حدّثنا شبابة عن القاسم بن الحكم عن إسماعيل بن عيّاش عن معدان ابن حدير الحضرمي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل «٢» يتقوّون به على عدوهم كمثل أمّ موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها» . حدّثني محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيّب قال: لما نزل النبيّ، ﷺ، المعرّس أمر مناديا فنادى: لا تطرقوا النساء. فتعجّل رجلان فكلاهما وجد مع امرأته رجلا. وكانت العرب تقول: السّفر ميزان القوم «٣» .
وتأمر بالمحلّات وهي الدلو والفأس والسّفرة والقدر والقدّاحة، وإنما قيل لها محلّات لأن المسافر بها يحلّ حيث شاء ولا يبالي ألّا يكون بقربه أحد.
حدّثني عبد الرحمن بن الحسين عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال: قال لقمان لابنه: «يا بنيّ، إذا سافرت فلا تنم على دابتّك فإنّ كثرة
[ ١ / ٢١٨ ]
النوم سريع في دبرها، فإذا نزلت أرضا مكلئة فأعطها حظّها من الكلأ وابدأ بعلفها وسقيها قبل نفسك وإذا بعدت عليك المنازل فعليك بالدّلج «١» فإن الأرض تطوى بالليل. وإذا أردت النزول فلا تنزل على قارعة الطريق فإنها مأوى الحيّات والسباع ولكن عليك من بقاع الأرض بأحسنها لونا وألينها تربة وأكثرها كلأ فانزلها، وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس وقل: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
«٢» . وإذا أردت قضاء حاجة فأبعد المذهب في الأرض وعليك بالسّترة. وإذا ارتحلت من منزل فصلّ ركعتين وودّع الأرض التي ارتحلت عنها وسلّم عليها وعلى أهلها فإنّ لكل بقعة من الأرض أهلا من الملائكة. وإذا مررت ببقعة من الأرض أو واد أو جبل فأكثر من ذكر الله فإن الجبال والبقاع ينادي بعضها بعضا: هل مرّ بكنّ اليوم ذاكر لله؟ وإن استطعت ألا تطعم طعاما حتى تتصدّق منه فافعل. وعليك بذكر الله، جلّ وعزّ، ما دمت راكبا وبالتّسبيح ما دمت صائما وبالدعاء ما دمت خاليا. وإيّاك والسّير في أوّل الليل وعليك بالتّعريس والدّلجة من نصف الليل إلى آخره. وإياك ورفع الصوت في سيرك إلا بذكر الله، وسافر بسيفك وقوسك وجميع سلاحك وخفّك وعمامتك وإبرتك وخيوطك وتزوّد معك الأدوية تنتفع بها وتنفع من صحبك من المرضى والزّمنى «٣» . وكن لأصحابك موافقا في كل شيء يقرّبك إلى الله ويباعدك من معصيته. وأكثر التبسّم في وجوههم وكن كريما على زادك بينهم وإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوك فأعنهم وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم واجهد رأيك. وإذا رأيتهم يمشون فامش معهم أو يعملون فاعمل
[ ١ / ٢١٩ ]
معهم وإن تصدّقوا أو أعطوا فأعط. واسمع لمن هو أكبر منك. وإن تحيّرتم في طريق فانزلوا، وإن شككتم في القصد فتثبّتوا وتآمروا، وإن رأيتم خيالا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم فإن الشخص الواحد في الفلاة هو الذي حيّركم واحذروا الشخصين أيضا إلّا أن تروا ما لا أرى فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب وإن العاقل إذا أبصر شيئا بعينيه عرف الحق بقلبه.
علّم أعرابي بنيه إتيان الغائط في السفر فقال لهم: اتّبعوا الخلاء وجانبوا الكلاء واعلوا الضّراء «١» وأفحجوا إفحاج النعامة وامسحوا بأشملكم.
وقال عمرو بن العاص للحسن بن علي بن أبي طالب رحمهما الله: يا أبا محمد، هل تنعت الخراءة «٢»؟ فقال: نعم، تبعد المشي في الأرض الضّحضح حتى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستنج بالرّوثة ولا العظم ولا تبل في الماء الراكد.
أراد الحسن البصريّ الحجّ، فقال له ثابت: بلغني أنك تريد الحج فأحببت أن نصطحب. فقال: ويحك! دعنا نتعايش بستر الله، إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه. وفي الحديث المرفوع عن بقيّة عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة قال: قال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «أما إنّك إن ترافق غير قومك يكن أحسن لخلقك وأحقّ أن يقتفى بك» .
أتى رجل هشاما أخا ذي الرّمّة الشاعر فقال له: إني أريد السفر
[ ١ / ٢٢٠ ]
فأوصني. قال: صلّ الصلاة لوقتها فإنك مصلّيها لا محالة فصلّها وهي تنفعك، وإياك وأن تكون كلب رفقتك فإن لكل رفقة كلبا ينبح دونهم، فإن كان خيرا شركوه فيه وإن كان عارا تقلّده دونهم.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: إذا ضلّت لأحدكم ضالّة فليقل: اللهمّ ربّ الضالّة تهدي الضالّة وتردّ الضالّة اردد عليّ ضالتي، اللهمّ لا تبلنا بهلاكها ولا تتعبنا بطلبها، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلا بالله. يا عباد الله الصالحين، ردّوا علينا ضالّتنا. وإذا أردت أن تحمل الحمل الثقيل فقل: يا عباد الله أعينونا. وقال أبو عمرو: إذا ضلّت لأحدكم ضالة فليتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلّي ركعتين ثم يتشهد ويقول: بسم الله، اللهمّ يا هادي الضّال ورادّ الضالّ، أردد عليّ ضالّتي بعزّتك وسلطانك فإنها من فضلك وعطائك.
حدّثني محمد بن عبيد عن حمزة بن وعلة عن رجل من مراد يقال له أبو جعفر عن محمد بن علي عن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «يا عليّ، أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا بسم الله الملك الرحمن. وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
«١» بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
«٢» .
[ ١ / ٢٢١ ]
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب قال: أراد عمر أن يغزي البحر جيشا، فكتب إليه عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، البحر خلق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود بين غرق وبرق «١» قال عمر: لا يسألني الله عن أحد حملته فيه.
وحدّثني أيضا عن معاوية عن أبي إسحاق عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد قال: كان ابن عمر يقول في السّفر إذا أسحر: سمع سامع بحمد الله ونعمته وحسن بلائه علينا. ويقول: اللهمّ، صاحبنا فأفضل علينا ثلاثا، اللهمّ عائذ بك من النار ثلاثا لا حول ولا قوة إلا بالله.
وعن الأوزاعي عن حسّان بن عطيّة أن رسول الله ﷺ قال في سفره حين هاجر: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا مذكورا، اللهمّ أعنّي على أهاويل الدنيا وبوائق الدهر ومصيبات الليالي والأيام واكفني شرّ ما يعمل الظالمون في الأرض، اللهمّ، في سفري فاصحبني، وفي أهلي فاخلفني، وفيما رزقتني فبارك ليد ولك في نفسي فذلّلني، وفي أعين الصالحين فعظّمني، وفي خلقي فقوّمني، وإليك ربّ فحبّبني، إلى من تكلني ربّ المستضعفين وأنت ربي» .
وحدّثني أيضا عن معاوية عن أبي إسحاق عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال: كان النبي ﷺ إذا سافر يقول: اللهمّ، إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل» . وزاد غيره: «اللهمّ اطو لنا الأرض وهوّن علينا السفر» .
وقال مطرّف بن عبد الله لابنه: الحسنة بين السّيئتين وخير الأمور
[ ١ / ٢٢٢ ]
أوساطها وشرّ السير الحقحقة. وفي الحديث «لا تحقحق فتنقطع ولا تباطأ فتسبق ولكن اقصد تبلغ» والحقحقة أشدّ السير. وفي حديث آخر «إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» وقال المرّار «١»: [وافر]
تقطّع بالنزول الأرض عنّا وبعد الأرض يقطعه النزول
الأصمعي قال: قيل لرجل أسرع في سيره: كيف كان مسيرك؟ قال:
كنت آكل الوجبة وأعرّس إذا أسحرت وأرتحل إذا أسفرت وأسير الوضع وأجتنب الملع «٢» فجئتكم لمسيء سبع. قال أبو اليقظان: من السير المذكور مسير ذكوان مولى آل عمر بن الخطاب، سار من مكة إلى المدينة في يوم وليلة، فقدم على أبي هريرة وهو خليفة مروان على المدينة فصلّى العتمة، فقال له أبو هريرة: حاجّ غير مقبول منه. قال له: ولم؟ قال: لأنك نفرت قبل الزوال. فأخرج كتاب مروان بعد الزوال وقال: [طويل]
ألم ترني كلّفتهم سير ليلة من آل منى نصّا إلى آل يثرب
فأقسمت لا تنفكّ، ما عشت، سيرتي حديثا لمن وافى بجمع المحصّب «٣»
ومن السير المذكور مسير حذيفة بن بدر، وكان أغار على هجائن النعمان بن المنذر بن ماء السماء وسار في ليلة مسيرة ثمان، فقال قيس «٤» بن
[ ١ / ٢٢٣ ]
الخطيم: [وافر]
هممنا بالإقامة ثم سرنا كسير حذيفة الخير ابن بدر
قال الشّرقيّ بن القطامي: خرجت من الموصل أريد الرّقّة فصحبني فتى من أهل الجزيرة وذكر أنه من ولد عمرو بن كلثوم ومعه مزود وركوة وعصا، ورأيته لا يفارقها مشاة كنّا أو ركبانا وهو يقول: إن الله جعل جماع أمر موسى وأعاجيبه وبراهينه ومآربه في عصاه، ويكثر من هذا وأنا أضحك متهاونا بما يقول، فتخلّف المكاري فكان حمار الفتى إذا وقف أكرهه بالعصا ويقف حماري ولا شيء في يدي فيسبقني إلى المنزل فيستريح ويريح ولا أقدر على البراح حتى يوافيني المكاري، فقلت: هذه واحدة. ثم خرجنا من غد مشاة فكان إذا أعيا توكّأ على العصا وربما أحضر ووضع طرفا على الأرض فاعتمد عليها ومرّ كأنه سهم زالج حتى انتهينا وقد تفسّخت من الكلال وإذا فيه فضل كثير، فقلت: وهذه أخرى. فلما كان في اليوم الثالث هجمنا على حيّة منكرة فسارت إلينا فأسلمته إليها وهربت عنها فضربها بالعصا حتى قتلها، فقلت:
هذه ثالثة، وهي أعظمهنّ. وخرجنا في اليوم الرابع وبنا قرم «١» إلى اللحم فاعترضنا أرنب فحذفها بالعصا وأدركنا ذكاتها فقلت: هذه رابعة. فأقبلت عليه فقلت: لو أن عندنا نارا ما أخّرت أكلها إلى المنزل. فأخرج عويدا من مزوده ثم حكّه بالعصا فأورت إيراء المرخ والعفار «٢»، ثم جمع ما قدر عليه من الغثاء «٣» والحشيش وأوقد نارا وألقى الأرنب في جوفها فأخرجناها وقد لزق بها من الرماد والتراب ما بغّضها إليّ فعلّقها بيده اليسرى ثم ضرب جنوبها بالعصا
[ ١ / ٢٢٤ ]
وأعراضها ضربا رقيقا حتى انتثر كل شيء عليها فأكلناها وسكن القوم وطابت النفس، فقلت: هذه خامسة. ثم نزلنا بعض الخانات وإذا البيوت ملآنة روثا «١» وترابا فلم نجد موضعا نظلّ فيه فنظر إلى حديدة مطروحة في الدار فأخذها فجعل العصا نصابا لها ثم قام فجرف جميع ذلك الروث والتراب وجرد الأرض حتى أظهر بياضها وطابت ريحها فقلت: وهذه سادسة. ثم نزع العصا من الحديدة فأوتدها فيا لحائط وعلّق عليها ثيابه وثيابي فقلت: هذه سابعة. فلما صرنا إلى مفرق الطريقين وأردت مفارقته قال لي: لو عدلت معي فبتّ عندي! فعدلت معه فأدخلني منزلا يتصل ببيعة «٢» فما زال يحدّثني ويطرفني الليل كلّه فلما كان السحر أخذ العصا بعينها وأخذ خشبة أخرى فقرع بها العصا فإذا ناقوس ليس في الدنيا مثله وإذا هو أحذق الناس به فقلت له: ويحك! أما أنت بمسلم؟ قال: بلى. قلت: فلم تضرب بالناقوس؟ قال: لأن أبي نصراني وهو شيخ كبير ضعيف فإذا شهدت بررته بالكفاية. وإذا شيطان مارد وأظرف الناس وأكثرهم أدبا فخبّرته بالذي أحصيت من خصال العصا فقال: والله لو حدّثتك عن مناقب العصا ليلة إلى الصباح ما استنفدتها.
وروى يزيد عن هشام عن الحسن عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ:
«إذا كنتم في الخصب فأمكنوا الرّكاب أسنّتها ولا تغدوا المنازل وإذا كنتم في الجدب فاستنجوا «٣» وعليكم بالدّلجة فإنّ الأرض تطوى بالليل وإذا تغوّلت لكم الغيلان فنادوا بالأذان ولا تصلّوا على جوادّ الطرق «٤» ولا تنزلوا عليها فإنها
[ ١ / ٢٢٥ ]
مأوى السّباع والحيات ولا تقضوا عليها الحوائج فإنها الملاعن» .
وأراد أعرابي سفرا فقال لأمرأته: [كامل]
عدّي السنين لغيبتي وتصبّري وذري الشّهور فإنهنّ قصار
فأجابته: [كامل]
أذكر صبابتنا إليك وشوقنا وارحم بناتك إنهنّ صغار
فأقام وترك السفر. وقال إسحاق «١» بن إبراهيم الموصلي: [وافر]
طربت إلى الأصيبية الصّغار وهاجك منهم قرب المزار
وكلّ مسافر يزداد شوقا إذا دنت الديار من الديار
وفي الحديث المرفوع قال ابن مسعود: كنّا يوم بدر ثلاثة على بعير فكان عليّ وأبو لبابة «٢» زميلي رسول الله ﷺ، فكان إذا دارت عقبتهما قالا: يا رسول الله؛ اركب ونمشي عنك. فيقول: «ما أنتما بأقوى منّي وما أنا بأغنى عن الأجر منكما» .
خطب قتيبة بن مسلم على منبر خراسان فقال في خطبته: إذا غزوتم فأطيلوا الأظفار وقصّروا الأشعار.
وقالت عائشة ﵂: «لا سهر إلا لثلاثة: مصلّ أو عروس أو مسافر.
وقال بعض الشعراء: [وافر]
سررت بجعفر والقرب منه كما سرّ المسافر بالإياب
وكنت بقربه إذ حلّ أرضي أميرا بالسّكينة والصّواب
[ ١ / ٢٢٦ ]
كممطور ببلدته فأضحى غنيّا عن مطالبة السحاب
وقال آخر في معناه: [بسيط]
وكنت فيهم كممطور ببلدته فسرّ أن جمع الأوطان والمطرا
وقال آخر: [طويل]
إذا نحن أبنا سالمين بأنفس كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة انها تؤوب وفيها ماءها وحياؤها
وقال آخر: [وافر]
رجعنا سالمين كما بدأنا وما خابت غنيمة سالمينا
وما تدرين أيّ الأمر خير أما تهوين أم ما تكرهينا
وقال بعض المحدثين: [خفيف]
قبّح الله آل برمك إني صرت من أجلهم أخا أسفار
إن يكن ذو القرنين قد مسح الأر ض فإني موكّل بالعيار