أبو حاتم عن العتبي عن أبيه أن عبد «٣» العزيز بن زرارة الكلابي وقف
[ ١ / ١٥٣ ]
على باب معاوية فقال: من يستأذن لي اليوم فأدخله غدا؟ وهو في شملتين، فلما دخل على معاوية قال: هززت ذوائب الرحال إليك إذ لم أجد معوّلا إلا عليك. أمتطي الليل بعد النهار وأسم المجاهل بالآثار. يقودني نحوك رجاء وتسوقني إليك بلوى، والنفس مستطئة والاجتهاد عاذر. فأكرمه وقرّبه. فقال في ذلك. [وافر]
دخلت على معاوية بن حرب وذلك إذ يئست من الدخول
وما نلت الدخول عليه حتّى حللت محلّة الرّجل الذليل
وأغضيت الجفون على قذاها ولم أسمع إلى قال وقيل
فأدركت الذي أمّلت فيه بمكث والخطا زاد العجول
وقال غير العتبي: لما دخل عبد العزيز بن زرارة على معاوية قال له:
«إني رحلت إليك بالأمل واحتملت جفوتك بالصبر، ورأيت ببابك أقواما قدّمهم الحظّ، وآخرين باعدهم الحرمان. وليس ينبغي للمتقدم أن يأمن ولا للمتأخر أن ييأس. وأول المعرفة الاختبار فابل واختبر» وفي حجّاب معاوية إياه يقول شاعر مضر «١»: [سريع]
من يأذن اليوم لعبد العزيز يأذن له عبد عزيز غدا
قال أبو اليقظان: كان عبد العزيز بن زرارة فتى العرب.
استأذن أبو سفيان على عثمان فحجبه. فقيل له: حجبك أمير المؤمنين؟
فقال لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني. وحجب معاوية أبا الدرداء فقال
[ ١ / ١٥٤ ]
أبو الدرداء: من يغش سدد السلطان يقم ويقعد ومن صادف بابا عنه مغلقا وجد إلى جانبه بابا فتحا، إن دعا أجيب وإذا سأل أعطي.
قال رجل لحاجبه: إنك عين أنظر بها وجنّة «١» أستنيم إليها، وقد ولّيتك بابي، فما تراك صانعا برعيتي؟ قال: أنظر إليهم بعينك وأحملهم على قدر منازلهم عندك وأضعهم في إبطائهم عن زيارتك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم وأرتّبهم حيث وضعهم ترتيبك وأحسن إبلاغك عنهم وإبلاغهم عنك. قال: قد وفّيت ما لك وما عليك إن صدّقته بفعل. وكان يقال: حاجب الرجل حارس عرضه.
وقرأت في التاج أن أبرويز قال لحاجبه: «لا تقدّمنّ مستغيثا ولا تضعنّ ذا شرف بصعوبة حجاب ولا ترفعنّ ذا ضعة بسهولته. وضع الرجال مواضع أخطارهم، فمن كان مقدّما له الشرف ممن ازدرعه «٢» ولم يهدمه من بعد بنائه فقدّمه على شرفه الأوّل وحسن رأيه الآخر، ومن كان له شرف مقدّم فلم يصن ذلك إبلاغا به ولم يزدرعه تثميرا له فألحق بآبائه مهلة سبقهم في خواصهم، وألحق به في خاصته ما ألحق بنفسه. لا تأذن له إلا دبرا ولا تأذن له إلا سرارا «٣» . وإذا ورد عليك كتاب عامل من عمّالي فلا تحبسه عني طرفة عين إلا أن أكون على حال لا تستطيع الوصول إليّ فيها، وإن أتاك مدّع لنصيحة فاستكتبها سرّا ثم أدخله بعد أن تستأذن له. حتى إذا كان مني بحيث أراه فادفع إليّ كتابه، فإن أحمدت قبلت وإن كرهت رفضت، ولا ترفعنّ إليّ طلبة
[ ١ / ١٥٥ ]
طالب إن منعته بخّلني وإن أعطيته ازدراني، إلا بمؤامرة مني من غير أن تعلمه أنك قد أعلمتني وإن أتاك عالم يستأذن عليّ لعلم يزعم أنه عنده فاسأله: ما علمه ذلك؟ ثم استأذن له فإن العلم كاسمه، ولا تحجبنّ سخطة ولا تأذننّ رضا، أخصص بذلك الملك ولا تخصّ به نفسك» .
الهيثم قال: قال خالد بن عبد الله لحاجبه: «لا تحجبنّ عنّي أحدا إذا أخذت مجلسي، فإن الوالي لا يحجب إلا عن ثلاث: عيّ يكره أن يطّلع عليه منه، أو ريبة، أو بخل فيكره أن يدخل عليه من يسأله» . ومنه أخذ ذلك محمود الورّاق «١» فقال: [طويل]
إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه وردّ ذوي الحاجات دون حجابه
ظننت به إحدى ثلاث وربّما نزعت بظنّ واقع بصوابه
فقلت به مسّ من العيّ «٢» ظاهر ففي إذنه للناس إظهار ما به
فإن لم يكن عيّ اللسان فغالب من البخل يحمي ما له عن طلابه «٣»
فإن لم يكن هذا ولا ذا فريبة يصرّ عليها عند إغلاق بابه
وقال بعض الشعراء: [مجزوء المديد]
إعلمن إن كنت تعلمه أنّ عرض الملك حاجبه
فبه تبدو محاسنه وبه تبدو معايبه
وقال آخر: [سريع]
كم من فتى تحمد أخلاقه وتسكن الأحرار في ذمّته
قد كثّر الحاجب أعداءه وسلّط الذّمّ على نعمته
[ ١ / ١٥٦ ]
حضر باب عمر بن الخطاب ﵁ جماعة منهم سهيل بن عمرو وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس فخرج الآذن فقال: أين صهيب؟ أين عمّار؟ أين سلمان؟ فتمعّرت «١» وجوه القوم. فقال واحد منهم: لم تتمعّر وجوهكم؟ دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعدّ الله لهم في الجنة أكثر.
وقال بعض الشعراء: [طويل]
سأترك هذا الباب ما دام إذنه على ما أرى حتى يخفّ قليلا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعا وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
وقال آخر لحاجب: [طويل]
سأترك بابا أنت تملك إذنه وإن كنت أعمى عن جميع المسالك
فلو كنت بوّاب الجنان تركتها وحوّلت رحلي مسرعا نحو مالك
وكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف: [طويل]
لئن عدت بعد اليوم إني لظالم سأصرف وجهي حيث تبغى المكارم
متى ينجح الغادي إليك بحاجة ونصفك محجوب ونصفك نائم؟
وقال آخر: [متقارب]
ولست بمتّخذ صاحبا يقيم على بابه حاجبا
إذا جئت قال له: حاجة وإن عدت ألفيته غائبا
ويلزم إخوانه حقّه وليس يرى حقّهم واجبا
فلست بلاقيه حتى الممات إذا أنا لم ألقه راكبا
[ ١ / ١٥٧ ]
وقال عبد الله «١» بن سعيد في حاجب الحجّاج «٢» وكان يحجبه دائما:
[طويل]
ألا ربّ نصح يغلق الباب دونه وغشّ إلى جنب السرير يقرّب
وقال آخر: [سريع]
ما ضاقت الأرض على راغب يطّلب الرزق ولا هارب
بل ضاقت الأرض على طالب أصبح يشكو جفوة الحاجب
وحجب رجل عن باب سلطان فكتب إليه: «نحن نعوذ بالله من المطامع الدنيّة والهمم القصيرة وابتذال الحرّية، فإن نفسي، والحمد لله، أبيّة ما سقطت وراء همّة ولا خذلها صبر عند نازلة ولا استرقّها طمع ولا طبعت على طبع وقد رأيتك ولّيت عرضك من لا يصونه ووصلت ببابك من يشينه وجعلت ترجمان عقلك من يكثر من أعدائك وينقص من أوليائك ويسيء العبارة عنك ويوجه وفد الذم إليك ويضغن قلوب إخوانك عليك إذ كان لا يعرف لشريف قدرا ولا لصديق منزلة، ويزيل المراتب عن جهل بها وبدرجاتها فيحطّ العليّ إلى مرتبة الوضيع ويرفع الدنيّ إلى مرتبة الرفيع ويحتقر الضعيف لضعفه وتنبو عينه عن ذي البذاذة «٣» ويميل إلى ذي اللباس والزينة ويقدّم على الهوى ويقبل الرّشا» .
[ ١ / ١٥٨ ]
وقال بشار، وقيل هو لغيره: [كامل]
تأبي خلائق خالد «١» وفعاله إلّا تجنّب كلّ أمر عائب
فإذا أتيت الباب وقت غدائه أذن الغداء برغم أنف الحاجب
وهذا ضدّ قول الآخر: [سريع]
إذا تغدّى فرّ بوّابه وارتدّ من غير يد بابه
ومات من شهوة ما يحتسي عياله طرّا وأصحابه
وقال آخر: [خفيف]
يا أميرا على جريب «٢» من الأر ض له تسعة من الحجّاب
قاعدا في الخراب يحجب عنه ما سمعنا بحاجب في خراب!
وقال آخر «٣»: [طويل]
على أي باب أطلب الإذن بعد ما حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه «٤»
وقال الطائي: [بسيط]
يا أيها الملك النائي برؤيته وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا إنّ السماء ترجّى حين تحتجب
[ ١ / ١٥٩ ]
وقال أيضا: [كامل]
ومحجّب حاولته فوجدته نجما عن الرّكب العفاة شسوعا
أعدمته لمّا عدمت نواله شكري فرحنا معدمين جميعا
وقال آخر: [خفيف]
قد أطلنا بالباب أمس القعودا وجفينا به جفاء شديدا
وذممنا العبيد حتى إذا نح ن بلونا المولى عذرنا العبيدا
وحجب رجل فكتب: [طويل]
أبا جعفر، إن الولاية إن تكن منبّلة قوما فأنت لها نبل
فلا ترتفع عنّا لشيء وليته كما لم يصغّر عندنا شأنك العزل
وكتب رجل من الكتّاب في هذا المعنى إلى صديق له: «إن كان ذهولك «١» عنا لدنيا أخضلت «٢» عليك سماؤها وأرتبت بك «٣» ديمها فإن أكثر ما يجري في الظن بك بل في اليقين منك أنك أملك ما تكون لعنانك أن يجمح بك ولنفسك، أن تستعلي عليك إذا لانت لك أكنافها وانقاد في كفّك زمامها؛ لأنك لم تنل ما نلت خلسا ولا خطفا، ولا عن مقدار جرف إليك غير حقك وأمال نحوك سوى نصيبك. فإن ذهبت إلى أنّ حقك قد يحتمل في قوّته وسعته أن تضمّ إليه الجفوة والنّبوة فيتضاءل في جنبه ويصغر عن كبيره فغير مدفوع عن ذلك. وايم «٤» الله لولا ما بليت به النفس من الظّنّ بك وأن مكانك منها لا
[ ١ / ١٦٠ ]
يسدّه غيرك لسخت عنك وذهلت عن إقبالك وإدبارك ولكان في جفائك ما يردّ من غرّتها ويبرّد من غلتها، ولكنه لما تكاملت النعمة لك تكاملت الرغبة فيك» .
أبو حاتم عن العتبيّ قال: قال معاوية لحصين بن المنذر وكان يدخل عليه في أخريات الناس: يا أبا ساسان، كأنه لا يحسن إذنك. فأنشأ «١» يقول:
[طويل]
كلّ خفيف الشأن يسعى مشمّرا إذا فتح البوّاب بابك إصبعا
ونحن الجلوس الماكثون رزانة وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا
وقال بعض الشعراء في بشر بن مروان: [طويل]
بعيد مردّ العين ما ردّ طرفه حذار الغواشي «٢» باب دار ولا ستر
ولو شاء بشر كان من دون بابه طماطم «٣» سود أو صقالبة حمر
ولكنّ بشرا يسّر الباب للتي يكون له في غبّها الحمد والأجر
وقال بشر: [طويل]
فلا تبخلا بخل ابن قرعة إنه مخافة أن يرجى نداه حزين
إذا جئته في العرف أغلق بابه فلم تلقه إلا وأنت كمين
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا وفي كل معروف عليك يمين؟
[ ١ / ١٦١ ]
وقال ابن هرمة «١» يمدح: [كامل]
هشّ إذا نزل الوفود ببابه سهل الحجاب مؤدّب الخدّام
وإذا رأيت شقيقه وصديقه لم تدر أيّهما أخو الأرحام
وكتب رجل إلى بعض الملوك: [وافر]
إذا كان الجواد له حجاب فما فضل الجواد على البخيل
فكتب إليه الآخر: [وافر]
إذا كان الجواد قليل مال ولم يعذر تعلّل بالحجاب
وقال عبيد الله «٢» بن عكراش: [طويل]
وإني لأرثي للكريم إذا غدا على طمع عند اللئيم يطالبه
وأرثي له من مجلس عند بابه كمرثيتي للطّرف «٣» والعلج راكبه
وكتب عبد الله بن أبي عيينة «٤» إلى صديق له: [وافر]
أتيتك زائرا لقضاء حق فحال السّتر دونك والحجاب
ولست بساقط في قدر قوم وإن كرهوا كما يقع الذّباب
[ ١ / ١٦٢ ]
أبو حاتم عن عبد الله بن مصعب الزبيري قال: كنا بباب الفضل «١» بن الربيع وهم يأذنون لذوي الهيئات والشارات وأعرابي يدنو فكلما دنا طرح.
فقام ناحية وأنشأ يقول: [بسيط]
رأيت آذننا يعتام «٢» بزّتنا وليس للحسب الزاكي بمعتام
ولو دعينا على الأحساب قدّمني مجد تليد وجدّ «٣» راجح نامي
متى رأيت الصقور الجدل يقدمها خلطان من رخم قرع ومن هام؟
دخل شريك الحارثي على معاوية فقال له معاوية: من أنت؟ فقال له:
يا أمير المؤمنين، ما رأيت لك هفوة قبل هذه، مثلك ينكر مثلي من رعيته! فقال له معاوية: إن معرفتك متفرقة، أعرف وجهك إذا حضرت في الوجوه، وأعرف اسمك في الأسماء إذا ذكرت، ولا أعلم أن ذلك الاسم هو هذا الوجه، فاذكر لي اسمك تجتمع معرفتك.
إستأذن رجلان على معاوية فأذن لأحدهما وكان أشرف منزلة من الآخر، ثم أذن للآخر فدخل عليه فجلس فوق صاحبه. فقال معاوية: إن الله قد ألزمنا تأديبكم كما ألزمنا رعايتكم، وأنّا لم نأذن له قبلك ونحن نريد أن يكون مجلسه دونك. فقم لا أقام الله لك وزنا.
دخل أبو مجلز «٤» على عمر بن عبد العزيز حين أقدمه من خراسان، فلم
[ ١ / ١٦٣ ]
يقبل عليه. فلما خرج قال له بعض من حضر المجلس. هذا أبو مجلز. فردّه واعتذر إليه وقال: إني لم أعرفك. قال: يا أمير المؤمنين، فهلا أنكرتني؟.
قال أشجع «١» السلمي يذكر باب محمد بن منصور بن زياد «٢»:
[مجزوء الهزج]
على باب ابن منصور علامات من البذل
جماعات وحسب البا ب فضلا كثرة الأهل
وكانت العرب تتعوّذ بالله من قرع الفناء ومن قرع المراح. وقال بعض الشعراء: [كامل]
مالي أرى أبوابهم مهجورة وكأنّ بابك مجمع الأسواق
أرجوك أم خافوك أم شاموا الحيا «٣» بحراك «٤» فانتجعوا من الآفاق
وقال آخر: [سريع]
يزدحم الناس على بابه والمشرب العذّب كثير الزحام
وقال آخر: [رجز]
إن النّدى حيث ترى الضّغاطا
يعني الزحام.
وقال بشار: [خفيف]
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ف ولكن يلذّ طعم العطاء
[ ١ / ١٦٤ ]
يسقط الطير حيث ينتثر الح بّ وتغشى منازل الكرماء
دقّ رجل على عمر بن عبد العزيز الباب فقال عمر: من هذا؟ قال: أنا قال عمر: ما نعرف أحدا من إخواننا يسمّى أنا.
خرج شبيب بن شيبة من دار الخلافة يوما فقال له قائل: كيف رأيت الناس؟ فقال: رأيت الداخل راجيا ورأيت الخارج راضيا.
قال أبو العتاهية: [متقارب]
إذا اشتدّ دوني حجاب امرىء كفيت المؤونة حجّابه
حجب أعرابي على باب السلطان فقال: [طويل]
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ولا يكرم النفس الذي لا يهينها «١»
وقال جرير: [كامل]
قوم إذا حضر الملوك وفودهم نتفت شواربهم على الأبواب «٢»
وقال آخر: [طويل]
لما وردت الباب أيقنت أننا على الله والسلطان غير كرام «٣»
وقال أبو القمقام «٤» الأسدي:
[ ١ / ١٦٥ ]
[بسيط]
أبلغ أبا مالك عني مغلغلة وفي العتاب حياة بين أقوام
أدخلت قبلي قوما لم يكن لهم من قبل أن يلجوا الأبواب قدّامي
لو عدّ بيت وبيت كنت أكرمهم بيتا وأبعدهم من منزل الذّام
فقد جعلت إذا ما حاجتي نزلت بباب دارك أذلوها بأقوام