل فيدعوه علمه بالخراج إلى الاقتصاد في الحلب والعمارة للأرضين «٢» والرفق بالرعيّة، ويدعوه غناه إلى العفة ويدعوه عقله إلى الرغبة فيما ينفعه والرهبة مما يضره. أو رجلا عالما بالخراج مأمونا بالأمانة مقترا من المال فتوسّع عليه في الرزق فيغتنم لحاجته الرزق ويستكثر لفاقته اليسير، ويزجي «٣» بعلمه الخراج، ويعفّ بأمانته عن الخيانة» .
استشار عمر بن عبد العزيز في قوم يستعملهم، فقال له بعض أصحابه:
عليك بأهل العذر. قال: ومن هم؟ قال: الذين إن عدلوا فهو ما رجوت منهم وإن قصّروا قال الناس: قد اجتهد عمر.
قال عديّ بن أرّطاة «٤» لإياس بن معاوية: دلّني على قوم من القرّاء أولّهم.
فقال له: القرّاء ضربان: ضرب يعملون للآخرة ولا يعملون لك، وضرب يعملون للدّنيا، فما ظنّك بهم إذا أنت ولّيتهم فمكّنتهم منها؟ قال: فما أصنع؟
قال: عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم فولّهم.
أحضر الرشيد رجلا ليولّيه القضاء فقال له: إني لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه. قال الرشيد: فيك ثلاث خلال: لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة. ولك حلم يمنعك من العجلة، ومن لم يعجل قلّ خطؤه. وأنت رجل
[ ١ / ٧١ ]
تشاور في أمرك ومن شاور كثر صوابه، وأما الفقه فسينضم إليك من تتفقّه به.
فولي فما وجدوا فيه مطعنا.
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعي قال: حدّثني صالح بن رستم أبو عامر الخزّاز قال: قال لي إياس بن معاوية المزنيّ: أرسل إليّ عمر ابن هبيرة فأتيته فساكتني فسكتّ، فلما أطلت قال: إيه. قلت: سل عما بدا لك. قال: أتقرأ القرآن؟ قلت نعم. قال: هل تفرض الفرائض؟ قلت نعم.
قال: فهل تعرف من أيام العرب شيئا؟ قلت نعم. قال: فهل تعرف من أيام العجم شيئا؟ قلت: أنا بها أعلم. قال: إني أريد أن أستعين بك. قلت: إن فيّ ثلاثا لا أصلح معهن للعمل. قال: ما هن؟ قلت: أنا ذميم كما ترى، وأنا حديد، وأنا عيّ «١» . قال: أما الدمامة فإني لا أريد أن أحاسن بك الناس، وأمّا العيّ فإني أراك تعبّر عن نفسك، وأمّا سوء الخلق فيقوّمك السّوط. قم، قد وليتك. قال:
فولّاني وأعطاني ألفي درهم فهما أول مال تموّلته.
قرأت في كتاب للهند: «السلطان الحازم ربما أحبّ الرجل فأقصاه واطّرحه مخافة ضرّه، فعل الذي تلسع الحية إصبعه فيقطعها لئلا ينتشر سمّها في جسده، وربما أبغض الرجل فأكره نفسه على توليته وتقريبه لغناء يجده عنده كتكاره المرء على الدواء البشع لنفعه» .
حدّثني المعلّى بن أيوب قال سمعت المأمون يقول: «من مدح لنا رجلا فقد تضمّن عيبه» .
[ ١ / ٧٢ ]