حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: كان عاصم بن الحدثان رجلا من العرب عالما قديما وكان رأس الخوارج بالبصرة وربما جاءه
[ ١ / ٢٠٤ ]
الرسول منهم من الجزيرة يسأله عن بعض الأمر يختصمون فيه فمرّ به الفرزدق فقال لابنه: أنشد أبا فراس، فأنشده: [كامل]
وهموا إذا كسروا الجفون أكارم صبر وحين تحلّل الأزرار
يغشون حومان المنون وإنها في الله عند نفوسهم لصغار
يمشون في الخطّي «١» لا يثنيهم والقوم إذ ركبوا الرماح تجار
فقال له الفرزدق: ويحك! أكتم هذا لا يسمعه النسّاجون فيخرجوا علينا بحفوفهم «٢» . فقال عاصم: يا فرزدق، هذا شاعر المؤمنين وأنت شاعر الكافرين.
حدّثنا سهل قال: حدّثنا الأصمعي قال: قال سليط بن سعد: قال بسطام ابن قيس لقومه: تردون على قوم آثارهم آثار نساء وأصواتهم أصوات صردان «٣» ولكنهم صبر على الشرّ. يعني بني يربوع. وفي هؤلاء يقول معاوية: لو أنّ النجوم تناثرت لسقط قمرها في حجور بني يربوع. قال الأصمعيّ قلت لسليط: أكان عتيبة بن الحارث ضخما؟ قال: لا، ولا من قوم ضحام. يعني بني يربوع.
وقال عمر بن الخطاب لبني عبس: كم كنتم يوم الهباءة «٤»؟ فقال: كنا مائة
[ ١ / ٢٠٥ ]
كالذهب، لم نكثر فنتواكل ولم نقلّ فنذلّ. قال: فكيف كنتم تقهرون من ناوأكم ولستم بأكثر منهم عددا ولا مالا؟ قال: كنا نصبر بعد اللقاء هنيهة.
قال: فلذلك إذا. قيل لعنترة العبسيّ: كم كنتم يوم الفروق؟ «١» قال: كنا مائة لم نكثر فنفشل ولم نقلّ فنذلّ. وكان يقال: النصر مع الصبر. ومن أحسن ما قيل في الصبر، قول نهشل «٢» بن حرّي بن ضمرة: [طويل]
ويوم كأنّ المصطلين بحرّه وإن لم تكن نار قيام على الجمر
صبرنا له حتى يبوخ وإنما تفرّج أيام الكريهة بالصبر
ومثله قول الآخر: [طويل]
بكى صاحبي لمّا رأى الموت فوقنا مطلّا كإطلال السّحاب إذا اكفهر
فقلت له لا تبك عينك إنما يكون غدا حسن الثناء لمن صبر
فما أخّر الإحجام يوما معجّلا ولا عجّل الإقدام ما أخّر القدر
فآسى على حال يقلّ بها الأسى وقاتل حتى استبهم الورد والصّدر
وكرّ حفاظا خشية العار بعد ما رأى الموت معروضا على منهج المكر
وقال أبو بكر الصدّيق ﵁ لخالد بن الوليد حين وجهه:
احرص على الموت توهب لك الحياة. وتقول العرب: الشجاع موقّى. وقالت الخنساء: [متقارب]
نهين النفوس وهون النفو س يوم الكريهة أوقى لها
[ ١ / ٢٠٦ ]
وقال يزيد «١» بن المهلّب: [طويل]
تأخّرت أستبقى الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
وقال قطريّ «٢» بن الفجاءة: [وافر]
وقولي كلّما جشأت وجاشت من الأبطال ويحك لا تراعي
فإنّك لو سألت حياة يوم سوى الأجل الذي لك لم تطاعي»
وقال معاوية بن أبي سفيان: شجّعني على عليّ بن أبي طالب قول عمرو «٤» بن الإطنابة: [وافر]
أبت لي عفّتي وأبى «٥» بلائي وأخذي الحمد بالثمن الرّبيح
وإقدامي على المكروه نفسي وضربي هامة البطل المشيح
وقولي، كلّما جشأت، لنفسي مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات وأحمي بعد عن عرض صحيح
[ ١ / ٢٠٧ ]
أبت لي أن أقضّي في فعالي وأن أغضي على أمر قبيح
وقال ربيعة «١» بن مقروم: [كامل]
ودعوا نزال فكنت أوّل نازل وعلام أركبه إذا لم أنزل؟
وكان خالد بن الوليد يسير في الصفوف يذمّر «٢» الناس ويقول: يا أهل الإسلام، إنّ الصبر عزّ وإنّ الفشل عجز وإنّ النصر مع الصبر. وقال بعض أبطال العرب: [رجز]
إنّ الشّواء والنّشيل «٣» والرّغف والقينة الحسناء والكأس الأنف
للضاربين الخيل والخيل قطف
وقال أعرابي: الله يخلف ما أتلف الناس، والدهر يتلف ما جمعوا، وكم من ميتة علّتها طلب الحياة، وحياة سببها التعرّض للموت. ومثله قول أبي بكر الصديق لخالد: إحرص على الموت توهب لك الحياة.
قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية، فدعا رجالا من عظمائهم فقال: ويحكم! أخبروني ما هؤلاء الذين تقاتلونهم؟ أليسوا بشرا مثلكم؟ قالوا:
بلى. يعني العرب. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كلّ موطن. قال: ويلكم! فما بالكم تنهزمون كلّما لقيتموهم؟ فسكتوا، فقال شيخ منهم: أنا أخبرك، أيها الملك، من أين تؤتون. قال: أخبرني.
[ ١ / ٢٠٨ ]
قال: إذا حملنا عليهم صبروا وإذا حملوا علينا صدقوا، ونحمل عليهم فنكذب ويحملون علينا فلا نصبر. قال: ويلكم فما بالكم كما تصفون وهم كما تزعمون؟ قال الشيخ: ما كنت أراك إلا وقد علمت من أين هذا؟ قال له: من أين هو؟ قال: لأنّ القوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يظلمون أحدا ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنّا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم ونأمر بما يسخط الله وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض. قال:
صدقتني، والله لأخرجنّ من هذه القرية فما لي في صحبتكم خير وأنتم هكذا.
قالوا: نشهدك الله، أيها الملك. تدع سورية وهي جنة الدنيا وحولك من الروم عدد الحصى والتراب ونجوم السماء ولم يؤت عليهم؟.