قال ثابت قطنة: الدّين عقلة الشريف. وقال دليم «٢»: [طويل]
الله لقّى من عرابة بيعة على حين كاد النّقد يعسر عاجله «٣»
ولوى بنان الكفّ يحسب ربحه ولم يحسب المطل الذي أنا ماطله
سيرضى من الرّبح الذي كان يرتجي برأس الذي أعطى وهل هو قابله؟ «٤»
[ ١ / ٣٦٢ ]
عبد الرزاق عن ابن جريج قال: رآني عمر وأنا متقنّع، فقال: يا أبا خالد، إنّ لقمان كان يقول: القناع بالليل ريبة وبالنهار مذلّة، فقلت: إنّ لقمان لم يكن عليه دين. كتب يعقوب بن داود إلى بعض العبّاد يسأله القدوم عليه، فأتى محمد بن النضر الحارثيّ فاستشاره وقال: لعلّ الله يقضي ديني، فقال محمد بن النضر: لأن تلقى الله وعليك دين ولك دين خير من أن تلقاه وقد قضيت دينك وذهب دينك،. قال عياض بن عبد الله: الدّين راية الله في أرضه فإذا أراد أن يذلّ عبدا جعلها طوقا في عنقه. دخل عتبة بن عمرو على خالد القسريّ. فقال خالد يعرّض به: إنّ ههنا رجالا يدّانون في أموالهم فإذا فنيت ادّانوا في أعراضهم. فقال عتبة: إن رجالا تكون مروءاتهم أكثر من أموالهم فيدّانون «١» على سعة ما عند الله، فخجل خالد وقال: إنّك منهم ما علمت.
وقال أعرابيّ يذكر غرماء «٢» له: [بسيط]
جاءوا إليّ غضابا يلغطون معا يشفي أذاتهمو أن غاب أنصاري
لما أبوا جهرة إلا ملازمتي أجمعت مكرا بهم في غير إنكار
وقلت: إني سيأتيني غدا جلبي «٣» وإنّ موعدكم دار ابن هبّار
وما أواعدهم إلا لأربثهم «٤» عني فيحرجني نقضي وإمراري
وما جلبت إليهم غير راحلة تخدي برحلى وسيف جفنه عاري
إن القضاء سيأتي دونه زمن فاطو الصحيفة واحفظها من الفار
وقال آخر لغرمائه:
[ ١ / ٣٦٣ ]
[وافر]
ولو علّقتموني كلّ يوم برجلي أو يدي في المنجنيق «١»
لما أعطيتكم إلا ترابا يطيّر في الخياشم والحلوق
وقال آخر «٢»: [وافر]
إذا جئت الأمير فقل سلام عليك ورحمة الله الرحيم
وأمّا بعد ذاك فلي غريم من الأعراب قبّح من غريم
دراهم ما انتفعت بها ولكن وصلت بها شيوخ بني تميم
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي. قال: جاء رجل من بني مخزوم إلى الحارث بن عبد الله بن نوفل وهو يقضي عن أخيه دينا فقال: إنّ لي على أخيك حقّا، قال: ثبّت حقّك تعطه. قال: أفمن ملاءة أخيك ووفائه ندّعي عليه ما ليس لنا؟ فقال: أمن صدقك وبرّك نقبل قولك بغير بينة؟. لزم سهل ابن هارون دين كثير، فقال أعرابي يوصيه بالتّواري عن غرمائه: [طويل]
انزل أبا عمرو على حدّ قرية تربّع إلى سهل كثير السّلائق
وخذ نفق اليربوع فاسلك طريقه ودع عنك إنّي ناطق وابن ناطق
وكن كأبي قطب على كلّ رائع له باب دار ضيّق العرض سامق
وأبو قطبة خنّاق كان بالكوفة مولى لكندة.
حدّثني محمد بن عبيد. قال: حدّثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنّ رجلا كان يبايع الناس ويداينهم، وكان له كاتب ومتجر، فيأتيه المعسر والمستنظر فيقول لكاتبه: أكلىء واستنظر ليوم يتجاوز
[ ١ / ٣٦٤ ]
الله عنا فيه، فمات لا يعمل عملا غيره فغفر الله له. قال شقران القضاعيّ «١»:
[طويل]
لو كنت مولى قيس عيلان لم تجد عليّ لإنسان من الناس درهما
ولكنّني مولى قضاعة كلّها فلست أبالي أن أدين وتغرما
بلغني عن يحيى بن أيّوب عن الأعمش عن إبراهيم. قال: أرسل عمر إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمائة درهم، فقال عبد الرحمن:
أتستسلفني وعندك بيت المال، ألا تأخذ منه ثم تردّه؟ فقال عمر: إني أتخوّف أن يصيبني قدري، فتقول أنت وأصحابك: أتركوا هذا لأمير المؤمنين؟ حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة، ولكني أتسلّفها منك لما أعلم من شحّك فإذا متّ جئت فاستوفيتها من ميراثي.
كتب أبو عبّاد المهلّبي «٢» إلى صديق له مكثر يستسلفه مالا، فاعتلّ عليه بالتعذّر وضيق الحال، فكتب إليه ابن عبّاد: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن كنت ملوما فجعلك الله معذورا. أبو اليقظان قال: كان الفضل «٣» بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر يعيّن «٤» الناس فإذا حلّت دراهمه ركب حمارا له يقال له شارب الريح فيقف على غرمائه ويقول: [طويل]
بني عمّنا، ردّوا الدراهم إنما يفرّق بين الناس حبّ الدراهم
[ ١ / ٣٦٥ ]
وكان رجل من بني الدّيل عسر القضاء فإذا تعلّق به غرماؤه فرّ منهم وقال: [وافر]
فلو كنت الحديد لكسّروني ولكني أشدّ من الحديد
فعيّنه الفضل فلما كان قبل المحلّ جاء فبنى معلفا على باب داره، وكان يقال للرجل عقرب فلقي كل واحد من صاحبه شدّة، فهجاه الفضل فقال.
[سريع]
قد تجرت في دارنا عقرب لا مرحبا بالعقرب التاجره
إن عادت العقرب عدنا لها وكانت النّعل لها حاضره
كلّ عدوّ يتّقى مقبلا وعقرب تخشى من الدّابره
إنّ عدوّا كيده في استه لغير ذي كيد ولا نائره
قال بعضهم: ثلاثة من عازّهم عادت عزّته ذلّة: السلطان. والوالد، والغريم. وفي الحديث المرفوع: «لصاحب الحقّ اليد واللسان» . المدائني قال: ساير بعض خلفاء بني أمية رجلا وهو يحادثه ثم قطع حديثه واصفرّ لونه، فقال له الرجل: ما هذا الذي رأيت منك؟ قال: رأيت غريما لي، قال الشاعر:
[طويل]
إذا ما أخذت الدّين بالدّين لم يكن قضاء ولكن كان غرما على غرم
وقال آخر: [وافر]
أخذت الدّين أدفع عن تلادي وأخذ الدّين أهلك للتّلاد
كان لرجل من يحصب على رجل من باهلة دين، فلما حل دينه هرب الباهليّ وأنشأ يقول: [طويل]
إذا حلّ دين اليحصبيّ فقل له: تزوّد بزاد واستعن بدليل
[ ١ / ٣٦٦ ]
سيصبح فوقي أقتم الرأس واقعا بقالي قلا أو من وراء دبيل «١»
قال المحدّث بهذا: فحدّثني من رآه بقالي قلا أو بدبيل وهو مصلوب وقد وقعت عليه عقاب. وقف أبو فرعون الأعرابيّ على باب قوم يسألهم، فحلفوا له: ما عندهم شيء يعطونه، فقال: استقرضوا لنا شيئا، فقالوا: ما يقرضنا أحد شيئا، فقال أبو فرعون: ذلك لأنكم تأخذون ولا تعطون، أو قال ولا تقضون. أتى قوم عباديّا فقالوا: نحبّ أن تسلف فلانا ألف درهم وتؤخره بها سنة، قال: هاتان حاجتان وسأقضي لكم إحداهما، وإذا أنا فعلت فقد أنصفت، أنا أؤخرّه ما شاء. كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل له عليه دين.
قد آن للحقّ الذي عندك أن يرجع إلى أهله، وتستغفر الله تعالى من حبسه.