قال: حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يسلم منهن أحد الطّيرة والظّنّ والحسد قيل: فما المخرج منهنّ يا رسول الله؟ قال: إذا تطيّرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقّق وإذا حسدت فلا تبغ» . وقال بكر بن عبد الله:
حصّتك من الباغي حسن المكاشرة، وذنبك إلى الحاسد دوام النعم من الله عليك. وقال روح بن زنباع الجذاميّ: كنت أرى قوما دوني في المنزلة عند السلطان يدخلون مداخل لا أدخلها فلما أذهبت عنيّ الحسد دخلت حيث دخلوا. وقال ابن حمام [طويل]
تمنّى لي الموت المعجّل خالد ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده «٢»
وقال الطائيّ [كامل]
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
[ ٢ / ١١ ]
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
لولا التّخوّف للعواقب لم تزل للحاسد النّعمى على المحسود
وقال عبد الملك للحجاج: إنه ليس من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه فعب نفسك قال: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لتفعلنّ. قال: أنا لجوج حقود حسود، قال عبد الملك: ما في الشيطان شرّ مما ذكرت. قال بعض الحكماء: الحسد من تعادي الطبائع واحتلاف التركيب وفساد مزاج البنية وضعف عقد العقل والحاسد طويل الحسرات.
قال ابن المقفع: أقلّ ما لتارك الحسد في تركه أن يصرف عن نفسه عذابا ليس بمدرك به حظّا ولا غائظ به عدوّا، فإنا لم نر ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، طول أسف ومحالفة كآبة وشدّة تحرّق، ولا يبرح زاريا على نعمة الله ولا يجد لها مزالا ويكدّر على نفسه ما به من النعمة فلا يجد لها طعما ولا يزال ساخطا على من لا يترضّاه ومتسخّطا لما لن ينال فوقه، فهو منغّص المعيشة دائم السّخطة محروم الطّلبة، لا بما قسم له يقنع ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلّب في فضل الله مباشرا للسّرور منتفعا به ممهّلا فيه إلى مدّة ولا يقدر الناس لها على قطع وانتقاص.
قيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن أخاه؟ قال: لا أبا لك «١»، أنسيت إخوة يوسف؟ وكان يقال: إذا أردت أن تسلم من الحاسد فعمّ عليه أمورك.
ويقال: إذا أراد الله أن يسلّط على عبده عدوّا لا يرحمه سلّط عليه حاسدا.
وقال العتبيّ «٢» - وذكر ولده الذين ماتوا-[متقارب]
[ ٢ / ١٢ ]
وحتّى بكى لي حسّادهم وقد أقرحوا بالدّموع العيونا
وحسبك من حادث بامرىء يرى حاسديه له راحمينا
قيل لسفيان بن معاوية: ما أسرع حسد الناس إلى قومك! فقال:
[بسيط]
إنّ العرانين تلقاها محسّدة ولا ترى للئام الناس حسّادا
وقال آخر: [كامل]
وترى اللبيب محسّدا لم يجترم شتم الرجال وعرضه مشتوم
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدا وظلما إنه لذميم
وقال يحيى بن خالد: الحاسد عدو مهين لا يدرك وتره إلا بالتمنّي. قيل لبعضهم: أيّ الأعداء لا تحبّ أن يعود لك صديقا؟ قال: من سبب عداوته النعمة. وقال الأحنف: لا صديق لملول «١» ولا وفاء لكذوب، ولا راحة لحسود ولا مروءة لبخيل ولا سؤدد لسيّء الخلق. وقال معاوية: كلّ الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها. وقال الشاعر:
[بسيط]
كلّ العداوة قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد «٢»
وفي بعض الكتب يقول الله: «الحاسد عدوّ لنعمتي متسخّط لقضائي غير راض بقسمي بين عبادي» . وكان يقال: قد طلبك من لا يقصّر دون الظّفر
[ ٢ / ١٣ ]
وحسدك من لا ينام دون الشّفاء. وخطب الحجاج يوما برستقباذ بقول سويد «١» ابن أبي كاهل [رمل]
كيف يرجون سقاطي بعدما جلّل الرأس بياض وصلع
ربّ من أنضجت غيظا صدره قد تمنّى لي موتا لم يطع
ويراني كالشّجا في خلقه عسرا مخرجه ما ينتزع
مزبدا يخطر ما لم يرني فإذا أسمعته صوتي انقمع
لم يضرني غير أن يحسدني فهو يزقو مثل ما يزقو الضّوع «٢»
ويحيّيني إذا لا قيته وإذا يخلو له لحمي رتع
قد كفاني الله ما في نفسه وإذا ما يكف شيئا لم يضع
وقال آخر «٣» [بسيط]
إن تحسدوني فإنّي لا ألومكم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولكم ما بي وما بكم وما أكثرنا غيظا بما يجد
أنا الذي تجدوني في حلوقكم لا أرتقي صعدا فيها ولا أرد
وقال بعضهم: الحسد أوّل ذنب عصي الله به في السماء، يعني حسد إبليس آدم، وأوّل ذنب عصي الله به في الأرض، يعني حسد ابن آدم أخاه حتى قتله. وأنشدني شيخ لنا عن أبي زيد الأعرابيّ. [سريع]
[ ٢ / ١٤ ]
لا تقبل الرّشد ولا ترعوي ثاني رأس كابن عوّاء «١»
حسدتني حين أفدت الغنى ما كنت إلا كابن حوّاء
غادى «٢» أخاه محرما مسلما بطعنة في الصلب نجلاء
وأنت تقليني «٣» ولا ذنب لي لكنّني حمّال أعباء
من يأخذ النار بأطرافه ينضح على النار من الماء
مرّ قيس بن زهير ببلاد غطفان «٤» فرأى ثروة وجماعات وعددا فكره ذلك، فقال له الربيع بن زياد: إنه يسوءك ما يسرّ الناس! فقال له: يا أخي، إنك لا تدري، إنّ مع الثروة والنعمة التحاسد والتخاذل، وإنّ مع القلّة التحاشد والتناصر.
قال الأصمعيّ: رأيت أعرابيا قد أتت له مائة وعشرون سنة، فقلت له:
ما أطول عمرك! فقال: تركت الحسد فبقيت. وقال زيد «٥» بن الحكم الثقفيّ. [طويل]
تمّلأت من غيظ عليّ فلم يزل بك الغيظ حتّى كدت بالغيظ تنشوي
وما برحت نفس حسود حشيتها تذيبك حتى قيل هل أنت مكتوي
وقال النّطاسيّون إنك مشعر سلالا ألا بل أنت من حسد جوي «٦»
بدا منك غشّ طالما قد كتمته كما كتمت داء ابنها أمّ مدّوي
جمعت وفحشا غيبة ونميمة حلالا ثلاثا لست عنها بمرعوي
[ ٢ / ١٥ ]
وكان يقال: ستّة لا يخلون من الكآبة: رجل آفتقر بعد غنى، وغنيّ يخاف على ماله التّوى «١»، وحقود، وحسود، وطالب مرتبة لا يبلغها قدره، ومخالط الأدباء بغير أدب.