كان ابن الزبير يقول: «لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينه» .
وسئل بعض الحكماء: ما العقل؟ فقال: «الإصابة بالظن ومعرفة ما لم يكن بما كان» . وكان يقال: «كفى مخبرا عما مضى ما بقي، وكفى عبرا لأولي الألباب ما جرّبوا» . وكان يقال: «كل شيء محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجارب» . ويقال: «من لم ينفعك ظنه لم ينفعك يقينه» . وقال أوس بن حجر: [منسرح]
الألمعيّ الذي يظنّ بك الظ نّ كأن قد رأى وقد سمعا
وقال آخر: [طويل]
وأبغي صواب الظنّ أعلم أنه إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره
وقال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في عبد الله بن عباس: «إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق» . ويقال: «ظنّ الرجل قطعة من عقله» .
ويقال: «الظنون مفاتيح اليقين» . وقال بعض الكتاب: [وافر]
أصونك أن أظنّ عليك ظنّا لأنّ الظنّ مفتاح اليقين
[ ١ / ٩١ ]
وقال الكميت «١»: [بسيط]
مثل التدبّر في الأمر ائتنافكه والمرء يعجز في الإقدام لا الحيل «٢»
وقال آخر: [طويل]
وكنت متى تهزز لخطب تغشّه ضرائب أمضى من رقاق المضارب «٣»
تجلّلته بالرأي حتى أريته به ملء عينيه مكان العواقب
وقال آخر يصف عاقلا: [طويل]
بصير بأعقاب الأمور كأنما يرى بصواب الرأي ما هو واقع
وقال آخر في مثله: [طويل]
عليم بأعقاب الأمور برأيه كأنّ له في اليوم عينا على الغد
وقال آخر يصف عاقلا: [طويل]
بصير بأعقاب الأمور كأنّما يخاطبه من كل أمر عواقبه
وقال جثّامة بن قيس «٤» يهجو قوما: [بسيط]
أنتم أناس عظام لا قلوب لكم لا تعلمون أجاء الرّشد أم غابا؟
[ ١ / ٩٢ ]
وتبصرون رؤوس الأمر مقبلة ولا ترون وقد ولّين أذنابا
وقلّما يفجأ المكروه صاحبه إذا رأى لوجوه الشر أسبابا
وقال آخر: [طويل]
فلا يحذرون الشرّ حتى يصيبهم ولا يعرفون الأمر إلا تدبّرا «١»
ويقال: «ظن العاقل كهانة» . وفي كتاب للهند: «الناس حازمان وعاجز، فأحد الحازمين الذي إذا نزل به البلاء لم يبطر وتلقّاه بحيلته ورأيه حتى يخرج منه، وأحزم منه العارف بالأمر إذا أقبل فيدفعه قبل وقوعه، والعاجز في تردّد وتثنّ حائر بائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا» .
وقال الشاعر: [طويل]
وإني لأرجو الله حتى كأنّني أرى بجميل الظن ما الله صانع
وقال آخر: [وافر]
وغرّة مرّة من فعل غرّ «٢» وغرّة مرّتين فعال موق
فلا تفرح بأمر قد تدنّى ولا تأيس من الأمر السّحيق
فإن القرب يبعد بعد قرب ويدنو البعد بالقدر المسوق
ومن لم يتق الضّحضاح «٣» زلّت به قدماه في البحر العميق
[ ١ / ٩٣ ]
وما اكتسب المحامد طالبوها بمثل البشر والوجه الطّليق
وقال مروان بن الحكم لحبيش بن دلجة: أظنك أحمق. قال: «أحمق ما يكون الشيخ إذا عمل بظنّه» . ونقش رجل على خاتمه: «الخاتم خير من الظن» . ومثله: «طينة خير من ظنّة» .