قال خالد بن عبد الله القسري «١» لعمر بن عبد العزيز: من كانت الخلافة زانته، فإنك قد زنتها، ومن كانت شرفته فإنك قد شرّفتها، فأنت كما قال القائل:
[خفيف]
وإذا الدّرّ زان حسن وجوه كان للدّر حسن وجهك زينا
فقال عمر: أعطي صاحبكم مقولا ولم يعط معقولا.
وكتب بعض الأدباء إلى بعض الوزراء: «إن أمير المؤمنين منذ استخلصك لنفسه فنظر بعينك وسمع بأذنك ونطق بلسانك وأخذ وأعطى بيدك وأورد وأصدر عن رأيك، وكان تفويضه إليك بعد امتحانك وتسليطه الرأي على الهوى فيك بعد أن ميّل بينك وبين الذين سموا لرتبتك وجروا إلى غايتك فأسقطهم مضمارك وخفّوا في ميزانك ولم يزدك رفعة إلا ازددت لله تواضعا، ولا بسطا وإيناسا إلا ازددت له هيبة وإجلالا، ولا تسليطا ونمكينا إلا ازددت
[ ١ / ١٦٧ ]
عن الدنيا عزوفا، ولا تقريبا إلا ازددت من العامة قربا. ولا يخرجك فرط النصح للسلطان عن النظر لرعيته، ولا إيثار حقّه عن الأخذ لها بحقّها عنده، ولا القيام بما هو له عن تضمّن ما عليه، ولا تشغلك جلائل الأمور عن التفقّد لصغارها، ولا الجذل بصلاحها واستقامتها عن استشعار الحذر وإمعان النظر في عواقبها» .
وفي مدحه: دخل العماني الراجز على الرشيد لينشده وعليه قلنسوة طويلة وخفّ «١» ساذج، فقال له الرشيد: يا عماني، إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور «٢» وخفّان دمالقان «٣» فبكّر إليه من الغد وقد تزيّا بزيّ الأعراب ثم أنشده وقبّل يده وقال: يا أمير المؤمنين، قد، والله، أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبّلت يده وأخذت جائزته ثم يزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد ثم السفّاح ثم المنصور ثم المهدي. كلّ هؤلاء رأيت وجوههم وقبّلت أيديهم وأخذت جوائزهم، إلى كثير من أشباه الخلفاء وكبار الأمراء والسادة والرؤساء، والله ما رأيت فيهم أبهى منظرا ولا أحسن وجها ولا أنعم كفّا ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. فأعظم له الجائزة على شعره وأضعف له على كلامه وأقبل عليه فبسطه حتى تمنّى جميع من حضر أنه قام ذلك المقام.
وفي المديح: كتب الفضل بن سهل إلى أخيه الحسن بن سهل فقال:
«إن الله قد جعل جدّك عاليا وجعلك في كل خير مقدما وإلى غاية كل فضل سابقا وصيّرك، وإن نأت بك الدار، من أمير المؤمنين وكرامته قريبا، وقد جدّد
[ ١ / ١٦٨ ]
لك من البرّ كيت وكيت. وكذا يحوز الله لك من الدين والدنيا والعز والشرف أكثره وأشرفه إن شاء الله» .
وفي مدحه: قال الرشيد يوما لبعض الشعراء: هل أحدثت فينا شيئا؟
فقال: يا أمير المؤمنين، المديح فيك دون قدرك والشعر فيك فوق قدري، ولكنّي أستحسن قول العتّابيّ «١»: [بسيط]
ماذا يرى قائل يثني عليك وقد ناداك في الوحي تقديس وتطهير
فتّ المدائح إلا أنّ ألسننا مستنطقات لما تخفي الضمائير
في عترة لم تقم إلا بطاعتهم من الكتّاب ولم تقض المشاعير
هذي يمينك في قرباك صائلة وصارم من سيوف الهند مأثور
وفي مدحه: كتب بعض الكتّاب إلى بعض الأمراء: «إن من النعمة على المثني عليك أنه لا يخاف الإفراط ولا يأمن التقصير ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب ولا ينتهي به المدح إلى غاية إلا وجد في فضلك عونا على تجاوزها.
ومن سعادة جدّك أن الداعي لك لا يعدم كثرة المشايعين ومساعدة النيّة على ظاهر القول» .
وفي مثله كتب بعض الأدباء إلى الوزير: «مما يعين على شكرك كثرة المنصتين له، ومما يبسط لسان مادحك أمنه من تحمّل الإثم فيه وتكذيب السامعين له» .
وفي مثل ذلك: لمّا عقد معاوية البيعة ليزيد قام الناس يخطبون فقال لعمرو بن سعيد: قم يا أبا أمية. فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما
[ ١ / ١٦٩ ]
بعد فإن يزيد بن معاوية أمل تأملونه وأجل تأمنونه، إن استضفتم إلى حلمه وسعكم، وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وإن افتقرتم إلى ذات يده أغناكم، جذع قارح سوبق فسبق وموجد فمجد وقورع فخرج فهو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه» فقال معاوية: أوسعت يا أبا أمية فاجلس.
وفي مثل ذلك: قال رجل للحسن بن سهل: «أيها الأمير، أسكتني عن وصفك تساوي أفعالك في السؤدد وحيّرني فيها كثرة عددها فليس إلى ذكر جميعها سبيل، وإن أردت ذكر واحدة اعترضت أختها إذ لم تكن الأولى أحق بالذكر منها، فلست أصفها إلا بإظهار العجز عن صفتها» .
وفي مثل ذلك: كتب آخر إلى محمد بن عبد الملك «إن مما يطمعني في بقاء النعمة عليك، ويزيدني بصيرة في العلم بدوامها لديك أنك أخذتها بحقها واستوجبتها بما فيك من أسبابها، ومن شأن الأجناس أن تتواصل وشأن الأشكال أن تتقاوم، والشيء يتغلغل في معدنه ويحنّ إلى عنصره، فإذا صادف منبته ولزّ في مغرسه ضرب بعرقه وسمق بفرغه وتمكّن الإقامة وثبت ثبات الطبيعة» .
وفي مثل ذلك: كتب آخر إلى بعض الوزراء: «رأيتني فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذي لا يخفى على ناظر، وأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك» .
وفي مثله كتب العتّابي إلى خالد بن يزيد: «أنت، أيها الأمير، وارث سلفك وبقية أعلام أهل بيتك، المسدود بك ثلمهم والمجدّد بك قديم شرفهم
[ ١ / ١٧٠ ]
والمنبّه بك أيام صيتهم والمنبسط بك آمالنا والصائر بك أكالنا «١» والمأخوذ بك حظوظنا، فإنه لم يحمل من كنت وارثه، ولا درست آثار من كنت سالك سبيله ولا امّحت معاهد من خلفته في مرتبته» .
وفي شكره: قرأت في التاج قال بعض الكتاب للملك: «الحمد لله الذي أعلقني سببا من أسباب الملك ورفع خسيستي بمخاطبته وعزّز ركني من الذّلة به وأظهر بسطتي في العامّة وزيّن مقاومتي في المشاهدة وفقأ عني عيون الحسدة وذلّل لي رقاب الجبابرة وأعظم لي رغبات الرعيّة وجعل لي به عقبا يوطأ وخطرا يعظّم ومزية تحسن، والذي حقّق فيّ رجاء من كان يأملني وظاهر به قوة من كان ينصرني وبسط به رغبة من كان يسترفدني، والذي أدخلني من ظلال الملك في جناح سترني، وجعلني من أكنافه في كنف اتسع عليّ» .
وفي شكره وتعداد نعمه: قرأت في سير العجم أن أردشير لما استوثق له أمره جمع الناس وخطبهم خطبة بليغة حضّهم فيها على الألفة والطاعة وحذّرهم المعصية وصنّف الناس أربعة أصناف، فخّر القوم سجّدا وتكلّم متكلّمهم مجيبا فقال: «لا زلت أيها الملك محبوا من الله بعزّة النصر ودرك الأمل ودوام العافية وحسن المزيد، ولا زلت تتابع لديك النّعم وتسبغ عندك الكرامات والفضل حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها ولا تنقطع زهرتها في دار القرار التي أعدّها الله لنظرائك من أهل الزّلفى عنده والحظوة لديه، ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر زائدين زيادة البحور والأنهار حتى تستوي أقطار الأرض كلّها في علوّك عليها ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمّنا عموم ضياء الشمس ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما
[ ١ / ١٧١ ]
اتصل بأنفسنا اتصال النسم، فجمعت الأيدي بعد افتراقها والكلمة بعد اختلافها وألّفت بين القلوب بعد تباغضها وأذهبت الإحن والحسائك بعد استعار نيرانها، وأصبح فضلك لا يدرك بوصف ولا يحدّ بتعداد، ثم لم ترض بما عمّمتنا به من هذه النّعم وظاهرت من هذه الأيادي حتى أحببت توطيدها والإستيثاق منها وعملت لنا في دوامها كعملك في إقامتها وكفلت من ذلك ما نرجو نفعه في الخلوف والأعقاب، وبلغت همّتك لنا فيه حيث لا تبلغ همم الآباء للأولاد، فجزاك الله الذي رضاه تحرّيت وفي موافقته سعيت أفضل ما التمست ونويت» .
وفي مثله: قال خالد بن صفوان لوال دخل عليه: «قدمت فأعطيت كلّا بقسطه من نظرك ومجلسك وصلاتك وعدلك حتى كأنك من كل أحد أو كأنك لست من أحد» .
وفي شكره: كتب بعض الكتّاب إلى الوزير يشكر له: «من شكر لك عن درجة رفعته إليها أو ثروة أفدته إياها فإن شكري إياك على مهجة أحييتها وحشاشة تبقّيتها ورمق أمسكت به وقمت بين التلف وبينه» .
وفي شكره: قرأت في كتاب: «ولكل نعمة من نعم الدنيا حدّ تنتهي إليه ومدى توقف عنده وغاية في الشكر يسمو إليها الطّرف خلا هذه النعمة التي فاتت الوصف وطالت الشكر وتجاوزت كل قدر وأتت من وراء كل غاية وجمعت من أمير المؤمنين مننا جمّة أبقت للماضين مننا وللباقين فخر الأبد وردّت عنا كيد العدوّ وأرغمت عنا أنف الحسود وبسطت لنا عزا نتداوله ثم نخلفه للأعقاب فنحن نلجأ من أمير المؤمنين إلى ظلّ ظليل وكنف كريم وقلب عطوف ونظر رؤوف، فكيف يشكر الشاكر منا وأين يبلغ اجتهاد مجتهدنا ومتى نؤدّي ما يلزمنا ونقضي المفترض علينا؟ وهذا كتاب أمير المؤمنين الذي لو لم
[ ١ / ١٧٢ ]
تكن له ولآبائه الراشدين عند من مضى لنا ومن غيرنا إلا ما ورد من صنوف كرامته وأياديه ولطيف ألفاظه ومخاطبته، لكان في ذلك ما يحسّن الشكر ويستفرغ المجهود» .