حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا بشر بن المفضّل بن لاحق قال:
حدّثنا المغيرة بن محمد عن عمر بن عبد العزيز قال: «لا ينبغي للرجل أن يكون قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال: يكون عالما قبل أن يستعمل «١»، مستشيرا لأهل العلم، ملقيا للرثّع «٢»، منصفا للخصم، محتملا للأئمة» .
حدّثني علي بن محمد قال: حدّثنا إسماعيل بن إسحاق الأنصاري عن عبد الله بن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن علي ﵇ أنه قال: «ذمّتي رهينة وأنا به زعيم لمن صرحت له العبر ألّا يهلك على التقوى زرع قوم ولا يظمأ على التقوى سنخ «٣» أصل ألا وإن أبغض خلق الله إلى الله رجل قمش «٤» جهلا غارّا بأغباش «٥» الفتنة عميا بما في عقد الهدنة سماه أشباهه من الناس عالما ولم يغن في العلم يوما سالما. بكّر فاستكثر، ما قلّ منه فهو خير مما كثر حتى إذا ما ارتوى من اجن «٦» واكتنز من غير طائل قعد بين الناس قاضيا لتخليص ما التبس على غيره، إن نزلت به إحدى المبهمات هيّا حشوا «٧» رثّا من رأيه، فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت. لا يعلم إذا أخطأ، لأنه لا يعلم أأخطأ أم أصاب، خبّاط عشوات ركّاب جهالات «٨»، لا يعتذر مما
[ ١ / ١٢٦ ]
لا يعلم فيسلم ولا يعضّ في العلم بضرس قاطع، يذرو الرواية ذرو الريح الهشيم، تبكي منه الدماء وتصرخ منه المواريث ويستحلّ بقضائه الفرج الحرام. لا مليء والله بإصدار ما ورد عليه ولا أهل لما قرّظ به» .
قال ابن شبرمة «١»: [كامل]
ما في القضاء شفاعة لمخاصم عند اللبيب ولا الفقيه الحاكم
أهون عليّ إذا قضيت بسنّة أو بالكتاب برغم أنف الراغم
وقضيت فيما لم أجد أثرا به بنظائر معروفة ومعالم
الهيثم عن ابن عيّاش عن الشّعبي قال: كان أوّل قاض قضى لعمر بن الخطاب بالعراق سلمان بن ربيعة الباهلي، ثم شهد القادسية وكان قاضيا بها، ثم قضى بالمدائن، ثم عزله عمر واستقضى شرحبيل على المدائن، ثم عزله واستقضى أبا قرّة الكندي فاختطّ الناس الكوفة وقاضيهم أبو قرّة. ثم استقضى شريح بن الحارث الكندي «٢» فقضى خمسا وسبعين سنة إلا أن زيادا أخرجه مرة إلى البصرة واستقضى مكانه مسروق بن الأجدع سنة حتى قدم شريح فأعاده ولم يزل قاضيا حتى أدرك الفتنة في زمن ابن الزبير فقعد ولم يقض في الفتنة. فاستقضى عبد الله بن الزبير رجلا مكانه ثلاث سنين فلما قتل ابن الزبير أعيد شريح على القضاء فلقي رجل شريحا في الطريق فقال: يا أبا أمية، قضيت والله بجور، قال: وكيف ذاك؟ ويحك! قال: كبرت سنّك واختلط عقلك وارتشى ابنك، فقال شريح: لا جرم، لا يقولها أحد بعدك.
[ ١ / ١٢٧ ]
فأتى الحجاج فقال: والله لا أقضي بين اثنين. قال: والله لا أعفيك أو تبغيني رجلا. فقال شريح: عليك بالعفيف الشريف أبي بردة بن أبي موسى.
فاستقضاه الحجاج وألزمه سعيد بن جبير كاتبا ووزيرا.
وروى الثوري عن علقمة بن مرثد أنه لقي محارب بن دثار «١» وكان على القضاء فقال له: يا محارب، إلى كم تردّد الخصوم؟ فقال له: إني والخصوم كما قال الأعشى: [طويل]
أرقت وما هذا السهاد المؤرّق وما بي من سقم وما بي معشق
ولكن أراني لا أزال بحادث أغادى بما لم يمس عندي وأطرق
حدّثني إسحق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد قال: كنت جالسا عند إياس بن معاوية فأتاه رجل فسأله عن مسألة فطوّل فيها، فقال إياس: إن كنت تريد الفتيا فعليك بالحسن معلمي ومعلم أبي، وإن كنت تريد القضاء فعليك بعبد الملك بن يعلى- وكان على قضاء البصرة يومئذ- وإن كنت تريد الصلح فعليك بحميد «٢» الطويل، وتدري ما يقول لك؟ يقول لك: حطّ شيئا، ويقول لصاحبك: زده شيئا حتى نصلح بينكما، وإن كنت تريد الشغب فعليك بصالح السّدوسي، وتدري ما يقول لك؟ يقول لك: إجحد ما عليك. ويقول لصاحبك: إدّع ما ليس لك وادّع بيّنة غيّبا.
قرأت في الآيين: «ينبغي للحاكم أن يعرف القضاء الحقّ العدل
[ ١ / ١٢٨ ]
والقضاء العدل غير الحق والقضاء الحق غير العدل ويقايس بتثبّت ورويّة ويتحفّظ من الشبهة» . والقضاء الحق العدل عندهم قتل النفس بالنفس، والقضاء العدل غير الحق قتل الحر بالعبد، والقضاء الحق غير العدل الدية على العاقلة.
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أخي الأصمعي قال: حدثني عمي الأصمعي قال: قال أعرابي لقوم يتنازعون: هل لكم في الحق أو فيما هو خير من الحق؟ فقيل: وما يكون خيرا من الحق؟ قال: التحاطّ «١» والهضم، فإنّ أخذ الحق كله مرّ.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: اختلف رجلان في شيء فحكّما رجلا له في المخطىء هوى، فقال للمخطىء: من يقول بقولك أكثر.
الهيثم بن عدي قال: تقدّمت كلثم بنت سريع مولى عمرو بن حريث وأخوها الوليد إلى عبد الملك بن عمير وهو قاضي الكوفة، وكان ابنه عمرو بن عبد الملك يرمى بها فقضى لها، فقال هذيل الأشجعي «٢»: [طويل]
أتاه رفيق بالشهود يسوقهم على ما ادّعت من صامت المال والخول «٣»
فأدلى وليد عند ذاك بحقّه وكان وليد ذا مراء وذا جدل
ففتّنت القبطيّ حتى قضى لها بغير قضاء الله في السّور الطّول
فلو كان من في القصر يعلم علمه لما استعمل القبطيّ فينا على عمل
[ ١ / ١٢٩ ]
له حين يقضي للنساء تخاوص «١» وكان وما منه التخاوص والحول
إذا ذات دلّ كلّمته لحاجة فهمّ بأن يقضي تنحنح أو سعل
وبرّق «٢» عينيه ولاك «٣» لسانه يرى كل شيء ما خلا شخصها جلل
فكان عبد الملك بن عمير يقول: والله لربما جاءتني السعلة أو التنحنح وأنا في المتوضّأ فأكفّ عن ذلك.
وقال ابن مناذر «٤» في خالد بن طليق وكان قد ولي قضاء البصرة:
[سريع]
قل لأمير المؤمنين الذي من هاشم في سرّها واللّباب
إن كنت للسّخطة عاقبتنا بخالد فهو أشدّ العقاب
كان قضاة الناس فيما مضى من رحمة الله وهذا عذاب
يا عجبا من خالد كيف لا يخطىء فتيا مرّة بالصواب
وقال فيه: [مجزوء الرمل]
جعل «٥» الحاكم يا للن ناس من آل طليق
ضحكة يحكم في النا س برأي الجاثليق «٦»
[ ١ / ١٣٠ ]
أيّ قاض أنت في النّق ص وتعطيل الحقوق
يا أبا الهيثم ما أن ت لهذا بخليق
لا ولا أنت لما حم ملت منه بمطيق
أراد عديّ بن أرطاة بكر بن عبد الله المزني على القضاء فقال له بكر:
والله ما أحسن القضاء، فإن كنت كاذبا أو صادقا فما يحلّ لك أن توليني.
وروى عبد الرزاق عن معمر قال: لما عزل ابن شبرمة عن القضاء قال له والي اليمن: اختر لنا رجلا نوليه القضاء. فقال له ابن شبرمة: ما أعرفه.
فذكر له رجل من أهل صنعاء فأرسل إليه فجاء، فقال له ابن شبرمة: هل تدري لم دعيت؟ قال: لا. قال: إنك قد دعيت لأمر عظيم، للقضاء. قال:
ما أيسر القضاء! فقال له ابن شبرمة: نسألك عن شيء يسير منه؟ قال: سل.
قال له ابن شبرمة: ما تقول في رجل ضرب بطن شاة حامل «١» فألقت ما في بطنها؟ فسكت الرجل، فقال له ابن شبرمة: إنا بلوناك فما وجدنا عندك شيئا.
فقيل له: ما القضاء فيها؟ قال ابن شبرمة: تقوّم حاملا وتقوّم حائلا ويغرم قدر ما بينهما.
حدّثني عبد الله بن محمد الخلنجي قال: كان يحيى «٢» بن أكثم يمتحن من يريدهم للقضاء، فقال لرجل: ما تقول في رجلين زوّج كل واحد منهما الآخر أمّه فولد لكل واحد من امرأته ولد، ما قرابة ما بين الوالدين؟ فلم يعرفها، فقال له يحيى: كل واحد من الولدين عمّ الآخر لأمه.
[ ١ / ١٣١ ]
ودخل رجل من أهل الشام على عبد الملك بن مروان فقال: إني تزوجت امرأة وزوجت ابني أمّها ولا غنى بنا عن رفدك. فقال له عبد الملك:
إن أخبرتني ما قرابة ما بين أولادكما إذا أولدتما، فعلت. قال: يا أمير المؤمنين، هذا حميد بن بحدل قد قلدته سيفك ووليته ماوراء بابك فسله عنها، فإن أصاب لزمني الحرمان، وإن أخطأ اتسع لي العذر. فدعا بالبحدلي فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، إنك ما قدمتني على العلم بالأنساب ولكن على الطعن بالرّماح، أحدهما عمّ الآخر والآخر خاله.
قال ابن سيرين: كنا عند أبي عبيدة بن أبي حذيفة في قبّة له وبين يديه كانون له فيه نار فجاءه رجل فجلس معه على فراشه فسارّه بشيء لا ندري ما هو، فقال له أبو عبيدة: ضع لي إصبعك في هذه النار. فقال له الرجل:
سبحان الله! تأمرني أن أضع لك أصبعي في هذه النار! فقال له أبو عبيدة:
أتبخل عليّ بأصبع من أصابعك في نار الدنيا وتسألني أن أضع لك جسدي كله في نار جهنم؟ قال: فظننا أنه دعاه إلى القضاء.
كان يقال: «ثلاث إذا كنّ في القاضي فليس بكامل: إذا كره اللوائم، وأحبّ المحامد، وكره العزل. وثلاث إذا لم تكن فيه فليس بكامل: يشاور وإن كان عالما، ولا يسمع شكيّة من أحد حتى يكون معه خصمه، ويقضي إذا علم» .
قالوا: «ويحتاج القاضي إلى العدل في لحظه ولفظه وقعود الخصوم بين يديه وألا يقضي وهو غضبان ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر» .
قال الشعبي: حضرت شريحا ذات يوم وجاءته امرأة تخاصم زوجها
[ ١ / ١٣٢ ]
فأرسلت عينيها «١» فبكت فقلت: يا أبا أمية، ما أظنها إلا مظلومة. فقال: يا شعبي، إنّ إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون «٢» .
بلغني عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. سلام عليك، أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلّم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس في مجلسك ووجهك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين الناس إلا صلحا أحل حراما أو حرّم حلالا، ولا يمنعنّك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق لا يبطله شيء. واعلم أن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس فيه قرآن ولا سنّة، واعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور عند ذلك ثم اعمد لأحبّها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى. إجعل لمن ادّعى حقا غائبا أمدا ينتهي إليه فإن أحضر بيّنة أخذ بحقه وإلا استحللت عليه القضاء. والمسلمون عدول في الشهادة إلا مجلودا «٣»
في حدّ أو مجرّبا عليه شهادة زور أو ظنيّنا في ولاء أو قرابة. إن الله تولّى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبيّنات. وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن الذخر، فإنه من صلحت سريرته فيما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن
[ ١ / ١٣٣ ]
تزيّن للدنيا بغير ما يعلم الله منه شانه الله، والسلام» .
وقال سلمة «١» بن الخرشب لسبيع التغلبي في شأن الرّهن التي وضعت على يديه في قتلى عبس وذبيان: [منسرح]
أبلغ سبيعا وأنت سيدنا قدما وأوفى رجالنا ذمما
أنّ بغيضا «٢» وأنّ إخوتها ذبيان قد ضرّموا الذي اضطرما
نبّئت أن حكّموك بينهم فلا تقولنّ بئس ما حكما
إن كنت ذا عرفة بشأنهم تعرف ذا حقّهم ومن ظلما
وتنزل الأمر في منازله حكما وعلما وتحضر الفهما
فاحكم فأنت الحكيم بينهم لن يعدموا الحقّ باردا صتما «٣»
واصدع أديم السواء بينهم على رضا من رضي ومن رغما
إن كان مالا فمثل عدّته مال بمال وإن دما فدما
هذا وإن لم تطق حكومتهم فانبذ إليهم أمورهم سلما «٤»
وأنشد عمر بن الخطاب شعر زهير بن أبي سلمى، فلما بلغ قوله:
[وافر]
فإن الحقّ مقطعه ثلاث يمين أو نفار أو جلاء
جعل عمر يتعجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها ويقول: لا يخرج الحق من إحدى ثلاث إما يمين أو محاكمة أو حجّة.
[ ١ / ١٣٤ ]
وقال ابن أبي ليلى «١» الفقيه في عبد الله بن شبرمة «٢»: [متقارب]
وكيف ترجّى لفصل القضاء ولم تصب الحكم في نفسكا
وتزعم أنك لابن الجلاح «٣» وهيهات دعواك من أصلكا
عبد الله بن صالح العجلي قال: خرج شريك «٤» وهو على القضاء يتلقى الخيزران «٥» وقد أقبلت تريد الحج، فأتى، شاهي «٦» فأقام بها ثلاثا ولم تواف فخفّ زاده وما كان معه من الخبز فجعل يبلّه بالماء ويأكله بالملح، فقال العلاء بن المنهال «٧» الغنوي: [الوافر]
فإن كان الذي قد قلت حقّا بأن قد أكرهوك على القضاء
فما لك موضعا في كل يوم تلقّى من يحجّ من النساء
مقيما في قرى شاهي ثلاثا بلا زاد سوى كسر وماء
يزيد الناس خيرا كلّ يوم فترجع يا شريك إلى وراء
وقال فيه أيضا: [وافر]
فليت أبا شريك كان حيّا فيقصر حين يبصره شريك
[ ١ / ١٣٥ ]
ويترك من تدرّيه علينا إذا قلنا له: هذا أبوك «١»
وأنشد لبعض الشعراء في بعض الحكام: [كامل]
أبكي وأندب بهجة الإسلام إذ صرت تقعد مقعد الحكّام
إن الحوادث ما علمت كثيرة وأراك بعض حوادث الأيام
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثني القاسم بن الفضل قال: حدّثني رجل من بني جرير أن رجلا منهم خاصم رجلا إلى سوّار بن عبد الله فقضى على الجريري، فمر سوّار ببني جرير فقام إليه الجريري فصرعه وخنقه وجعل يقول: [سريع]
رأيت أحلاما فعبّرتها وكنت للأحلام عبّارا
رأيتني أخنق ضبّا «٢» على جحر وكان الضّبّ سوّارا