قال: أخبرنا خالد بن جويرية عن محمد بن ذؤيب الفقيميّ «٢» وهو العمانيّ الراجز عن دكين الراجز قال: أتيت عمر بن عبد العزيز بعد ما استخلف أستنجز منه وعدا كان وعدنيه وهو والي المدينة، فقال لي: يا دكين، إن لي نفسا توّاقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة. وما رزأت من أموال المسلمين شيئا، وما عندي إلا ألفا درهم، فاختر أيّهما شئت، وهو يضحك. فقلت: يا أمير المؤمنين، قليلك خير من كثير غيرك، ويقال قليلك خير من كبير غيرك، فاختر لي أنت، فدفع إليّ ألفا وقال: خذها بارك الله لك فيها، فابتعت بها إبلا وسقتها إلى البادية، فرمى الله في أذنابها بالبركة بدعوته حتى رزقني الله ما ترون.
[ ١ / ٣٣٤ ]
قال معاوية لعمرو بن العاص حين نظر معسكر عليّ ﵇: من طلب عظيما خاطر بعظيمته. وكان عمرو يقول: عليكم بكل أمر مزلقة مهلكة.
أي عليكم بجسام الأمور. وقال كعب «١» بن زهير: [طويل]
وليس لمن لم يركب الهول بغية وليس لرحل حطّه الله حامل
إذا أنت لم تقصر عن الجهل والخنا أصبت حليما أو أصابك جاهل
وفي كتاب للهند: ثلاثة أشياء لا تنال إلا بارتفاع همّة وعظيم خطر:
عمل السلطان، وتجارة البحر، ومناجزة العدوّ. وفيه أيضا: لا ينبغي أن يكون الفاضل من الرجال إلا مع الملوك مكرّما أو مع النّسّاك متبتّلا، كالفيل لا يحسن أن يرى إلا في موضعين: في البرّيّة وحشيّا أو للملوك مركبا وفيه أيضا:
ذو الهمة إن حطّ فنفسه تأبى إلا علوّا كالشّعلة من النار يصوّبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعا. وقال العتّابيّ «٢»: [طويل]
تلوم على ترك الغنى باهليّة طوى الدّهر عنها كلّ طرف وتالد «٣»
يسرّك أني نلت ما نال جعفر من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأنّ أمير المؤمنين أغصّني مغصّهما بالمشرقات البوارد
ذريني تجئني ميتتي مطمئنّة ولم أتقحّم هول تلك الموارد
فإنّ كريمات المعالي مشوبة بمستودعات في بطون الأساود
وقال الطائي: [طويل]
وأخرى لحتني يوم لم أمنع النّوى قيادي ولم ينقض زماعي ناقض
[ ١ / ٣٣٥ ]
أرادت بأن يحوي الغنى وهو وادع وهل يفرس اللّيث الطّلا «١» وهو رابض؟
وقال أيضا: [كامل]
فاطلب هدوءا في التقلقل واستتر بالعيس من تحت السّهاد هجودا
ما إن ترى الأحساب بيضا وضّحا إلا بحيث ترى المنايا سودا
وقال آخر: [رجز]
ما العزّ إلا تحت ثوب الكدّ «٢»
وقال آخر: [كامل]
الذّلّ في دعة النفوس ولا أرى عزّ المعيشة دون أن يشقى لها
وقال بعض المحدثين وأظنه البحتريّ: [خفيف]
فاطلبا ثالثا سواي فإنّي رابع العيس والدّجى والبيد
لست بالواهن المقيم ولا القا ئل يوما إن الغنى بالجدود
وإذا استصعبت مقادة أمر سهّلتها أيدي المهارى القود
وقال عبد الله بن أبي الشّيص «٣» [وافر]
أظنّ الدهر قد آلى فبرّا بأن لا يكسب الأموال حرّا
لقد قعد الزمان بكل حرّ ونقّض من قواه المستمرّا
كأنّ صفائح الأحرار أردت أباه فحارب الأحرار طرّا
فأصبح كلّ ذي شرف ركوبا لأعناق الدجى برّا وبحرا
فهتّك جيب درع الليل عنه إذا ما جيب درع الليل زرّا
[ ١ / ٣٣٦ ]
يراقب للغنى وجها ضحوكا ووجها للمنيّة مكفهرّا
ومن جعل الظلام له قعودا أصاب به الدجى خيرا وشرّا
وكان يقال: من سرّه أن يعيش مسرورا فليقنع، ومن أراد الذكر فليجهد.
قيل للعتّابيّ: فلان بعيد الهمة، قال: إذن لا يكون له غاية دون الجنة. وقيل لبعض الحكماء: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من اتّسعت معرفته وضاقت مقدرته وبعدت همّته.
وقال عديّ «١» بن الرّقاع: [كامل]
والمرء يورث جوده أبناءه ويموت آخر وهو في الأحياء
أبو اليقظان قال: كان أوّل عمل وليه الحجّاج تبالة، فسار إليها فلما قرب منها قال للدليل: أين هي وعلى أيّ سمت هي؟ قال: تسترها عنك هذه الأكمة. قال لا أراني أميرا إلّا على موضع تستر منه أكمة! أهون بها ولاية! وكرّ راجعا. فقيل في المثل: «أهون من تبالة على الحجّاج» . وقال الطائيّ: [طويل]
وطول مقام المرء في الحيّ مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدّد
فإني رأيت الشمس زيدت محبّة إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
وقال رجل لآخر: أبوك الذي جهل قدره وتعدّى طوره فشقّ العصا وفرّق الجماعة، لا جرم لقد هزم ثم أسر ثم قتل ثم صلب. قال الآخر: دعني من ذكر هزيمة أبي ومن صلبه، أبوك ما حدّث نفسه بشيء من هذا قطّ. قال حاتم طيء: [طويل]
لحى الله صعلوكا مناه وهمّه من العيش أن يلقى لبوسا ومطعما
يرى الخمص «٢» تعذيبا وإن يلق شعبة يبت قلبه من قلّة الهمّ مبهما
[ ١ / ٣٣٧ ]
ولله صعلوك يساور همّه ويمضي على الأهوال والدهر مقدما
يرى قوسه أو رمحه ومجنّه وذا شطب لدن المهزّة مخذما «١»
وأحناء سرج قاتر «٢» ولجامه معدّا لدى الهيجا وطرفا مسوّما
فذلك إن يهلك فحيّ ثناؤه وإن يحي لا يقعد لئيما مذمّما
وقال آخر: [بسيط]
لا يمنعنّك خفض العيش تطلبه نزاع شوق إلى أهل وأوطان
تلقى بكلّ بلاد إن حللت بها أهلا بأهل وجيرانا بجيران
ويقال: ليس بينك وبين البلدان نسب فخير البلاد ما حملك. وقال عروة ابن الورد «٣»: [طويل]
لحى الله صعلوكا إذا جنّ ليله مصافي المشاش «٤» آلفا كلّ مجزر
يعدّ الغنى من دهره كلّ ليلة أصاب قراها من صديق ميسّر
ينام عشاء ثم يصبح قاعدا يحتّ الحصا من جنبه المتعفّر
يعين نساء الحيّ لا يستعنّه ويمسي طليحا كالبعير المحسّر
ولله صعلوك صفيحة وجهه كضوء شهاب القابس المتنوّر
مطلّ على أعدائه يزجرونه بساحتهم زجر المنيح المشهّر
وقال آخر: [طويل] تقول سليمى: لو أقمت بأرضنا! * ولم تدر أني للمقام أطوف
[ ١ / ٣٣٨ ]
وقال الطائيّ في نحوه: [وافر]
أآلفة النّحيب كم افتراق ألمّ فكان داعية اجتماع
وما إن فرحة الأوبات إلا لموقوف على ترح الوداع
نظر رجل إلى روح بن حاتم واقفا في الشمس على باب المنصور فقال له: قد طال وقوفك في الشمس. فقال روح: ليطول مقامي في الظل. وقال خداش «١» بن زهير: [بسيط]
ولن أكون كمن ألقى رحالته على الحمار وخلّى صهوة الفرس
وقال آخر: [بسيط]
لا أنت قصّرت عن مجد ولا أنا، إذ أسمو إليك بنفسي، قصّرت هممي
قال عمر بن الخطاب: أشنعوا بالكنى فإنها منبّهة. دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان التيميّ على أبيه وهو يجود بنفسه فقال له: ألا أوصي بك الأمير؟ فقال عبيد الله: إذا لم يكن للحيّ إلّا وصيّة الميت فالحيّ هو الميت.
وقال الشاعر في نحوه: [وافر]
إذا ما الحيّ عاش بعظم ميت فذاك العظم حيّ وهو ميت
وقال معاوية لعمرو بن سعيد وهو صبيّ: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال:
أوصى إليّ ولم يوص بي. نظر أبو الحارث حمير إلى برذون «٢» يستقى عليه، فقال: المرء حيث يجعل نفسه، لو هملج «٣» هذا لم يبل بما ترون. قال الطائي:
[ ١ / ٣٣٩ ]
[طويل]
وقلقل نابي من خراسان جاشها فقلت اطمئني أنضر الرّوض عازبه
وركب كأطراف الأسنّة عرّسوا على مثلها، والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتمّ صدوره وليس عليهم أن تتمّ عواقبه
وقال آخر: [طويل]
وعش ملكا أو مت كريما، وإن تمت وسيفك مشهور بكفك تعذر
والمشهور في هذا قول امرىء القيس: [طويل]
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
وقوله: [طويل]
بكى صاحبي لما رأى الدّرب دونه وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك، إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وقال أبو نواس: [طويل]
سأبغي الغنى إمّا جليس خليفة نقوم سواء، أو مخيف سبيل
وقيل ليزيد بن المهلّب: ألا تبني دارا! فقال: منزلي دار الإمارة أو الحبس. والمشهور في سقوط الهمة قول الحطيئة «١»: [بسيط]
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
[ ١ / ٣٤٠ ]
وقال مالك «١» بن الرّيب: [طويل]
فإن تنصفونا، آل مروان، نقترب إليكم وإلّا فأذنوا ببعاد
فإنّ لنا عنكم مراحا ومرحلا بعيس إلى ريح الفلاة صوادي
وفي الأرض عن دار المذلّة مذهب وكلّ بلاد أوطنت كبلادي
فماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده إذا نحن جاوزنا حفير «٢» زياد
فباست أبي الحجاج واست عجوزه عتيّد «٣» بهم يرتعي بوهاد
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف «٤» كما كان عبدا من عبيد إياد
زمان هو المقري المقرّ «٥» بذلّة يراوح غلمان القرى ويغادي
بعث ينحاب خليفتها إلى ابن عائشة المحدّث وهو عبيد الله بن محمد ابن حفص التّيميّ، فأتاه في حلقته في المسجد فقال له: أبو من؟ قال: هلّا عرفت هذا قبل مجئيك؟ قال: أريد أن تخليني. قال: في حاجة لك أم في حاجة لي؟ قال: في حاجة لي. قال: فالقني في المنزل. قال: فإنّ الحاجة لك. قال: ما دون إخواني سرّ.
وقال بعض لصوص همدان وهو مالك «٦» بن حريم: [طويل]
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها مراغمة مادام للسّيف قائم
[ ١ / ٣٤١ ]
متى تجمع القلب الذكّي وصارما «١» وأنفا حميّا تجتنبك المظالم
ومن يطلب المال الممنّع بالقنا يعش مثريا أو تخترمه المخارم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم
وقال أبو النّشناش «٢»، من اللصوص: [طويل]
إذا المرء لم يسرح سواما «٣» ولم يرح سواما ولم تعطف عليه أقاربه
فللموت خير للفتى من حياته فقيرا ومن مولى تدبّ عقاربه
وسائله بالغيب عنّي وسائل ومن يسأل الصّعلوك أين مذاهبه؟
وطامسة الأعلام ماثلة الصّوى «٤» سرت بأبي النّشناش فيها ركائبه
فلم أر مثل الفقر ضاجعه الفتى ولا كسواد الليل أخفق صاحبه
وقال آخر من اللصوص: [طويل]
وإنّي لأستحيي من الله أن أرى أطوف بحبل «٥» ليس فيه بعير
وأن أسأل المرء اللئيم بعيره وبعران ربّي في البلاد كثير
فللّيل، إن واراني الليل، حكمة وللشمس إن غابت عليّ تدور
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى وصوّت إنسان فكدت أطير
رأى الله أنّى للأنيس لشانىء وتبغضهم لي مقلة وضمير
[ ١ / ٣٤٢ ]
وقال النّمر «١» بن تولب: [كامل]
خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة إنّ الجلوس مع العيال قبيح
فالمال فيه تجلّة ومهابة والفقر فيه مذلّة وقبوح
وقال آخر: [طويل]
تقول ابنتي: إنّ انطلاقك واحدا إلى الرّوع يوما تاركي لا أباليا
ذريني من الإشفاق أو قدّمي لنا من الحدثان والمنيّة واقيا
ستتلف نفسي أو سأجمع هجمة ترى ساقيها يألمان التّراقيا
وقال أوس «٢» بن حجر: [طويل]
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا من المال يطرح نفسه كلّ مطرح
ليبلي عذرا أو ليبلغ حاجة ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وقال آخر: [طويل]
رمى الفقر بالأقوام حتى كأنّهم بأطرار آفاق البلاد نجوم
قال كسرى: إحذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع. وقال الشاعر: [طويل]
خلقان لا أرضى اختلافهما تيه الغنى، ومذلّة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطرا وإذا افتقرت فته على الدّهر
واصبر، فلست بواجد خلقا أدنى إلى فرج من الصّبر
[ ١ / ٣٤٣ ]
كان أعرابيّ يمنع ابنه من التصرف إشفاقا عليه، فقال شعرا فيه:
[طويل]
إذا ما الفتى لم يبغ إلّا لباسه ومطعمه، فالخير منه بعيد
يذكّرني خوف المنايا، ولم أكن لأهرب ممّا ليس منه محيد
فلو كنت ذا مال لقرّب مجلسي وقيل إذا أخطأت: أنت رشيد
رأيت الغنى قد صار في الناس سؤددا وكان الفتى بالمكرمات يسوده
وإن قلت لم يسمع مقالي وإنّني لمبدىء حقّ بينهم ومعيد
فذرني أجوّل في البلاد لعلّه يسرّ صديق أو يساء حسود
ألا ربّما كان الشّفيق مضرّة عليك من الإشفاق وهو ودود
وقال أعرابيّ من باهلة: [طويل]
سأعمل نصّ العيس «١» حتى يكفّني غنى المال يوما أو غنى الحدثان
فللموت خير من حياة يرى لها على الحرّ بالإقلال وسم هوان
متى يتكلّم يلغ حسن كلامه وإن لم يقل قالوا: عديم بيان
كأنّ الغنى عن أهله- بورك الغنى-* بغير لسان ناطق بلسان