أنشد ابن الأعرابيّ «٢»: [طويل]
ومن يفتقر في قومه يحمد الغنى وإن كان فيهم ماجد العمّ مخولا
[ ١ / ٣٤٤ ]
يمنّون إن أعطوا ويبخل بعضهم ويحسب عجزا سكته إن تجمّلا
ويزري بعقل المرء قلّة ماله وإن كان أقوى من رجال وأحولا
وقرأت في كتاب للهند: ليس من خلّة يمدح بها الغنيّ إلا ذمّ بها الفقير، فإن كان شجاعا قيل أهوج، وإن كان وقورا قيل بليد، وإن كان لسنا قيل مهذار، وإن كان زمّيتا «١» قيل عييّ. وقال آخر: [بسيط]
الفقر يزري بأقوام ذوي حسب وقد يسوّد غير السّيد المال
وأنشد ابن الأعرابيّ: [بسيط]
رزقت لبّا ولم أرزق مروءته وما المروءة إلّا كثرة المال
إذا أردت مساماة يقعّدني عما ينوّه باسمي رقّة الحال
وقال آخر: [طويل]
يغطّي عيوب المرء كثرة ماله يصدّق فيما قال وهو كذوب
ويزري بعقل المرء قلّة ماله يحمّقه الأقوام وهو لبيب «٢»
وقال آخر: [منسرح]
كم من لئيم الجدود سوّده ال مال، أبوه وأمّه الورق
وكم كريم الجدود ليس له عيب سوى أنّ ثوبه خلق
أدّبه سادة كرام فما ثوباه إلا العفاف والخلق
وأنشد الرّياشيّ «٣»:
[ ١ / ٣٤٥ ]
[بسيط]
غضبان يعلم أنّ المال ساق له ما لم يسقه له دين ولا خلق
لولا ثلاثون ألفا سقتها بطرا إلى ثلاثين ألفا ضاقت الطّرق
فمن يكن عن كرام الناس يسألني فأكرم الناس من كانت له ورق
وقال أحيحة «١» بن الجلاح: [بسيط]
إستغن أو مت ولا يغررك ذو نشب «٢» من ابن عمّ ولا عمّ ولا خال
يلوون ما عندهم من حق أقربهم وعن صديقهمو والمال بالوالي
ولا أزال على الزّوراء «٣» أعمرها، إنّ الكريم على الإخوان ذو المال
كلّ النداء إذا ناديت يخذلني إلّا ندائي إذا ناديت يا مالي
وقال حسّان «٤»: [خفيف]
ربّ حلم أضاعه عدم الما ل وجهل غطّى عليه النعيم
وقال الهذليّ «٥»: [وافر]
رأيت معاشرا يثنى عليهم إذا شبعوا وأوجههم قباح
[ ١ / ٣٤٦ ]
يظلّ المصرمون لهم سجودا ولو لم يسق عندهمو ضياح «١»
ويروى يلف. وقال بعضهم: وددت أنّ لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء. قيل له: فما تصنع به؟ قال: لكثرة من يخدمني عليه. قال الصّلتان «٢»:
[متقارب]
إذا قلت يوما لمن قد ترى: أروني السّريّ، أروك الغني
وسرّك ما كان عند امرىء وسرّ الثلاثة غير الخفي «٣»
وقال آخر: [بسيط]
لا تسألي النّاس: ما مجدي وما شرفي، الشأن في فضّتي والشأن في ذهبي
لو لم يكن لي مال لم يطر أحد بأبي ولم يعرفوا مجدي ومجد أبي
وقال آخر: [طويل]
أجلّك قوم حين صرت إلى الغنى وكلّ غنيّ في العيون جليل
ولو كنت ذا عقل ولم تؤت ثروة ذللت لديهم والفقير ذليل
إذا مالت الدنيا على المرء رغّبت إليه ومال الناس حيث يميل
وليس الغنى إلّا غنى زيّن الفتى عشيّة يقري أو غداة ينيل
وقال آخر: [طويل]
وكلّ مقلّ حين يغدو لحاجة إلى كلّ من يعدو من الناس مذنب
وكان بنو عمي يقولون مرحبا فلما رأوني معدما مات مرحب «٤»
[ ١ / ٣٤٧ ]
وقال آخر: [طويل]
أبا مصلح أصلح، ولا تك مفسدا فإنّ صلاح المال خير من الفقر
ألم تر أنّ المرء يزداد عزّة على قومه إن يعلموا أنه مثري
وقال عروة «١» بن الورد: [وافر]
ذريني للغنى أسعى فإني رأيت النّاس شرّهم الفقير
وأبعدهم وأهونهم عليهم وإن أمسى له حسب وخير
ويقصيه النّديّ وتزدريه حليلته وينهره الصغير
وتلفي ذا الغنى وله جلال يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه والذنب جمّ ولكن للغنى ربّ غفور
وقال زيد بن عمرو «٢» بن نفيل: [خفيف]
ويكأن من يكن له نشب «٣» يح بب، ومن يفتقر يعش عيش ضرّ
ويجنّب سرّ النّجيّ ولكن ن أخا المال محضر كلّ سرّ
وقال آخر: [طويل]
ألم تر بيت الفقر يهجر أهله وبيت الغنى يهدى له ويزار
وقال آخر: [وافر]
إذا ما قلّ مالك كنت فردا وأيّ الناس زوّار المقلّ؟
[ ١ / ٣٤٨ ]
وقال عبد العزيز «١» بن زرارة: [وافر]
وما لبّ اللبيب بغير حظّ بأغنى في المعيشة من فتيل
رأيت الحظّ يستر عيب قوم وهيهات الحظوظ من العقول
وقال الطائيّ: [بسيط]
الصبر كاس وبطن الكف عارية والعقل عار إذا لم يكس بالنّشب
ما أضيع العقل إن لم يرع ضيعته وفر، وأيّ رحى دارت بلا قطب؟
وقال آخر: [خفيف]
عش بجدّ ولا يضرّك نوك إنما عيش من ترى بالجدود
عش بجدّ وكن هبنّقة القي سيّ نوكا أو خالد بن يزيد «٢»
وقال الطائيّ: [طويل]
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ويكدي الفتى في دهره وهو عالم
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا هلكن إذا من جهلهنّ البهائم
وقال المرّار «٣»: [طويل]
إذا لم ترافد في الرّفاد ولم تسق عدوّا ولم تستغن فالموت أروح
وقال ابن الدّمينة «٤» الثقفيّ: [وافر]
أطعت العرس «٥» في الشهوات حتى أعادتني عسيفا عبد عبد
[ ١ / ٣٤٩ ]
إذا ما جئتها قد بعت عذقا تعانق أو تقبّل أو تفدّي
وقال الأسعر «١» الجعفيّ: [كامل]
وخصاصة الجعفيّ ما داينته لا ينقضي أبدا وإن قيل انقضى
إخوان صدق ما رأوك بغبطة فان افتقرت فقد هوى بك ما هوى
وقال آخر: [طويل]
إذا المرء لم يكسب معاشا لنفسه شكا الفقر أو لاقى الصدّيق فأكثرا
وصار على الأدنين كلّا وأوشكت صلات ذوي القربى له أن تنكرّا
فسر في بلاد الله والتمس الغنى تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
وما طالب الحاجات من حيث تبتغى من الناس إلا من أجدّ وشمّرا
فلا ترض من عيش بدون ولا تنم وكيف ينام الليل من كان معسرا «٢»؟
وقال آخر: [رجز]
من يجمع المال ولا يثب به ويترك العام لعام جذبه
يهن على الناس هوان كلبه
قال أبو اليقطان: ما ساد مملق قطّ إلا عتبة بن ربيعة.
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ عن حمّاد بن سلمة عن عبيد الله
[ ١ / ٣٥٠ ]
ابن العيزار عن عبد الله بن عمرو أنه قال: احرث لدنياك كأنّك تعيش أبدا واحرث لآخرتك كأنّك تموت غدا.
قال: حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ قال حدّثني أصحاب أيّوب عن أيّوب قال: كان أبو قلابة يحثّني على الإحتراف ويقول: إنّ الغنى من العافية.
قال: وقال الأصمعيّ: سأل أعرابيّ عن رجل فقالوا: أحمق مرزوق، فقال: ذاك والله الرجل الكامل. وكان يقال: من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين: الدّين والعرض. ويقال في بعض كتب الله: أطعني فيما آمرك ولا تعلمني بما ينفعك وامدد يدك لباب من العمل أفتح لك بابا من الرزق. وكان يقال: من غلى دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء. ويقال: حفظ المال أشدّ من جمعه. وقال الحسن: إذا أردتم أن تعلموا من أين أصاب المال فانظروا فيم ينفقه فإنّ الخبيث ينفق سرفا. ونحوه قولهم: من أصاب مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر «١» . ويقال في مثل «الكدّ قبل المدّ» يراد الطلب قبل الحاجة والعجز. وقال لقيط «الغزو أدرّ للّقاح وأحدّ للسلاح» . وقال أبو المعافى «٢»: [طويل]
وإن التواني أنكح العجز بنته وساق إليها حين زوّجها مهرا
فراشا وطيئا ثم قال لها اتّكي قصاراهما لا بدّ أن يلدا الفقرا
وقال زيد بن جبلة: لا فقير أفقر من غنيّ أمن الفقر. وروي عن علي بن
[ ١ / ٣٥١ ]
أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: ما دون أربعة آلاف درهم نفقة، وما فوقها كنز. ويقال: القبر ولا الفقر. ويقال: ما سبق عيال مالا قطّ إلا كان صاحبه فقيرا. وقيل لرجل من البصريين: مالك لا ينمي مالك؟ قال: لأني اتخذت العيال قبل المال واتخذ الناس المال قبل العيال. ويقال: العيال سوس المال.
وقيل لمدينيّ: كيف حالك؟ قال: كيف يكون حال من ذهب ماله وبقيت عادته. ويقال: الغني في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة.
حدّثني محمد بن يحيى بإسناد ذكره قال: شكا نبيّ من الأنبياء إلى الله شدة الفقر فأوحى الله إليه: هكذا جرى أمرك عندي أفتريد من أجلك أن أعيد الدنيا.
قال أبو حاتم: حدّثنا العتبيّ قال: سمعت يونس بن حبيب يقول: ما أجدب أهل البادية قطّ حتى تسوّيهم السّنة ثم جاءهم الخصب إلا عاد الغنى إلى أهل الغنى.
قال الأصمعيّ: رأيت أعرابية ذات جمال رائع تسأل بمنى فقلت: يا أمة الله، تسألين ولك هذا الجمال! قالت: قدّر الله فما أصنع؟ قلت: فمن أين معاشكم؟ قالت: هذا الحاجّ نتقمّمهم ونغسل ثيابهم. فقلت: فإذا ذهب الحاجّ فمن أين؟ فنظرت إليّ وقالت: يا صلب الجبين! لو كنا إنما نعيش من حيث نعلم لما عشنا. وقال الشاعر «١»: [خفيف]
أتراني أرى من الدهر يوما لي فيه مطيّة غير رجلي
وإذا كنت في جميع فقالوا قرّبوا للرحيل قدّمت نعلي
حيثما كنت لا أخلّف رحلا من رآني فقد رآني ورحلي
[ ١ / ٣٥٢ ]
قيل لمدينيّ: ما عندك من آلة الحج؟ قال: التلبية. وقيل لآخر: ما عندك من آلة العصيدة «١»؟ قال: الماء. وقيل لآخر: ما عندك من آلة القريس «٢»؟ قال: الشتاء.