يقال: إنه ليس شيء من السّباع أطيب أفواها من الكلام، ولا في الوحوش أطيب أفواها من الظّباء. ويقال: ليس شيء أشدّ بخرا من أسد وصقر، ولا في السباع أسبح من كلب. وليس في الأرض فحل من جميع أجناس الحيوان لذكره حجم ظاهر إلا الإنسان والكلب. والأسد لا يأكل الحاز ولا يدنو من النار ولا يأكل الحامض وكذلك أكثر السباع. وتقول الرّوم: إن الأسد يذعر بصوت الدّيك ولا يدنو من المرأة الطامث «٦» . والأسد إذا بال شغر
[ ٢ / ٩٢ ]
كما يشغر الكلب «١»؛ وهو قليل الشرب للماء، ونجوه «٢» يشبه نجو الكلب، ودواء عضته دواء عضّة الكلب الكلب. وقالوا: العيون التي تضيء بالليل عيون الأسد والنّمور والسّنانير والأفاعيّ. والعرب تقول هو «أحمق من جهيزة» وهي الذّئبة لأنها تدع ولدها وترضع ولد الضّبع. ويقولون: الضّبع إذا صيدت أو قتلت عال الذئب أولادها وأتاها باللحم؛ قال الكميت: [طويل]
كما خامرت في بيتها أمّ عامر لذي الحبل حتى عال أوس عيالها «٣»
أوس: الذئب.
وقالوا: ثلاثة من الحيوان ترجع في قيئها: الأسد والكلب والسّنّور، ويقال الضّبّ أيضا. وأمراض الكلاب ثلاثة: الكلب وهو جنون، والذّبحة والنّقرس. والعرب تقول: دماء الملوك شفاء من عضّة الكلب والجنون والخبل؛ قال الفرزدق: [طويل]
من الدارميّين الذين دماؤهم شفاء من الداء المجنّة والخبل
وبلغني عن الخليل بن أحمد أنه قال: دواء عضّة الكلب الكلب الذّراريح «٤» والعدس والشارب العتيق يصنع؛ وقد ذكر كيف صنعته وكم يشرب منه وكيف يتعالج به، والكلب الكلب إذا عضّ إنسانا فربما أحاله نباحا مثله ثم أحبله وألقحه بأجر «٥» صغار تراها علقا في صور الكلاب.
قال أبو اليقظان: كان الأسود بن أوس بن الحمّرة أتى النجاشيّ فعلّمه
[ ٢ / ٩٣ ]
دواء الكلب، فهو في ولده إلى اليوم. فمن ولده المحلّ، وقد داوى المحلّ عتيبة بن مرداس فأخرج منه مثل جراء الكلاب علقا، قال ابن فسوة «١» حين برأ: [طويل]
ولولا دواء ابن المحلّ وعلمه هررت إذا ما الناس هرّ كليبها
وأخرج بعد الله أولاد زارع مولّعة أكتافها وجنوبها «٢»
الكليب: جمع كلب على غير قياس مثل عبد وعبيد.
وعضّ رجلا من بني العنبر كلب كلب فبال علقا في صور الكلاب، فقالت امرأته: [طويل]
أبالك أدراصا «٣» وأولاد زارع وتلك لعمري نهية المتعجّب
ويزعمون أنه يطلب الماء أشدّ طلب، فإذا أتوه به صاح عند معاينته: لا أريد لا أريد، أو شيئا في معنى ذلك. قالوا: وتمام حمل الكلبة ستّون يوما، فإن وضعت في أقلّ من ذلك لم تكد أولادها تعيش. وإناث الكلاب تحيض في كل سبعة أيام؛ وعلامة ذلك أن يرم ثفر «٤» الكلبة ولا تريد السّفاد في ذلك الوقت. وذكور السّلوقيّة تعيش عشرين سنة، والإناث تعيش اثنتي عشرة سنة.
وليس يلقى الكلب شيئا من أسنانه سوى النابين.
قالوا: وعلامة سرعة الكلب أن يطول ما بين يديه ورجليه ويكون قصير الظهر. ويوصف الكلب بصغر الرأس وطول العنق وغلظها وإفراط الغضف «٥»
[ ٢ / ٩٤ ]
وزرق العينين وعظم المقلتين وطول الخطم «١» مع اللطافة وسعة الشّدقين ونتوء الحدقة ونتوء الجبهة وعرضها، وأن يكون الشّعر الذي تحت حنكه طاقة طاقة ويكون غليظا، وكذلك شعر خدّيه، ويكون قصير اليدين طويل الرجلين عريض الظهر طويل الصدر، في ركبته انحناء. ويكره للذكور طول الأذناب.
ومن علامة الفراهة التي لا تكاد تخلّف أن يكون على ساقيه أو على أحدهما أو على رأس الذنب مخلب، وينبغي أن يقطع من الساقين. وسود الكلاب أعقرها. ولذلك أمر بقتلها.
قالوا: وإذا هرم الكلب أطعم السّمن مرارا فإنه يعود كالشابّ، وإذا حفي «٢» دهنت استه وأجمّ «٣» ومسح على يديه ورجليه القطران. وإذا بلغ أن يشغر فقد بلغ الإلقاح. والكلب من الحيوان الذي يحتلم. قالوا في الكلبة: إنه يسفدها كلب أسود وكلب أبيض وكلب أصفر فتؤدّي إلى كلّ سافد شكله وشبهه.
قعد جماعة من أصحابنا يعدّون ما جاء في الكلب من الأمثال فحفظت منه: «ألأم من كلب على عرق» «٤» و«أجع كلبك يتبعك» و«نعيم كلب في بؤس أهله» «٥» و«أسمن كلبك يأكلك» و«أحرص من كلب على عقي «٦» صبيّ»
[ ٢ / ٩٥ ]
و«أجوع من كلبة حومل» «١» و«أبول من كلب» و«جلس فلان مزجر الكلب» و«الكلاب على البقر» «٢» و«الكلب أحبّ أهله إليه الظاعن» و«هو كالكلب في الأذى لا يعتلف ولا يدع الدابّة تعتلف» .